fbpx

الروس يحاولون قضم الشمال.. وبيدرسون يؤكد عجز اللجنة الدستورية

ع ع ع

أسامة آغي

تقسيم القرار 2254 على سلال أربع في عهد الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا، والعمل على سلة الدستور قبل السلال الأخرى، كانت عملية احتيال روسي، ضغطت موسكو لتمريرها، لإفراغ القرار الدولي المذكور من جوهره الرئيس، هذا الجوهر المتمثل بتشكيل هيئة حكم انتقالي، تسبق سلته تنفيذ بقية السلال الأخرى.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على الجولة الرابعة من مفاوضات “جنيف”، ومرور عامين على تعيين غير بيدرسون وسيطًا بديلًا عن دي ميستورا، يعلن الأخير في إحاطته لمجلس الأمن، في 27 من تشرين الأول الماضي، أن “الصراع في سوريا لا يمكن حله عن طريق إصلاح دستوري، أو دستور جديد”.

اكتشاف بيدرسون هذا، يدلّ بشكل قاطع على عدم احترام الأمم المتحدة لالتزاماتها الدولية، فهي لم تسعَ بصورة جدية، تُحرج الروس دوليًا، من أجل مفاوضات السلال الأربع بصورة متزامنة، وهو أمر سمح للروس باللعب في مربع الدستورية عبر تمرير زمن طويل دون أي نتيجة كانت.

عدم احترام الأمم المتحدة لالتزامها بتنفيذ القرار 2254، دفع ثمنه الشعب السوري دمارًا إضافيًا، ونزيفًا دمويًا، لا يزال ساري المفعول، والضربة الأخيرة في جبل الدويلة تدلّ على هذه الحال.

إن إقرار بيدرسون أن “هناك حاجة لتوسيع ذلك التعاون، ليشمل على جميع القضايا، ويضمّ جميع الأطراف”، هو إقرار بأن الحل السياسي في سوريا لا يمكن أن يتمّ التوصل إليه دون المضمون الكلي للقرار 2254، وأوله تشكيل هيئة حكم انتقالي، يتم عبرها نقل السلطة من قبضة النظام السوري إلى هذه الهيئة التي تضم الجميع بموجب توصيف القرار المذكور.

لهذا تبدو دعوة غير بيدرسون وكأنها إعلان بفشل مسار الأمم المتحدة، الذي اتخذ درب تقديم عمل سلة الدستور على بقية السلال، هذا الفشل تكشفه من جانب آخر غطرسة الروس، الذين يوقعون في العشية اتفاقًا ما، ثم يلحسون حبر توقيعهم في صباح اليوم التالي.

الروس بانتهاجهم هذه السياسة، يعبرون عن معطيات متعددة موجودة في الواقع، أولها عدم وجود مربع حل سياسي ملموس، ومتفق عليه بينهم وبين الولايات المتحدة وحلفها الأوروبي، وهذا يعني أن الطرفين المنخرطين بالصراع في سوريا لا يزالان بعيدين عن تثبيت قاعدة ومسار الحل.

ثاني المعطيات، هو أن الروس باعتبارهم يريدون استخدام الورقة السورية بأقصى درجات الاستثمار، فهم لن يحصلوا على امتيازات استثمارهم العسكري في الصراع السوري، وفق تنفيذ القرار 2254، ولهذا جهدوا في تفريغ هذا القرار من محتواه، واستبدلوا به ما أسموه مساري “أستانة” و”سوتشي”.

هذا المسار بُني على قاعدة قضم أراضي المناطق المحررة بالتدريج، تحت حجج تافهة لا تقود إلى حل حقيقي للصراع السوري، بل هي تعمل على تعميقه، والانتصار للنظام الحليف لهم في دمشق.

سياسة القضم الروسية ظهرت عبر شن الحروب الجزئية من حين إلى آخر، وهذا ما جرى في شمال حماة وجنوب إدلب وصولًا إلى احتلال سراقب.

ثالث المعطيات، يتمثل باستغلال الروس للظروف الدولية المختلفة، ومحاولة توظيفها في الساحة السورية، للحصول على مكاسب على الأرض. ومن هذه الظروف، انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بانتخابات الرئاسة، ومساندة تركيا لأذربيجان في حربها لتحرير أرضها من قبضة الاحتلال الأرميني، وهو أمر أزعج موسكو حليفة أرمينيا، باعتبار أن انتصار الأذريين على الأرمن سيسمح بنفوذ تركي على حدود روسيا، وهذا أمر يزعج الروس ويوقظ في داخلهم الخوف على استقرار اتحادهم الروسي.

التقدم الأذربيجاني على الأرمن في حرب إقليم ناغورني كاراباخ، دفع الروس لمضايقة الأتراك في سوريا، هذه المضايقة هي الضربة العسكرية لمعسكر تدريبي لـ”فيلق الشام” المصنّف روسيًا بالاعتدال، والمحسوب على تركيا أكثر من غيره من قوات “الجيش الوطني”، وهم أرادوا منها إبلاغ أنقرة بانزعاجهم مما يجري في ناغورني كاراباخ.

لكن الروس لم يدركوا بعد أن الأتراك إذا أحسوا بخطر القضم الروسي، وسياسة القصف المستمر للمناطق الخاضعة للضمان التركي، قد يذهبون إلى إجراءات عسكرية لا تسرّ موسكو على الإطلاق، ومن هذه الإجراءات، سياسة استنزاف القوات الروسية، وتهديدها في عقر “حميميم” وفي مناطق وجودها الأخرى، وهذا يعني وضع المصالح الروسية في هذا البلد (سوريا) في خانة الخطر الشديد المحدق، في ظل نظام عقوبات أمريكية وغربية على روسيا، يراد منها استنزاف عنجهية بوتين، ودفع الروس إلى مكانهم الطبيعي كدولة من الصف الثاني على صعيد القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية عالميًا.

الروس يدركون أن الأتراك لن يتركوهم يسرحون ويمرحون بسياسة القضم، ولعل تفكيك نقاط المراقبة التركية المحاصرة من قبل قوات النظام في مورك وغيرها، هو من قبيل نزع الحجج الروسية، بأن تركيا لم تفِ بالتزاماتها، التي وقعت عليها في اتفاق 5 من آذار الماضي.

أمام هذه اللوحة القاتمة بشأن حل الصراع السوري وفق القرار الدولي، يبدو أن هناك ضرورة لتغيير قواعد تنفيذ هذا القرار، التغيير يبدأ من إعادة التزامن للسلال الأربع، وتقديم سلة الحوكمة، باعتبارها المدخل للحل السياسي في سوريا.

الوصول إلى هذه النتيجة، يحتاج من الدول الغربية ومن تركيا إلى إعادة النظر بنتائج “أستانة”، واعتبار هذه النتائج غير ملزمة توافقًا مع عدم التزام الروس بها، وهذا يتطلب إعادة النظر بالهدن الصغيرة التي تفرضها موسكو من حين إلى آخر بما يتوافق مع حاجاتها العسكرية والسياسية.

إجراءات كهذه، مع تغيير بسياسة المواجهة على الأرض، وفي القنوات الدبلوماسية، مترافقة مع حالة الحصار الاقتصادي وعقوبات قانون “قيصر”، ستجبر الروس جديًا على القبول السريع بتنفيذ القرار 2254 وفق جدولة زمنية محددة.

الأتراك هم أكثر المعنيين بهذه الإجراءات، ويحتاجون إلى سند حقيقي من الولايات المتحدة، لتنفيذ تغيير قاعدة المواجهة، فالنظام السوري، الذي اشتكى مندوبه بشار الجعفري من أن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يواصلان ما سماه “الإرهاب الاقتصادي”، إنما يعترف بخطورة العقوبات المطبقة بحقه، دون أن يلتفت مرة واحدة إلى التعاون مع المنظمة الدولية لتنفيذ قرارها رقم 2254.

تغيير تركيا قواعد المواجهة والاشتباك مع النظام وحلفه الروسي- الإيراني عبر دعم “الجيش الوطني” وفعاليته العسكرية، سيعجل بالضرورة بتقريب الحل السياسي الدولي أكثر، وسيخلص الشعب السوري من تبعات حرب ظالمة شنها نظامه وحلفاء نظامه عليه.

فهل ننتظر تغيير قواعد لعبة القضم التي استمرأها الروس؟ الجواب ستظهره طريقة مواجهة سياسة القضم الروسية، وحال الاستعداد للدفاع عن المربع الأخير للمعارضة في الشمال السوري.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة