fbpx

تفضيل المولود الذكر.. أول عنف تواجهه المرأة

ع ع ع

منصور العمري

الصدمة العنيفة الأولى التي تتعرض لها المرأة في حياتها هي مسألة تفضيل المولود الذكر على الأنثى، المنتشرة بشكل واسع في المجتمع السوري، وغيره من المجتمعات.

تخضع المرأة للاضطهاد الذكوري منذ ولادتها، وتكبر وهي تسمع أحاديث وقصص تفضيل المولود الذكر على الأنثى، فمن “خيبة” الأب بالمولودة الأنثى، إلى الأب والأم اللذين ظلا ينجبان طفلة بعد الأخرى حتى حصلا أخيرًا على مولود ذكر فتوقفا عن الإنجاب، أو ذلك الأب الذي تزوج أخرى لأنه زوجته السابقة لا تنجب إلا البنات، هذا إن لم يطلقها، وغيرها من القصص والمظاهر المتعلقة بتفضيل المولود الذكر على الأنثى.

لم يأتِ هذا التفضيل في جانب منه نتيجة للنية المبيتة للتمييز ضد الأنثى، بل نتيجة لخليط من اضطهاد ذكوري مجتمعي منعكس في أنظمة الحكم، ومعزز بالقوانين، فالذكور هم حماة “الشرف”، والإناث هم التهديد الدائم للشرف بالمفهوم المجتمعي المعزز بالقوانين الوطنية المتواطئة معه والتي تخفف عقوبة ما تصفه بـ”جريمة الشرف”، ويصفه العرف المجتمعي بـ”غسل العار”.

تسهم أيضًا عدة عوامل في هذ التمييز، منها العوامل الاقتصادية الاجتماعية، وتعزيز القوانين لأفضلية الذكر على الأنثى. من منظور اقتصادي اجتماعي، يفضل الأهل المولود الذكر على الأنثى لعدة أسباب، من بينها استطاعة الذكر العمل وإعانة معيل العائلة، رغم أن البنت أيضًا يمكنها العمل، لكن في مجتمع ذكوري يرفض عمومًا عمل المرأة، يصبح الذكر الخيار الاقتصادي الأنسب.

تلعب الأمثلة الشعبية دورًا مهمًا في جدلية تفضيل المولود الذكر، وتشكل مؤشرًا على هذه الثقافة المجتمعية، مثل “البنات همهم للممات”، إضافة إلى الفكر السائد بأن الذكر هو من يبقى مع والديه في النهاية ويعينهما عندما يكبران، وهو من سيحمل اسم وذرية أبيه، بينما تذهب الأنثى إلى الغريب!

ثم في مرحلة الطفولة، يظهر اهتمام الوالدين بالطفل الذكر على حساب الأنثى. يأخذ الأب طفله الذكر معه خارج المنزل، ويتصور معه، ويفتخر به، كل هذا والطفلة تقبع في المنزل ترى هذه المعاملة التفضيلية لتعتاد عليها كإنسانة من الدرجة الثانية. تكبر هذه الفكرة الأولية مع الأنثى، وتؤثر سلبًا على ثقتها بنفسها وتقييمها لذاتها في المجتمع، لتصبح ثقافة اجتماعية مقبولة ليس فقط لدى الرجل بل المرأة أيضًا، فهناك كثير من النساء يفضلن الذكر على الأنثى ويمارسن دورًا ذكوريًا في المجتمع، ويدعمن “جرائم الشرف” مثلًا. ليس بالضرورة أن تكون المرأة مدافعة عن حقوق المرأة، أو أن يكون الذكر معاديًا لحقوقها، فجنس الشخص قد لا يلعب دورًا بقدر أهمية فهمه ووعيه لهذه الثقافة المؤذية للمجتمع ككل وليس للمرأة فقط.

تنعكس هذه الثقافة التمييزية على جميع مناحي الحياة في المجتمع، فمثلًا في مجتمع يحاول الانتقال من حكم ديكتاتوري، أو من مرحلة حرب إلى استقرار، تطغى هذه الظاهرة التمييزية على أدوات التمثيل السياسي أو الانتقال أو التغيير.

“الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” مثلًا، الذي أسهم في تأسيسه المجتمع الدولي ويستمر في دعمه، ويعتبره ممثلًا شرعيًا للمجتمع السوري، يضم بين صفوفه ثماني نساء فقط من بين 92 عضوًا، أي بنسبة 8.6% للمرأة. تكمن هنا مسؤولية داعمي هذا الكيان بتصحيح وضعه التمثيلي وإنهاء تمييزه الصارخ هذا ضد المرأة، خاصة أنه من أدنى نسب تمثيل المرأة السياسي في العالم. على سبيل المثال كانت نسبة تمثيل المرأة عام 2019 في البرلمان السعودي 19.9%، وفي أفغانستان 23.6%، وفي الصومال 24.4%. تشكل هذه النسبة الضئيلة لتمثيل المرأة في الكيان السياسي المعارض الأكبر مؤشرًا خطيرًا على امتداد ثقافة التمييز ضد المرأة، وعلى مستقبل تمثيلها في عمليات الانتقال السياسي أو العدالة الانتقالية، حيث يُسقط دور المرأة الأساسي في هذه العملية، لتصبح عدالة انتقالية ذكورية. كما أنه لا يجب أن توجد المرأة في عمليات الانتقال والتغيير المجتمعي كأم ضحية ذكر أو زوجة ضحية ذكر أو ابنة ضحية ذكر وحسب، بل يجب أن توجد بصفتها كامرأة ضحية بحد ذاتها.

الإعلام منصة رئيسة لتبادل الأفكار والترويج لها سلبية أم إيجابية، وهنا يبرز دور الإعلام وأهميته في تنوير الناس ونشر الوعي المتعلق بحقوق المرأة وحمايتها، وتصحيح الأفكار والمواقف السلبية تجاه المرأة. لكن الإعلام أيضًا هو حقل ذكوري آخر، حيث يحظى الصحفيون والعاملون في المجال الإعلامي الذكور على النسبة الكبرى وبفارق كبير عن الإناث. هذا الفارق يضعف صوت المرأة ويركز مجالات الاهتمام من منظور صحفي ذكوري. رغم ذلك هناك تجارب مهمة لإفساح المجال للمرأة الصحفية، مثل برنامج “مارِس” في مؤسسة عنب بلدي، الذي تدعمه الحكومة الكندية. يفسح هذا البرنامج المجال أمام صحفيات المستقبل، ويقدم لهن الخبرات والتدريب العملي. كما أن هناك صحفيات تعرضن لشتى أنواع القمع، واستمررن في عملهن، ليبرزن كأمثلة مهمة عن مقاومة المرأة واستمرارها في عملها.

بالإضافة إلى الإعلام، هناك مؤسسات المجتمع المدني ومهما كان اختصاصها، يجب أن تفسح المجال للمرأة لتأخذ مكانها من الكوادر إلى القيادة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة