“جدار الصوت”.. إسرائيل في دور “حزب الله”

ع ع ع

نبيل محمد

أول سؤال يمكن أن يطرحه أمامك فيلم “جدار الصوت” اللبناني الذي نال ثلاث جوائز في مهرجان “البندقية” السينمائي مؤخرًا، هو اختلاف اسمه بين اللغتين العربية والإنجليزية، فـ”جدار الصوت” يحمل اسم “All this all this victory” بالإنجليزية، أي “كل هذا النصر”، السؤال الذي لا إجابة واضحة عنه، إلا أن الحدث ورسالة الفيلم تجعل من “جدار الصوت” اسمًا أكثر توافقًا مع المحتوى، المحتوى الذي يلعب الصوت فيه دور البطولة لا شك.

“مستوحى من قصة حقيقية في حرب تموز 2006″، هكذا يرد في شارة الختام، وهكذا يقول القائمون عليه، وهي قصة لا بد أنها حضرت في آلاف الحروب مع إسرائيل وسواها، فأن تجد مجموعة من سكان قرية تشهد حربًا بين طرفين نفسها محاصرة داخل منزل، بينما جنود العدو يمشون على سطح هذا المنزل، هو حدث ليس استثنائيًا أبدًا، وهو ما قاد مخرج الفيلم أحمد غصين بلا شك إلى عدم الاعتماد على القصة بوصفها حكاية ينتظر المشاهدون خواتيمها، فما توحيه البداية لا يشي أبدًا بالتفاصيل. فالشاب الثلاثيني الذي جاء إلى قريته بحثًا عن والده مستغلًا هدنة وقف إطلاق النار، ووجد نفسه عاجزًا عن العودة بعد أن حوصر في بيت من بيوت القرية مع مجموعة صغيرة من سكانها، لن يكون الختام حول إمكانية نجاته وعودته إلى بيروت حيث تنتظره زوجته ليسافرا معًا، إنما ستكون حالة الحصار تلك، والأدوات المحيطة بها من كل صوب، والظل والشمس، هي الحكاية والعبرة.

لن يتابع الفيلم سوري، أو متفهّم للقضية السورية، إلا عابسًا منتظرًا أي كلمة تمجيد لـ”حزب الله” في حربه ضد إسرائيل، ليشتم الحزب الذي عاث خرابًا في بلاده، وسينتظر أيضًا مشهدًا كلاسيكيًا لعلم ما يرتفع، أو صيحة ما من أدبيات المقاومة أو أدبيات الحزب الدينية والعقائدية، لكن الفيلم لا يتيح ذلك، وهو ما يحافظ عليه بعيدًا نسبيًا عن التصنيف في خانة أفلام المقاومة ودعايتها ذات الملامح المكرورة والمستهلكة وغير القادرة على الإقناع أو حتى التأثير خاصة في السنوات الأخيرة. لكن أن يكون الفيلم مصوّرًا على أنقاض مدينة الزبداني السورية، فهو ما سيصنف في مكان آخر بعيد عن هذا وذاك، بل وبعيد أيضًا حتى عن تلك الأفلام التي صنعها النظام السوري بأكف مخرجيه خالصي الولاء، كنجدة أنزور مثلًا. فهنا الوضع مختلف، ويمكن أن يلعب حضور الزبداني في الفيلم دورًا هو الأهم في الفيلم.

يعطي حضور الزبداني الرسالة الأهم في الفيلم، ليس بانعكاس القصة على ما عاشه أهلوها، وأنْ كم من عائلة حوصرت في بيتها وربما لم تنجُ تحت رصاص الجنود الذي يمشون على أسطح المنازل، لكن أن تكون تلك المنازل التي دمّرها الحزب وهجّر أهلها، هي المكان المناسب لتصوير حرب الحزب ضد إسرائيل، فالعدوان الذي خضعت له تلك القرية اللبنانية في الجنوب التي يتحدث عنها الفيلم، لم تعد قادرة على تقديم الحكاية بعد أن رمم أهلها آثار العدوان عليهم، لكن “حزب الله” وفّر بسلاحه ذاته الذي من المفترض أنه حارب إسرائيل فيه أماكن تمثّل الدمار الإسرائيلي، وبالتأكيد تبالغ به وتتجاوزه، على الأقل لم نشاهد قرية أو مدينة لبنانية دُمّرت بمستوى دمار القرى والمدن السورية، وهنا ليس القصد بالتأكيد تبرئة إسرائيل من اجتياحها المناطق المدنية، وإنما تفريق بين مستويات الإجرام.

إنه المقاوم ذاته، حين وجه سلاحه باتجاه آخر، فلم يشوّه فقط تاريخه كمقاوم، إنما خلق الشكوك في قضيته كلها كطرف باحث عن الحرية والعدالة. لا يمكن لأحد أن يرى “تموز 2006” قبل دخول “حزب الله” إلى سوريا، كما يراها بعده. الحزب الذي عاث إجرامًا في سوريا، فتح مدنًا جاهزة للتصوير السينمائي، يتسوّل فيها عدالة قضيته من الجمهور، بأن يقدّمها أمام الكاميرات على أنها قراه التي دمّرتها إسرائيل، وبنفس المعنى سيكون قد قدّم نفسه على أنه إسرائيل، فهل من صورة أوضح ذلك؟



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة