التحالف جوًا والروس والإيرانيون برًا.. سياسة مَن أجدى بقتال تنظيم “الدولة”؟

جندي من قوات التحالف يقف على عربة مدرعة وخلفه العلم الأمريكي – 24 من تشرين الثاني 2020 (التحالف الدولي)

ع ع ع

عنب بلدي – علي درويش

يستخدم الروس والإيرانيون في سوريا أسلوب الحرب الكلاسيكية ضد جيوب تنظيم “الدولة” في البادية السورية، بينما تتبع قوات التحالف الدولي أسلوب الرصد والقصف الجوي لأهداف محددة.

وأطلقت روسيا وإيران، عبر ميليشياتها أو التشكيلات العسكرية النظامية، عدة عمليات ضد خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” المنتشرة في البادية السورية، منذ إخراجه من بلدة الباغوز آخر معاقله على الأراضي السورية، في 23 من آذار 2019.

فشلت جميع الحملات الإيرانية والروسية بالقضاء على وجود التنظيم، وتعرضت الأرتال العابرة من البادية وخاصة التابعة للميليشيات الإيرانية لهجمات، أدت إلى خسائر في الأرواح والمعدات.

بينما قللت سياسة التحالف من خسائره وخسائر حليفته “قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، باستثناء الخسائر التي تتعرض لها القوات المحلية في عمليات أمنية تستهدف خلايا التنظيم.

ووصلت خلال الأيام الماضية تعزيزات من “الفيلق الخامس” في قوات النظام المشكّل روسيًا، وقوات من “الفرقة 25” تحت قيادة سهيل الحسن، إلى أطراف البادية لشن عمليات عسكرية ضد التنظيم.

وبحسب ورقة بحثية لمركز “جسور للدراسات”، فإن التعزيزات السابقة تبعها إطلاق روسيا المرحلة الثالثة من معركة “الصحراء البيضاء” التي بدأتها أواخر آب الماضي، لملاحقة خلايا التنظيم الموجودة في منطقة البادية الممتدة بين مدينة البوكمال على الحدود السورية- العراقية ومدينة الميادين جنوب شرقي دير الزور والسخنة شرقي حمص.

وشكّك رئيس دائرة المعلومات في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان، في حديث إلى عنب بلدي، بقدرة هذه القوات على التصدي لهجمات التنظيم أو نجاحها في القضاء على خلاياه، متسائلًا عن مدى جاهزية هذه القوات للقتال ومدى تدريبها وتسليحها، وهل هي قوات مشاة أم خاصة.

وأصبح من الواضح، حسب شعبان، أن هناك نقصًا في التدريب والحنكة العسكرية للقوات المدربة من قبل روسيا، لذلك كثفت مؤخرًا من التدريب الذي تقوم به الشركات الخاصة الروسية كـ”فيغا” و”باتريوت” و”موران”، ولكن “من الصعب تأكيد التدريب، أو الحصول على توثيق أن التدريب يحصل فعلًا من قبل هذه الشركات الروسية، ونكتفي بالأخبار التي تنشرها هذه الشركات”.

القتال حاليًا مختلف

المحلل العسكري العقيد أحمد حمادي قال، في حديث إلى عنب بلدي، إن قتال التنظيم اليوم مختلف عن سابقه، فعندما كان التنظيم يسيطر على مناطق جغرافية ويتمسك بالأرض، كانت هناك معارك بينه وبين “قسد” مدعومة بقوات التحالف الدولي بطريقة الحرب الكلاسيكية، أي جيش مقابل جيش، وسيطرة وانحسار واقتحام، إلى غير ذلك من أسلوب القتال حسب طبيعة أرض المعركة الجغرافية.

ويعمم هذا النوع من القتال في المعسكرين الشرقي (روسيا وإيران وغيرهما) والغربي (حلف الناتو)، بحسب العقيد.

وانتهج تنظيم “الدولة” أسلوب حرب العصابات بعد خسارته مناطق سيطرته في سوريا والعراق، وصار غير متمسك بأي مساحة جغرافية، وتبقى خلاياه تتنقل في البادية بين منطقة وأخرى.

وتمتد البادية السورية من ريفي حماة وحمص الشرقيين إلى الحدود العراقية، ومن ريفي دير الزور والرقة شمالي سوريا إلى الحدود الأردنية- السورية، وتبلغ مساحتها أكثر من 75 ألف كيلومتر مربع من مساحة سوريا البالغة نحو 185 ألف كيلومتر مربع.

وبحسب العقيد أحمد حمادي، “يعرف التنظيم أرض البادية بشكل جيد ولديه خبرة فيها، وهو ما ساعده على شن هجمات عبر مجموعاته الصغيرة المتفرقة التي تنفذ مهمات استطلاع وانقضاض على أرتال النظام أو على الحواجز أو على نقاط ثابتة، لذلك نرى أن النجاح يكون بابتلاع الأرتال التي يرسلها الروس أو النظام”، فالتنظيم يجمع قواته ويهاجم نقطة محددة لكسب مواقع لمدة يوم أو يومين، ثم يأخذ أسرى أو أسلحة ووثائق، وينسحب.

ولا يمكن تغطية منطقة البادية والتمسك بها من قبل القوات العسكرية للنظام أو الروس أو الإيرانيين، بحيث لا يخترقها التنظيم، حسب حمادي، لذلك فإن الاعتماد الأساسي في هذا النوع من الحروب هو على الأعمال المخابراتية، واستهداف المناطق عن طريق الطائرات من الجو، حسب الوضع الميداني والتكتيكي في المنطقة.

ويبني التنظيم قوة خاصة للإغارة ونصب الكمائن على الطرق والمحاور التي يسلكها العدو، وبالتالي يستهدف كل من يمر بهذه المنطقة، معتمدًا على استطلاع وحاضنة لها خبرة بتضاريس المنطقة، حسب حمادي.

لا تنسيق بين الروس والإيرانيين

أدى عدم التنسيق بين الروس والإيرانيين، وغياب آلية التعاون العسكري والاستراتيجي بين الجهتين في العمليات العسكرية ضد التنظيم إلى فشلها، حسب نوار شعبان، مشيرًا إلى أن التعاون بين الميليشيات الإيرانية و”الحشد الشعبي” أكثر من روسيا.

وظهر ذلك بتسيير دوريات مشتركة على الحدودالسورية- العراقية بين “القوة 313″ و”زينبيون” الإيرانية، مع قوات “الحشد الشعبي”، ومن المعتاد أن يجري “الحشد الشعبي” دوريات مع “الهجانة” أو مع قوات للنظام تتبع لروسيا، وهي المرة الأولى التي يجريها مع ميليشيات تابعة لإيران.

وتحاول الميليشيات الإيرانية بسط سيطرتها على كامل المعابر النهرية بين مناطق سيطرة النظام و”قسد”، بينما سيّرت روسيا في أيلول الماضي دورية منفردة على الحدود في مدينة البوكمال.

ويصعب العثور على خلايا التنظيم نتيجة اتباعها حرب العصابات، ومراقبتها بحاجة إلى لوجستيات وعمليات عسكرية  ضخمة، حسب شعبان، لذلك يعمل الروس والإيرانيون على تمشيط منطقة منطقة  أو قطاع قطاع، وعلى الرغم من اتباع هذه الطريقة تقع قوات الجانبين في كمائن، وبتوسيع العملية أكثر ستكون خسائرهم أكبر، فأصعب شيء عسكريًا ضرب ما لا تعرف مكانه.

وبدأت روسيا المرحلة الثالثة من عملية “الصحراء البيضاء” التي أطلقتها عقب مقتل الجنرال فياتشيسلاف جلاديخ، بانفجار عبوة ناسفة، في 18 من آب الماضي، وتشمل قسمًا من بادية ريف دير الزور الواقع غرب نهر “الفرات”، بينما شملت المرحلتان الأولى والثانية بادية السخنة شرقي حمص.

ويشارك في الحملة العسكرية “الفيلق الخامس” و”لواء القدس الفلسطيني” بقيادة مباشرة من ضباط الجيش الروسي، ومجموعتان من تشكيلات القوات الروسية، واحدة تتبع للقوات الخاصة الروسية بقوام 75 مقاتلًا، وأخرى تتبع لمرتزقة “فاغنر” بقوام 120 مقاتلًا، حسب ورقة بحثية لمركز “جسور للدراسات”.

وقال رئيس دائرة المعلومات في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان، في حديثه إلى عنب بلدي، إن العمليات العسكرية الروسية الأخيرة ليست استكمالًا وإنما هي جزء من معركة واحدة ينفذها الروس.

وتهدف المعركة حسب شعبان لعدة أهداف، منها إعلامي، والتخلص فعلًا مما يسمى خلايا تنظيم “الدولة” في المنطقة، ووضع حدود السيطرة بين روسيا وإيرن، لرسم حدود السيطرة بهذه المنطقة، فالروس بحاجة إلى ذلك، لأن خسارة الطرق في البادية تعتبر خسارة استراتيجية كبيرة، بينما تملك إيران نفوذًا في بادية شرقي حمص ودير الزور، وتستطيع إغلاقها لكن بصعوبة.

إضافة إلى تأمين خطوط السيطرة، وتأمين قوات الانتشار للقوت الموالية لروسيا، وهي سياسة بدأت بها روسيا في دير الزور وبعض المناطق في ريف حمص وريف الرقة الجنوبي، وهذه القوات تعرضت لهجمات التنظيم.

وتوجد الميليشيات الإيرانية في منطقة البادية انطلاقًا من قاعدة “الإمام علي” في البوكمال حتى حمص، وذلك في إطار تأمين ما يسمى “محور إيران”، انطلاقًا من إيران مرورًا بالعراق والبادية السورية وصولًا إلى لبنان، وبالتالي لديها معرفة بجغرافية المنطقة.

ويحسب نوار شعبان، لو وجد التنسيق بين الروس والميليشيات الإيرانية، لكان الإيرانيون أمّنوا دخول الميليشيات الروسية إلى المنطقة، لكن الروس تُركوا ليدخلوا وحدهم، ووقعوا بكمائن للتنظيم.

وسقط عدد من قوات “لواء القدس” المدعوم من روسيا في البادية بهجمات للتنظيم أو في معارك أو خلال دخوله حقل ألغام منذ عام 2019، بحسب ما رصدته عنب بلدي.

الروس لا يفعّلون كامل قدراتهم العسكرية

تنطلق قوات النظام أو الميليشيات الموالية لروسيا وإيران من مناطق مختلفة في سوريا خلال العمليات العسكرية ضد التنظيم في البادية، ومع دخولها المنطقة تصبح مكشوفة، خاصة في حال وجود فرق استطلاع للتنظيم، فالأرتال الداخلة ليست عبارة عن مجموعات تعتمد على سيارات رباعية الدفع عددها لا يتجاوز خمس سيارات، كما يفعل التنظيم في تحركاته، بحسب رصد عنب بلدي لعدة إصدارات وصور للتنظيم.

وتفتقر الأرتال القادمة من مناطق بعيدة، والمنهكة في البادية، للدفاع عن النفس، ويمكن أن تحمي روسيا هذه الأرتال في حال أرادت ذلك، عن طريق الطائرات وفرق الاستطلاع، واستهداف مجموعات التنظيم التي تنصب الكمائن حتى لو كانت صغيرة، لكن حتى الآن لا يوجد هذا التنسيق الفاعل بين قوات الروس الجوية والفضائية والاستطلاع، والقوات على الأرض، حسب العقيد أحمد حمادي.

وأشار حمادي إلى أن الولايات المتحدة تستطلع وتتجسس وتتنصت على بعض قادة التنظيم ومجموعاته، وتشن غارات مفاجئة، لذلك تحقق بعض النجاحات بخلاف الروس، الذين يتمكنون حتى الآن من تدمير المستشفيات والمدارس والأسواق، فالروس يعتمدون على القوة المفرطة وليس على تكتيك الحرب النظيفة.

وتملك روسيا كل القدرة العسكرية والتكنولوجية لمراقبة تنظيم “الدولة” في البادية، وربما إيقاع خسائر كبيرة فيه، على الرغم من قدرة التنظيم على التخفي والتحرك في هذه المنطقة التي من الصعب السيطرة عليها، لكنّ للروس، حسب حمادي، نقطتين يريدون تحقيقهما:

يريد الروس في النقطة الأولى الحفاظ على التنظيم لاستخدامه في ورقة محاربة “الإرهاب”، بحجة أن التنظيم موجود، والقوات الروسية والنظام والميليشيات الموالية يقاتلونه.

وفي النقطة الثانية، فالروس يريدون أن يظهروا عجز الأرتال الإيرانية التي تتحرك باتجاه دير الزور والبوكمال، والتي تختفي بين الحين والآخر بكمائن التنظيم في تلك المنطقة.

وتصنف روسيا وإيران من أكثر الدول المتقدمة بصناعة الطائرات المسيّرة (الدرون) عالميًا، وتأتي إيران في المرتبة الخامسة عالميًا بعد الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وباكستان.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة