fbpx

أتريدون بناء وطن أم خيمة عزاء تحجب المعرفة؟

ع ع ع

منصور العمري

الترحم على الموتى وذكر محاسنهم مفهوم إيجابي ويعبر عن اختيار حساس ويراعي مشاعر الآخرين، وخاصة الأقرباء والأصدقاء. لكن إن كان المتوفى شخصية عامة، وأدى دورًا أثّر في حياة كثير من الناس، يصبح الحديث عن محاسنه أو مساوئه حقًا مصونًا لمن وقع تحت تأثيره، وضرورة وواجبًا وخاصة ممن عرفه، بغض النظر إن كان تقييم البعض سلبًا أم إيجابًا.

قد يكون الاقتصار على الترحم على بعض الأشخاص تسترًا وإخفاء للحقائق، بما يخدع السوريين ويمنع عنهم المعرفة الضرورية بأفعال هؤلاء وأدوارهم، من أجل بناء وطن جديد دون تكرار أخطاء الماضي. أما الترحم على المجرمين فهو عار وينتهك حرمة الضحايا وأقاربهم، وأقل ما يقال عنه إنه قلة ذوق، وخاصة إن لم تتم محاسبة المجرمين قضائيًا قبل موتهم، بدلًا من طلب الرحمة للأموات من القتلة والمجرمين، يجب الدعوة لحسابهم.

من الضروري عدم الازدواجية في المعايير، فحين اعتماد مبدأ ما لتحليل حادثة أو اتخاذ موقف منها، يجب اعتماد ذات المبدأ لتحليل حوادث مشابهة. كثير من السوريين لم يترحموا على عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس وحافظ الأسد وغيرهم، بل لعنوا هذه العصابة التي نهبت بلدًا ودمرت شعبًا بأكمله، وتحدثوا عن إجرامهم وسرقاتهم، لكن يجب أن نعي أن هؤلاء الأفراد لم يقمعوا شعبًا من 20 مليون فرد بمفردهم ولم يكونوا لوحدهم، وربما لم يقتلوا بأيديهم شخصًا واحدًا، فقد أسسوا وترأسوا أجهزة قمع وسيطرة مؤسساتية وأجهزة أمنية إجرامية وأخرى “ناعمة” إعلامية وثقافية وقضائية وتشريعية.

رغم أن درجة الانتهاك المباشر والمحاسبة القضائية تختلف بين رئيس فرع مخابرات ووزير للثقافة أو مدير للتلفزيون، فمن اعتقل وعذب وقتل الناس يجب أن يتلقى أقصى عقوبة في القضاء، ولكن من ترأس المنصات الثقافية والإعلامية قد لا يمكن محاسبته جنائيًا، ولكن يجب محاسبته أخلاقيًا وإنسانيًا، إن لم يرتكب فعلًا جنائيًا بالطبع.

تجريد كبار رؤساء هذه الأجهزة “الناعمة” من المسؤولية ينمّ عن جهل شديد بتأثير هذه المنصات على الشعوب. نتحدث ليلًا نهارًا عن أهمية الثقافة والفن والإعلام الكبيرة في المجتمعات وتأثيرها الذي يمكن أن يقلب الرأي العام بأكمله، أو يشعل ثورات، ونشن حملة على عمل درامي إن تعدى على آلام السوريين وهزئ بها، أو حاول نشر دعاية الأسد، وفي الوقت ذاته نترحم على أحد عناصر السلطة الفنية والثقافية في البلاد.

لا تكمن أهمية الحديث والتحليل وعدم إخفاء الحقائق في توفير المعرفة للسوريين وحسب. بالإضافة إلى ذلك يقدم الرأي العام الذي يطرحه السوريون، إن كان عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الإعلام والتقارير والعلاقات الشخصية، صورة للإعلام الوطني أو العالمي، ولجهات أخرى مثل الباحثين والأكاديميين وغيرهم لتقييم مواقف السوريين من حدث أو شخص ما.

رياض عصمت مثلًا،  شغل رياض المناصب التالية في سوريا: رئيس دائرة البرامج الثقافية في التلفزيون السوري، عميد المعهد العالي للفنون المسرحية، معاون وزير الثقافة، مدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، سفير سوريا لدى باكستان ثم لدى قطر، وزير الثقافة من عام 2010 حتى فقدانه المنصب عام 2012، ثم عمل منذ عام 2013 أستاذًا زائرًا في بعض جامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

نعت صحيفة “شيكاغو تريبيون” رياض تحت عنوان: “وفاة المدرس في إيفانستون رياض عصمت بسبب كورونا، نعى العالم العربي وزير الثقافة السوري الشجاع السابق”، وجاء في النعي: كان رياض رمزًا للحرية السياسية والإمكانيات الفكرية والفنية والإنسانية.

كما تحدث عنه أكاديميون غربيون بأنه “من أطيب الناس على وجه الأرض”. يتضح هنا دور بعض السوريين في إيصال صورة مشوهة عن الحقيقة، أو منقوصة على أقل تقدير.

لم يكن رياض عصمت “شجاعًا” ولا “من أطيب الناس على الأرض”، بل كان رئيسًا لأهم مناصب الأسد للسيطرة الإعلامية والفنية والثقافية، كالهيئة العامة للتلفزيون والمعهد العالي للفنون المسرحية ووزارة الثقافة، ولم يترك منصبه كوزير للثقافة حتى فقده في تشكيلة وزارية جديدة في 23 من حزيران 2012، ليبدأ رياض بعدها بالبحث عن فرص في مكان آخر، ويحصل على منحة ولجوء سياسي في الولايات المتحدة.

حصل رياض عصمت على منحة في الولايات المتحدة قدمتها له منظمة “أكاديميون/ مدرّسون في خطر”، التي عرّفتها صحيفة “شيكاغو تريبيون” بأنها مجموعة دولية مكرسة لحقوق الإنسان والحريات الأكاديمية، ومعروفة بإيجاد منازل للأشخاص الذين يتحدثون ضد القمع.

متى تحدث رياض عصمت ضد القمع! هو الذي عاش حياة الرخاء والمناصب وكان أداة بارزة في جهاز قمع ملايين السوريين وحرياتهم الأكاديمية وحقوقهم الإنسانية، بينما يقبع الأكاديميون والمدرّسون الشجعان والطيبون الحقيقيون في غياهب سجون الأسد، أو هم مهمشون في سوريا أو منفيون في أنحاء العالم.

لم يكتفِ رياض عصمت بتقلد أهم مناصب أجهزة النظام للسيطرة الإعلامية والثقافية والفنية، بل حين خرج من سوريا وعمل مدرّسًا في الولايات المتحدة الأمريكية لم ينشط في الحديث عن إجرام الأسد، واتخذ موقف الصامت تجاه كارثة تشتعل بشعبه. حرم السوريين من المعرفة ولم يتحدث إليهم عن آليات نظام الأسد في السيطرة على المشهد الثقافي والإعلامي والفني في سوريا. كما نعته وزارة ثقافة النظام عند موته بأنه “الأديب والناقد والمسرحي اللامع“.

إن كان المسؤول الحكومي لطيفًا وساعد هذا وذاك فليس هذا هو المعيار لتقييم أدائه، لأن واجبه وعمله خدمة الناس، وهي الصفة المفترضة والمتوقعة من العامل بالشأن العام، وليس كما تعلمنا في سوريا أن من صفات المسؤولين الدناءة والجبروت واحتقار المواطنين، بحيث إن قدموا مساعدة أو تعاملوا بشكل لطيف نسلط الضوء على هذا الأمر. يُوجه الانتقاد والمحاسبة والرأي المنصف إلى الأخطاء والأسلوب الدائم لا إلى لطافة في حالات استثنائية لا تعبر عن حقيقة المنهج.

لم تقم الثورة السورية لفتح خيمة عزاء للمتوفين من هؤلاء، بل قامت على النظام الذي شاركوا في صياغته وصيانته لعقود.

يجب أن نفهم دور هؤلاء الأشخاص وبشكل تفصيلي كي نتعلم، وكي لا نكرر أخطاء الماضي، ومن أجل أن نفهم دور كل شخص منهم بشكل أكبر، يجب أن نفتح المجال للحديث عن كبار المسؤولين في النظام السوري على مختلف الأصعدة الأمنية والثقافية والإعلامية.

كثيرًا ما يُنتقد دور المثقفين وانعزالهم أو ابتعادهم عن الثورة. أليس رياض عصمت أحد هؤلاء المثقفين أيضًا؟ لكنه لم يكن أحدهم فقط، بل كان جزءًا من السلطة الحاكمة، وصاحب قرار أو غطاء حريري لتمرير قرارات النظام الأمني المجرمة.

تحدث الصحفي السوري المعروف محمد منصور عن رياض، في منشور على “فيسبوك”، وعن تأرجحه بين مشروع ثقافي منفتح ومشروع مخابراتي سلطوي مارس فيه الوشاية والتماهي مع أذناب السلطة في الوسط الفني والثقافي: “آثر أن يتابع سيرة المناصب على المتاعب، ثم غرق في الصمت غير النبيل، حين هاجر إلى أمريكا بعد أن تبوأ منصب وزير الثقافة لفترة في بداية اندلاع الثورة، ولم يكتب كلمة واحدة عن حق السوريين بالحرية والكرامة”.

وهو ما أشارت إليه أيضًا يارا بدر الحقوقية البارزة التي درست سابقًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، في منشور “فيسبوك” على صفحتها: “رياض عصمت الذي استعان بالمخابرات السورية لاقتحام المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق”.

كما تحدثت ألما سالم، في صفحتها على “فيسبوك”، عن لقائها برياض في اجتماع لإعلام وزارة الثقافة بإغلاق المراكز الثقافية الغربية في سوريا، مع بدايات الثورة السورية، وقالت إن رياض طلب عدم إغلاقها وبدا حزينًا، وأضافت ألما: “على الطاولة حيث نجلس تكوّمت مجموعة كبيرة من مسرحياته وكتبه التي نشرتها الوزارة حديثًا في ذلك العام، فمسكت إحداها و تصفّحتها و قلت له مازحة: لا داعي للحزن فقد نفّذتم الخطة الخمسية الـ11 لقطاع الثقافة كاملة. فابتسم بدماثته المعروفة وقال لي: “ما ألعنكِ”.

يجب ألا نغفل دور منصات الفن والثقافة والإعلام السلطوية في إيذاء الشعوب وتشويه بوصلتها، فدورها لا يقل ضررًا عن أدوار أجهزة المخابرات التي لن تستطيع العمل وتشويه فكر وثقافة الشعوب واستغلالها بلا دعم وغطاء من هذه المنصات “الناعمة”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة