“الشيء الآخر”.. قيمة التفاصيل في الأدب والجريمة

ع ع ع

يبدأ الكاتب غسان كنفاني رواية “من قتل ليلى الحايك”، التي تحمل اسمًا آخر هو “الشيء الآخر”، بجعل أحد أبطالها الأربعة (ليلى) ضحية منذ مطلع الرواية، إذ تغيب هذه الضحية عن مسرح المشاهد الواقعية، ليطغى حضورها في استعادة الأحداث الماضية، وفي حضور قضيتها أيضًا.

ويفتتح الأستاذ صالح، وهو محامٍ لامع، رسالته لزوجته من داخل السجن بقوله: “أنا لم أقتل ليلى الحايك”، فالقصة أن الأستاذ صالح خرج بصحبة زوجته ديما في إحدى الليالي للاحتفال بعيد ميلادها الذي بدأ بعشاء في أحد المطاعم، ثم انتقلا بعده إلى ملهى ليلي للرقص.

وفي الملهى ذاك، التقت ديما بصديقتها ليلى الحايك لأول مرة بعد انقطاع سنوات، واستكمل الجميع سهرتهم معًا، الأستاذ صالح وزوجته ديما، وليلى الحايك مع زوجها سعيد الحايك.

وكان هذا اللقاء غير المحسوب بمثابة شرارة لانطلاق علاقة غرامية ستجمع الأستاذ صالح بليلى صديقة زوجته.

تتسارع الحبكة في جو نفسي مشحون بالعاطفة، والأحداث التي نُسجت بذكاء لتخدم الغرض منها، وهو الوصول إلى الذروة، ساعة الجريمة، وما تلاها من تحقيق.

يقصد الأستاذ صالح بيت المغدورة بعد دعوة منها، يصل، يطرق الباب، لا أحد يفتح، يبحث عن المفتاح، لا يجده، يهم بالعودة خائب الرجاء،  تسقط علبة سجائره التي يفتحها عادة بشكل مميز ولا يلتقطها.

تغدو تلك التفاصيل، بالإضافة إلى أخرى كثيرة، أدلة إدانة للسيد المحامي العاشق، وتتضافر مع بعضها لتشكل كلًّا منطقيًا، وسلاحًا فعالًا في وجه أي دفاع قد يحمله المتهم لتبرئة نفسه.

يلتزم المتهم الصمت أمام كيل الأدلة التي تدينه، والتي أدهشته هو نفسه، لإيمانه بأن كلامه قد يسيء لذكرى المغدورة دون أن يخدم موقفه في القضية.

اقتنع الأستاذ صالح، متسلحًا بخبرته في المحاماة وحدود المنطق على الأقل، أن هناك شيئًا آخر نفذ الجريمة وقتل ليلى، شيئًا رسم الجريمة بهذا الشكل المتقن الذي أوقع ضحيتين، قتيلة ومتهمًا بانتظار الإدانة أو البراءة.

يتيح كنفاني للقارئ إصدار الحكم، بعد وضع المتهم أمام أدلة إدانة وبراءة بنفس الوقت، ويتيح له الولوج إلى بنية النص وتبني إحدى شخصياته، وربما الدفاع عنها أيضًا، هكذا يكون القارئ شريكًا في الرواية، وليس واحدًا من جمهورها فقط.

ويعلل الكاتب ذلك بقوله: “شخصية المتفرج من وراء لوح الزجاج لا تخلقها إلا أكثر النصوص فشلًا”.

كنفاني الذي قالت رئيسة الوزراء الإسرائيلية، غولدا مائير، بعد أن اغتاله جهاز “الموساد” الإسرائيلي في حي الحازمية في بيروت عام 1972 وهو ابن 36 عامًا: “بمقتل غسان تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان كان يشكل خطرًا على إسرائيل أكثر من ألف فدائي مسلح”، استطاع بفضل روايته البوليسية هذه، الانتقال من موضوع القضية الفلسطينية الذي صبغ معظم أدبياته، إلى إشكاليات الحياة المعاصرة التي لا يكون فيها الإنسان مهددًا بوجوده وكينونته.

تشبه “الشيء الآخر” الواقع المعاش، هذا الواقع الذي تحاشاه غسان في رواياته الأخرى المشحونة بلغة الرفض وعدم التأقلم، يضع هنا عينة من علاقاته الاجتماعية على طاولة التشريح، ويقدمها بأسلوب مراقب للحياة التي ترجّل عن صهوتها مبكرًا.

تسير الرواية من ألفها إلى يائها على رسالة يكتبها صالح لزوجته ديما، بلغة مفعمة بالقنوط وصدق اللحظات الأخيرة، لتفهم كل ما جرى في الكواليس التي لم تشهدها.

نُشرت الرواية لأول مرة في مجلة “الحوادث” الأسبوعية، التي كانت تصدر في بيروت، ضمن تسع حلقات بدأت بتاريخ 26 من حزيران عام 1966، وهي متاحة في طبعة مكونة من 133 صفحة من الإثارة العقلية والنفسية.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة