رجل في الأخبار..

جميل مردم بك.. الدبلوماسي السوري الذي لعب على حبال الخصوم

جميل مردم بيك السياسي السوري متهم بالعمالة المزدوجة (تعديل عنب بلدي)

جميل مردم بيك السياسي السوري متهم بالعمالة المزدوجة (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

في عام 1945، وقبل رئاسته للحكومة للمرة الثانية في عام واحد، كان رئيس الوزراء السوري الأسبق، جميل مردم بك، أكثر شخصية “مكروهة” من قبل مسؤولين فرنسيين في سوريا ولبنان، بسبب تجنيده لإخراج فرنسا من منطقة الشرق الأوسط، من قبل بريطانيا، التي نجحت في تجنيد العديد من قادة الحركة القومية السورية واللبنانية للتعاون معها منذ عام 1941.

وبحسب كتاب سيصدر العام المقبل بالعبرية، للباحث الإسرائيلي مئير زمير، قالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية إن شكري القوتلي، الرئيس السوري الأسبق، وجميل مردم بك، رئيس الوزارء السوري لمرتين، ورياض الصلح، الذي صار رئيسًا للوزراء في لبنان، جُندوا من قبل بريطانيا للتعاون معها.

وقال زمير إن “الشرط البريطاني لدعم هؤلاء هو أن يوافقوا على أن تكون بلادهم تحت الهيمنة البريطانية والحكم الهاشمي، ولو بشكل سري، ورفض الانتداب الفرنسي”.

وأردف أن “بريطانيا أوفت بوعدها ودفعت إلى انتخابهم، ولكنهم نكثوا الوعد معها وتراجعوا عن موافقتهم على هذه الهيمنة”.

وبحسب ما ذكره زمير في كتابه، الذي نشرت صحيفة “هآرتس” بعض فصوله، فإن المخابرات البريطانية الخارجية جندت مردم بك، ليؤيد خطة “سوريا الكبرى” البريطانية، التي قضت بتوحيد سوريا والعراق والأردن تحت قيادة الهاشميين، مقابل أن تحصل بريطانيا على هيمنة في دمشق، التي كانت تابعة للانتداب الفرنسي.

ومقابل موافقته، “تلقى مردم أموالًا من بريطانيا”، التي وعدته بأن يحكم سوريا، تحت قيادة الملك الأردني، طلال بن الشريف حسين.

ولكن المخابرات الفرنسية علمت بأمره، وهددته بنشر الوثائق التي حصلوا عليها بشأن الخطة البريطانية، وتسريبها إلى خصومه السياسيين.

وبسبب ذلك استقال مردم بك في عام 1948، بعد مشاورات مع المخابرات البريطانية، التي لم تكن تعلم بأنه استسلم لابتزاز فرنسي، وتحول إلى “عميل مزدوج”، وزوّد فرنسا بمعلومات بالغة الأهمية حول نيات بريطانيا، بحسب الكتاب.

ثم قرر الفرنسيون التقرب إلى الحركة الصهيونية عن طريق إطلاعها على مخططات بريطانية تظهر أن هناك قرارًا في لندن يقضي باعتماد الكيان الصهيوني تابعًا لبريطانيا وليس دولة مستقلة، الأمر الذي عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول بن غوريون على تغييره.

وعندما أدرك بن غوريون أن لدى مردم بك معلومات تُفيد إسرائيل، عيّن ضابط مخابرات مسؤولًا عن الصلة الدائمة بجميل مردم بك، وهو رئيس الشعبة العربية في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، إلياهو ساسون.

من هو جميل مردم بك

ينتسب جميل مردم بك إلى عائلة سورية، ولد في دمشق عام 1893، وبدأ دراسته فيها حتى تحصيله الشهادة الثانوية، قبل أن يقصد فرنسا للاختصاص في دراسة العلوم الزراعية من أجل تحسين استثمار ممتلكات العائلة من الأراضي الزراعية.

في ذات الوقت، انتسب إلى معهد العلوم السياسية في باريس، وفي عام 1911 أسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب جمعية سرية سميت “الجمعية العربية الفتاة” في باريس، وكان هدف الجمعية “تحرير الأرض العربية من الهيمنة العثمانية والأجنبية”.

في العام 1913، انضمت بعض الجمعيات السرية إلى “الفتاة” في الدعوة إلى مؤتمر للعرب الذي عُقد في باريس، وعرف باسم “المؤتمر العربي لعام 1913“، وشارك فيه ممثلون عن جميع الأقاليم العربية.

وكان جميل مردم واحدًا من الثمانية الذين وجهوا الدعوة للمؤتمر، وشغل فيه وظيفة أمين السر العام المساعد، وكانت مهمته “تنسيق الجهود وتصنيف المطالب الوطنية للعرب”.

وصدرت عن المؤتمر قرارات تم تبليغها للدول العظمى ولسفير الدولة العثمانية في باريس.

وعندما صدرت موجات حكم بالإعدام من قبل محكمة عالية على رواد القضية العربية، كان مردم بك لا يزال في فرنسا، وعلى الرغم من ذلك فقد صدر الحكم عليه بالإعدام غيابيًا، وبين عامي 1917 و1918، قام برحلة إلى دول أمريكا اللاتينية بصفته مندوبًا عن مؤتمر باريس بهدف تقوية الصلة مع الجاليات العربية التي استقرت في تلك البلاد، وفقًا لـ”أوراق جميل مردم بك” التي كتبتها ابنته سلمى.

وبعد خروج الثورة العربية على الدولة العثمانية، كان مردم بك مع الشريف فيصل بن الحسين الذي قصد أوروبا للدفاع عن التطلعات العربية، وكان مردم بك لا يزال في فرنسا حينها.

في 1919، استطاع مردم بك أن يلقي خطابًا في أثناء مؤتمر الصلح في فرساي، وكان المطلب السوري المطروح أمام المؤتمر هو أن “سوريا كما استطاعت أن تسهم، في حدود إمكاناتها، في المجهود الحربي للحلفاء، فإنها لا ترفض المساعدة الفنية من الغرب، ولكنها حريصة على ممارسة سيادتها الكاملة، وأن تكون هذه السيادة محترمة ومعترفًا بها علنًا”، وفقًا للمذكرات المنشورة.

وبعد أن تولى مردم بك شرح المطالب السورية في مؤتمر “فرساي”، عاد إلى سوريا في العام نفسه، وأصبح من مستشاري الشريف فيصل، إلى أن أعلن المؤتمر السوري استقلال سوريا، في 8 من آذار لعام 1920.

هذا الاستقلال لم يدم طويلًا، ففي تموز من العام نفسه، وقعت معركة “ميسلون” وانتهت بانتصار القوات الفرنسية، ما وضع حدًا للسيادة السورية الوليدة، وعلى إثرها غادر الملك فيصل سوريا نهائيًا.

وبعد هذه المغادرة برزت “الحركة التحريرية السورية”، وانضم جميل مردم بك مع مجموعة من الأفراد إلى حزب “الشعب” الذي أعلن في 1925 الثورة ضد الانتداب الفرنسي، وبدأت المقاومة السورية التي كان لواؤها معقودًا لسلطان الأطرش.

وعندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وأمرت باعتقال زعماء الثورة، استطاع جميل مردم بك وعبد الرحمن الشهبندر الفرار والوصول إلى مدينة حيفا في فلسطين، بعد أن أصدر المجلس العدلي الحكم عليهما بالإعدام غيابيًا.

ووافقت القوات البريطانية على تسليم مردم بك لسلطات الأمن الفرنسية على الحدود اللبنانية.

ومنذ ذلك الحين “فقد مردم بك ثقته بالإنجليز ولم يغير شيئًا من قناعته هذه بعد ذلك”، بحسب المذكرات، لأن تسليمه كانت نتيجته السجن ثم المنفى في جزيرة أرواد قبالة مدينة طرطوس على الساحل السوري، حيث سبقه إلى هناك عدد من الزعماء والسياسيين.

وأما عبد الرحمن الشهبندر فقد سمحت له السلطات البريطانية بمتابعة السفر إلى القاهرة، وقد أعلن الجانب الفرنسي بتاريخ لاحق العفو عن المنفيين في جزيرة أرواد.

وفي فترة ما بعد العفو، تراجع حزب “الشعب” في نشاطه السياسي ضد الانتداب، فتشكّل ما عُرف في التاريخ السوري بـ”الكتلة الوطنية“، وأُسندت الرئاسة في هذه الكتلة لهاشم الأتاسي وأمانة السر العامة لجميل مردم بك.

لم تكن “الكتلة الوطنية” حزبًا سياسيًا ولا مجموعة من خلايا المقاومة، وإنما هي مجرد تكتل لمجموعة من الزعماء جميعهم من رواد القضية العربية وأغلبيتهم من مالكي الأراضي الزراعية، واتفقوا فيما بينهم على حل الأحزاب التي ينتمون إليها وتوحيد عملهم من أجل الوصول بسوريا “إلى الاستقلال التام وعدم الاعتراف بالانتداب”.

وكان لـ”الكتلة الوطنية” ميثاق للحل الوطني، يصور سوريا على أنها دولة جمهورية ديمقراطية مستقلة على الوجه المتعارف عليه في الديمقراطيات البرلمانية التي كانت جميعها قد أخذت الأسس الفرنسية، التي كان القانوني الفرنسي مونتيسكيو أول من عمل بها.

وباختصار، كان المجتمع السوري في تلك الفترة يضم فئتين: الزعماء والآخرون الذين يسمعون ويطيعون، بحسب ما نشرته المذكرات.

“كان مردم بك منذ عام 1922، وحتى تأسيس الكتلة الوطنية في العام 1928 يرفض الاستجابة لإغراءات السلطة، ولم يقبل ما عرض عليه أكثر من مرة من أجل تأليف حكومة أو الإسهام في حكومة، وكان يطلب دائمًا وكشرط مسبق بالاستقلال التام وبوضع دستور ينسجم مع تطلعات السوريين”، وفقًا لما جاء في المذكرات.

في العام 1928، اقتنعت سلطة الانتداب بأن يكون لسوريا دستور تضعه جمعية تأسيس منتخبة من قبل الشعب، وقامت الانتخابات وكان مردم بك واحدًا من النواب الذين انتخبوا عن مدينة دمشق، وبالاشتراك مع فوزي الغزي أسهم في وضع الدستور الذي كان دستورًا جمهوريًا برلمانيًا.

تسلم أولى الوزارات

وفي عام 1931، تسلم مردم بك وزارتي المالية والاقتصاد الوطني في أول حكومة سورية لهاشم الأتاسي، وكان رئيس الجمهورية حينها محمد علي العابد.

واستقال مردم بك من الحكومة في عام 1933، بعد أن تأكدت “الكتلة الوطنية” من أن رئيس الحكومة الفرنسية، أريستد بريان، لم تكن لديه أي نية بالتنازل عن الانتداب.

في مطلع عام 1936، كانت ممارسات سلطة الانتداب تزيد من استياء الرأي العام في سوريا، لذلك دعت “الكتلة الوطنية” للإضراب العام، وبسبب ذلك أُلقي القبض على مردم بك، في أثناء خطاب ألقاه في مقبرة “الباب الصغير” بعد تشييع أحد القتلى الذين شاركوا في الإضراب، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في قصبة قرق خان، وهي منطقة كانت جزءًا من لواء اسكندرون الذي تنازل عنه الفرنسيون لتركيا في عام 1939.

انتهى الإضراب الذي استمر لشهرين بعقد اتفاق بين “الكتلة الوطنية” والمفوض السامي الكونت دو مارتيل، نص على أن يذهب وفد سوري إلى باريس للمفاوضة من أجل إبرام معاهدة تضمن استقلال سوريا وتحقق سيادتها.

وكان مردم بك من ضمن ذلك الوفد، الذي نجح في وضع معاهدة موضع التنفيذ، وأُقيمت انتخابات حرة نجح فيها مرشحو “الكتلة الوطنية” بقائمة ترأسها مردم عن مدينة دمشق والغوطتين، وفي أول جلسة عقدها المجلس انتخب النواب فارس الخوري رئيسًا للمجلس، وهاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية، وألف مردم أول وزارة وطنية امتدت ولايتها بين عامي 1936 و1938.

خلال تلك الفترة زار مردم فرنسا ثلاث مرات التقى فيها عددًا من الشخصيات السياسية كان منهم هريو، وبلوم، وفلاندان، وبونيه، وفييتو، وسارو.

وعانت سوريا في تلك المرحلة الانتقالية من الارتباك بسبب ازدواجية السلطة، وكانت الأوساط السياسية تنتقد إدارة مردم بك لملف معاهدة الاستقلال، بالتزامن مع محاولته إقناع تلك الأوساط بأن السياسة التعاقدية وحدها هي التي تؤمّن السلام والرخاء في هذه المنطقة من الشرق، وفقًا لما نُشر في المذكرات.

وفي 1937 برزت قضية لواء اسكندرون، وزار مردم بك تركيا والتقى بالرئيس التركي حينها، كمال أتاتورك، للتباحث في مختلف وجوه العلاقات السورية- التركية.

اعتزاله السياسة

قدمت حكومة مردم بك استقالتها في شباط من العام 1938، في طقس سياسي عاصف اجتاح العلاقات الفرنسية- السورية، وكان أبرز ذلك التوتر هو عدم التصديق من الجانب الفرنسي على معاهدة الاستقلال.

في العام 1943، أُعيد انتخابه في مجلس النواب وكُلّف بنيابة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية وتخلى عن الحكم في أيلول عام 1945.

وفي عام 1946 ألّف الحكومة السورية وتوجه اهتمامه إلى إقرار السلام الاجتماعي، وفي هذه الفترة “جُند” مردم بك، بحسب ما ذكرته صحيفة “هآرتس” ضد الوجود الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط، وأصبح “عميلًا مزدوجًا” لكل من بريطانيا وإسرائيل.

وذُكرت في أوراق مردم التي كتبتها ابنته، أن السبب الحقيقي وراء استقالته من الحكومة في عام 1948 هو فشل الجيوش العربية في فلسطين، ورفضه التوقيع على اتفاقية “التابلاين” إذ كان يعتقد أن نصوصها ليست في مصلحة سوريا، لأنها “ترهن الاقتصاد السوري بالاقتصاد الفرنسي”.

غادر مردم سوريا في كانون الثاني 1949، وأقام في القاهرة إلى أن توفي عام 1960، وخلال هذه المدة جرت محاولات عديدة لحمله على العودة للعمل السياسي، ولكن حالته الصحية لم تعد تمكنه من الخوض في ميادين السياسة، إذ كان يعاني من أول أزمة قلبية.

وعارض مردم بك اقتراح الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، بتقديمه الدعم له إذا رغب بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية في سوريا، واقترح بدلًا من ذلك أن يدعموا الرئيس شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة