fbpx

الأديب إبراهيم الجبين لعنب بلدي: الحرية اختبار إنتاج القيم والوطنية القسرية “استبداد”

الكاتب والروائي السوري إبراهيم الجبين (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

حوار: أسامة آغي

متنقلًا بحذر وخفة بين ألغام اللغة والمفاهيم والدلالات المعرفية، أضاء الأديب والشاعر والإعلامي السوري إبراهيم الجبين، على مفاهيم السرد والوطنية، وفسر علاقة السلطة في سوريا بنوعية الأدب المنتج وقيمته، وذلك في حوار مع جريدة عنب بلدي.

اللغة معبر بين البشر

اللغة ليست مفردات في معجم، بل هي بناء حين تتحول إلى كلام، وهذا الكلام يحمل معه أنساقه وفضاءه، لهذا يقول إبراهيم الجبين إن “اللغة أساس القصة، اللغة لغات، تقول ذلك مدارس اللسانيات”، ويتابع “سواء كانت قصة أدبية أو إعلامية أو سياسية أو اجتماعية، فهي جسر ومعبر بين البشر”.

ووضّح الجبين فكرته بأن اللغة “جسر للاتصال والخلق والإبداع والتأثير، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تطويرها”، نافيًا تداخل اللغتين الأدبية والإعلامية لديه، بل يرى “أن كلًا منهما تغذي الأخرى، وهكذا لا تعود هناك أسوار للغة”.

وبرأي الجبين فإن اللغة هي التي “تبتكر الفضاء المشترك مع الآخر، وتصنع التأثير، ولا تكتفي بنقل الحقائق كعدسة المصور الفوتوغرافي”. 

إعادة النظر بالسرد

عتبة اللاشعور هي الأم الحقيقية للخلق الإبداعي، سواء كان هذا الخلق قصة أو رواية أو قصيدة أو لوحة فنية، وحين يكون هناك استغراق مع عتبة اللاشعور (عتبة التخيل الأدبي)، تأتي بنية النص كوحدة سردية.

وبالتالي، ووفقًا للجبين، فإن “الخيال هو الجوهر، يستعين بالواقع وبكل الممكنات، ليضع لك كائناته الناتجة عن نشاطه ذاك”.

ويرى الجبين أن السرد بمعناه القائم على قواعد، أو حتى على الخروج عن تلك القواعد، حالة تستحق أن يعاد النظر فيها، حتى بعد أن أشبعه النقّاد بحثًا ودرسًا وتفكيكًا في العقود الماضية.

ومن جهة أخرى، يعتقد مؤلف رواية “عين الشرق” أن “التنقل بين الواقع والخيال والتدفق اللاشعوري والكتابة الواعية لا يُضعف النص الأدبي، بل يُحضره من جديد بأدوات مختلفة، وفي حال أتيحت للكاتب تلك الفرصة، فسيقدم بصمته الإبداعية الخاصة، وفي حال قُيد فلن نجد سوى التشابه والتقليد والنسخ المكررة”.

السلطة دعمت الأدب الرديء

ثار السوريون، ليس فقط على نظام حكم استبدادي بصورته السياسية والأمنية، بل على كل تعبيراته في الفن والآداب والعلوم والحياة.

يرى الجبين أن تعبير “الصراع” هو الأدق لوصف الحالة في سوريا، فما كان يجري وما جرى بعد العام 2011، عام اندلاع الثورة، هو “صراع قائم على المستوى الأدبي والفكري والفني والإبداعي عمومًا طوال الزمن الماضي”، ولم ينشأ ذلك الصراع والتناقض فقط بعد الثورة، بل اتخذ أشكالًا أكثر حدة.

ويعتقد الجبين أن ثمة صراعًا بين الرداءة والجودة، وبين الأدب التقليدي والحديث وما بعده، وبين الرصانة والتفلت والتهتك، مشيرًا إلى وجود كثير من الشعراء والروائيين والمفكرين ممن فضلوا التمسك بالقديم حتى ما كان منه حديثًا، وأخذوا يتصرفون “كسلطة تقليدية”، وباتوا أقرب إلى العقل العتيق المتشبث برفض التجديد.

وأضاف الجبين، “اُنظر، كيف نصف الحالة الأدبية، وكأننا نتحدث عن مشهد من معركة طاحنة!”، معتبرًا أن السلطة دعمت الأدب التقليدي، بحكم أنها “تنتمي إلى مدرسة الرصانة، والحداثة تؤذيها”، لكن السلطة ذاتها، دعمت أيضًا الأدب الرديء، ومنه ما اعتبر حديثًا، شعرًا ونثرًا وبحثًا.

لكن الروائي يظنّ أن الأدب الحقيقي يبقى في منطقة وسطى، بعيدًا عن الأدب “السلعوي” الرخيص، وعن أدب السلطة الذي لا يُقرأ، وبعد الثورة مضى كل واحد من تلك المسارات في طريقه، وفق رؤية الجبين، الذي يعتقد أن “مناخ الحرية ليس فرصة للكتابة بصورة أفضل، بل هو اختيار أصعب كي تنتج ما له قيمة”.

وحذر مما حدث سابقًا، حين نالت أعمال أدبية كثيرة في الماضي شهرتها بسبب أنها مناوئة للرقابة والسلطة، وليس لأنها تحمل أي قيمة تذكر.

الوطنية السورية تراث الكل

الوطنية السورية هي منجز كل المكونات السورية التي تشكل جسد المجتمع، ولهذا يعتبر إبراهيم الجبين، الذي كتب رواية “يوميات يهودي في دمشق”، أن “الوطنية السورية لا تصنع، ولا يمكن التوصل إليها بقرار أو عمل جماعي أو مشروع فكري”.

لذلك يتجه الجبين إلى التمسك بفكرته التي تقول إن “الوطنية السورية هي حالة لا يمكنك أن تفرض، وإلا باتت استبدادًا جديدًا”، وتابع “ولا تمكن فبركتها، وإلا ستضيّع وقتك ووقت الناس”.

وهذا ما يدفع الجبين ليعتبرها “كل التراث الوطني دون استثناء”، وبرأيه فإن الوطنية السورية هي “العروبة والهويات الثقافية الأخرى، التي تريد أن تعبّر عن ذاتها، وهي العدالة بين الجميع”.

وفي الوقت نفسه، فإن سوريا التي نتحدث عنها اليوم هي بقايا سوريا الموجودة في وجدان السوريين، التي كانت تضم فلسطين والأردن ولبنان وأجزاء باتت في تركيا والعراق.

ولهذا سوريا الحالية ليست وطنًا نهائيًا في العقل الجمعي السوري، برأي الجبين، وهو ما يدفعه للإشارة إلى دور روسي في معاهدة “سايكس- بيكو” (1916)، التي قسمت بلاد الشام إلى أربعة بلاد، هي سوريا وفلسطين والأردن ولبنان.

ويرى الجبين أن “ثمة تقصيرًا لدى السوريين في التعرف إلى ثالث ثلاثة” ويقصد بذلك سيرغي سازانوف، المبعوث الروسي الذي أسهم مع سايكس (البريطاني) وبيكو (الفرنسي) في رسم خرائط الاتفاقية التي رسمت بموجبها الحدود في المنطقة.

لهذا فهو يريد “إعادة العقل الشعبي السوري من تلك المنطقة، التي يحلّق فيها، في عالم رفض الخرائط السياسية القائمة حاليًا”.

إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين كاتب وإعلامي سوري، صدرت له العديد من الكتب الشعرية والروائية والأبحاث والدراسات اللغوية والتاريخية. من إصداراته: “البراري”، و”تنفّس هواءها عني”، و”عين الشرق”، و”الطريق إلى الجمهورية”، و”لغة محمد”، و”يوميات يهودي في دمشق”.

بالإضافة إلى الكتب والأبحاث والروايات، عمل الجبين في مجال الصحافة، وكتب عشرات المقالات في عدد من الصحف العربية، منها صحيفة “العرب” الدولية، كما قدّم عدة برامج تلفزيونية، منها برنامج “علامة فارقة” على التلفزيون الحكومي السوري في عامي 2008 و2009.

أسهم في تأسيس مجلة “دمشق الفكرية” في لندن بعد العام 2011، وله فيلم وثائقي بعنوان “أسامة بن لادن في سوريا”، بالتعاون مع المخرج الراحل نبيل المالح.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة