ع ع ع

وسط ترحيب بالإعلان عن جمع أربعة تشكيلات صحفية سورية (في تركيا والداخل السوري) تحت مظلة واحدة، أخذت اسم “مجلس الإعلام السوري”، تتبادر تحذيرات من استثمار التشكيل الجديد للتغطية على مشكلات داخلية في “رابطة الصحفيين السوريين”.

الإعلان عن هذا التجمع اكتنفته بعض إشارات الاستفهام بين عدد من أعضاء الرابطة، الذين نفوا، خلال استطلاع عنب بلدي آراءهم، درايتهم بالتنسيق والاجتماعات التي سبقت الإعلان، في حين أجابت إدارة الرابطة عن هذه التساؤلات. 

كما دارت تساؤلات فيما إذا كان المجلس سيصنع فارقًا إيجابيًا في شكل قطاع الصحافة السورية الناشئة بعد عام 2011، ويدفع لحماية الصحفيين والمراسلين في سوريا ودول الجوار.

ونشرت “رابطة الصحفيين السوريين”، عبر صفحتها الرسمية في “فيس بوك”، في 29 من تشرين الثاني الماضي، بيانًا مشتركًا مع ثلاث كتل صحفية أخرى، أعلنت فيه تنظيم عملها ضمن جسد جديد حمل اسم “مجلس الإعلام السوري”.

وبحسب البيان فإن التشكيل يضم: “رابطة الإعلاميين للغوطة الشرقية“، و”اتحاد إعلاميي حلب وريفها“، و”رابطة الصحفيين السوريين“، و”نادي الصحفيين السوريين“.

وقالت التشكيلات في البيان، إنه إثر التحديات والمتغيرات التي تواجه القطاع الإعلامي السوري، “استدعت الحاجة ضرورة تنظيم هذا القطاع، لحماية الصحفيين، والدفاع عن حقوقهم وحرياتهم، وتقديم الدعم والرعاية لهم، وتمكينهم بما يساعد على الارتقاء بمستواهم المهني”.

وتابعت أنه سيجري العمل على صون حرية الرأي والتعبير، والتأكيد على حق الصحفيين في الوصول إلى مصادر المعلومات.

وجاء التشكيل في حين تشهد الرابطة، التي تمثل الصحفيين السوريين في الخارج والمناطق السورية المحررة، خلافات داخلية بين عدد من أعضائها وإدارتها.

وتعد “رابطة الصحفيين السوريين” أكبر هذه التشكيلات وأقدمها، إذ شُكّلت في شباط 2012، برؤية تتمحور حول تمكين الصحافة المهنية والأخلاقية، وإيجاد بيئة مستقلة للعمل في قطاع الإعلام السوري من خلال التدريب المتواصل، وإلغاء القوانين التي تقيّد الصحافة وتؤثر على آداء الصحفيين السوريين، بهدف تطوير الحوار الاجتماعي، وتعزيز الوعي بالصحافة كسلطة رابعة مسؤولة عن التطور دون معوقات، بحسب الموقع الرسمي للرابطة.

طاولة مستديرة

وفي استيضاح لكيفية إدارة المجلس، قال رئيس “رابطة الصحفيين السوريين”، سمير مطر، لعنب بلدي، إن “ممثلين عن كل عضو (من الأعضاء الأربعة) يمثلونهم في المجلس الجديد، وستتخذ القرارات فيه بشكل جماعي، هناك اجتماعات دورية لاتخاذ القرارات الضرورية حسب مقتضيات الأوضاع هناك”.

وأوضح مطر أنه يوجد أعضاء من الرابطة في كل الكيانات الأخرى، وهذا يسهل عمل المجلس، ويدعم دور الرابطة في تمكين الصحفيين في الداخل.

وفي رد على سؤال حول إمكانية حماية الصحفيين في منطقة تسيطر عليها فصائل عسكرية (المعارضة السورية) في سوريا، قال إن “هذا هو أحد الأسباب التي دفعتنا لتأسيس هذا المجلس، ووجود أعضاء لنا في الداخل يسهل علينا التصرف بسرعة، بالطبع علينا التعامل مع الأمر الواقع، والتصرف بحسب خصوصية كل ظرف”.

وأكد أن ضرورة المجلس تكمن في خلق أرضية نقابية تدافع عن حقوق الإعلاميين العاملين داخل سوريا.

بدوره، أكد مدير “اتحاد إعلاميي حلب وريفها” (نشاطه في الشمال السوري بشكل أساسي)، إسماعيل الرج، لعنب بلدي، أنهم، كإعلاميين وأفراد وأجسام صحفية، بحاجة إلى مظلة جامعة في سبيل دعم حقوق الصحفيين وتوحيد خطاب الإعلاميين، لافتًا إلى أن القرارات ستؤخذ بشكل تشاركي “على طاولة مستديرة”.

وأضاف الرج، “نسعى إلى التعاون والتنسيق مع السلطات الإدارية في المنطقة المحررة على تسيير أمور الإعلاميين وحمايتهم… موقفنا سيكون أقوى بعد تأسيس المجلس”. 

تنظيم قطاع الإعلام؟

وفي رد على استفسار حول المقصود من اعتزام “مجلس الإعلام السوري” في البيان، “تنظيم قطاع الإعلام السوري”، قال رئيس “رابطة الصحفيين”، “هذه النقطة متعددة الأوجه، ولكن أهمها تنظيم العلاقة بين المؤسسات الإعلامية السورية وموظفيها، من خلال ميثاق عمل مهني بين الطرفين.

وأشار إلى ميثاق جديد سيعتمد لاحقًا للمجلس، ولا علاقة له بـميثاق شرف الإعلاميين السوريين” المعتمد من 24 مؤسسة صحفية سورية، من بينها الرابطة.

وبحسب مطر، لم يحدد بعد فيما إذا كان “مجلس الإعلام السوري” سيأخذ شكل مؤسسة تضبطها قوانين ناظمة.

وبدأت فكرة تأسيس المجلس في نهاية عام 2017، بهدف ضم أكبر عدد ممكن من الكيانات الإعلامية العاملة في الداخل، وضرورته تكمن بإعطاء الصحفيين العاملين في الداخل نوعًا من الحماية النقابية في حال تعرضوا للمضايقة أو الاعتقال، لكن ظروفًا خاصة حالت دون تأسيسه في وقت أبكر، وفق حديث مطر.

هروب إلى الأمام؟

في المقابل، يرى العضو في “رابطة الصحفيين السوريين” نصر اليوسف، في حديث إلى عنب بلدي، أن إدارة الرابطة الجديدة تريد تصنّع فعل أي شيء حتى وإن كان عديم الفائدة، معتبرًا أن الخطوة مجرد إرضاء ذاتي، متسائلًا: “هل سيحقق الجسم الوليد أي شيء من أهدافه؟”.

وأشار الدكتور في الإعلام نصر اليوسف إلى أن أعضاء الهيئة العامة لم يكونوا على علم بالإعلان عن التشكيل الجديد، مؤكدًا ضرورة وجود دور ورأي للهيئة العامة في خطوات مشابهة، وحق أعضاء الرابطة في معرفة خلفية الأجسام الأخرى المشاركة في التشكيل.

وتابع، “لم نتعلم من تجربتنا أي شيء، نكرر تصرفات قادة بلداننا التي أوصلتنا إلى هذا الحضيض، بضعة أشخاص يتخذون القرار، ثم يفرضونه أمرًا واقعًا على الآخرين”.

وأضاف أن “النوايا لو كانت حسنة حقًا، وكان الأمر جديًا بالفعل، لجرى إطلاع أعضاء الرابطة على ما يجري في الوقت المناسب، لكي يكونوا مشاركين في صنع هذا القرار الاستراتيجي”.

الصحفي السوري جلال سيريس، والعضو في “رابطة الصحفيين”، أكد أن أعضاء الرابطة لا علم لهم بالإعلان عن المجلس وتفاصيله، وأن الأمر لا يزال غير مفهوم إلى الآن.

وأضاف لعنب بلدي أن أعضاء في هيئة الشفافية والمتابعة، وهي أعلى هيئة قضائية في الرابطة، ليس لديهم معلومات عن الموضوع.

واعتبر سيريس أن الهيئة الإدارية في الرابطة أجرت تفاهمات مع المجموعات المشاركة في المجلس بشكل منفرد.

هذه الحالة من الضبابية حول أبعاد وأسباب الإعلان عن التشكيل، أدت إلى غياب دعم المجلس من صحفيين وأعضاء في الرابطة، بحسب سيريس، الذي أصر على ضرورة النقاش مع أعضاء الرابطة حيال هذه الخطوات، ولو عن بعد.

وعصفت بـ”رابطة الصحفيين” خلال الأشهر الستة الماضية عدة مشاكل، إثر تنظيم انتخابات أفرزت خلافات حول النظام الداخلي، وعدم حل مجلس المكتب التنفيذي بعد انسحاب أكثر من نصف أعضائه، ما دفع كتلًا جديدة إلى تنظيم انتخابات أخرى أفرزت مجلسًا جديدًا رغم عدم حل المجلس القديم نفسه.

“الرابطة” تستدرك: الخطوة تحت النقاش 

عضو المكتب التنفيذي في الرابطة صخر إدريس أجاب، في حديث إلى عنب بلدي، عن هذه التساؤلات، وقال، “أحيانًا يكون الوقت عاملًا مهمًا جدًا وحاسمًا في القرارات، ولا يتسع عرض الأمور كافة بشكل فوري على الأعضاء”، مستدركًا أنه سيجري نقاش أهمية المجلس الجديد مع أعضاء الرابطة ضمن جلسة حوارية.

وأضاف أن المكتب التنفيذي سيجري اجتماعين كل شهر، لمناقشة استراتيجيات عمل المجلس الجديد مع أعضاء الرابطة.

وأوضح إدريس أن القرار لم يكن بعيدًا عن أعضاء الرابطة بالشكل الدستوري، لأن المكتب التنفيذي وهيئة الإدارة في الرابطة انتخبهما الأعضاء الذين وضعوا ثقتهم بهما، وهذه الثقة مسؤولية الإدارة، مبينًا أن القرار اُتخذ بإجماع المكتب التنفيذي في الرابطة.

وأكد إدريس أن فكرة تأسيس المجلس ليست جديدة، وانطلقت منذ 2017، من خلال عدة اجتماعات ضمت “رابطة الصحفيين السوريين”، ومؤسسة “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين“، و”نادي الصحفيين السوريين“، و”الشبكة السورية للإعلام المطبوع” (التي توقف نشاطها مؤخرًا)، بحسب سكرتير الرابطة، الذي لفت إلى أن المجلس عبارة عن مظلة ترحب بأي جسد (ذي طابع نقابي) راغب بالانضمام، وأنها “ليست حصرية”.

لكن استناد إدريس إلى مؤسسة “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين” لا يتقاطع مع تصريحات رئيس الرابطة، سمير مطر، الذي قال إن المجلس الجديد سيعتمد ميثاقًا خاصًا به لاحقًا.

وأكد إدريس أن “أي قرار يتخذه المكتب التنفيذي أو الهيئة الإدارية في الرابطة، لن يخرج عن ثوابت الرابطة في الحفاظ على استقلاليتها والدفاع عن حرية الصحفي السوري (…) المجلس المعلن عنه لاقى استحسان آخرين في الرابطة، وبالتالي هو أمر مقبول بالمبدأ”.

إعلام سوري في بر الأمان

خطوة التشبيك والتفاهم بين التجمعات الإعلامية السورية أمر إيجابي، طالما أن الاتفاقات والتفاهمات تحترم حرية الصحافة وحماية وأمن الصحفيين، بحسب استشاري سوريا في منظمة “مراسلون بلا حدود” منصور العمري.

وقال منصور العمري لعنب بلدي (في رأي شخصي لا يمثل منظمة “مراسلون بلا حدود”)، إن تحديات كثيرة تواجه الإعلاميين في المنطقة، لذلك فإن العمل الجماعي وتبادل الخبرات لمواجهة هذه التحديات سيكون أكثر فعالية وتأثيرًا.

ويرى العمري أن الشكل الأمثل لتطور هذا المجلس هو تحوله إلى شبيه بجسد نقابي منفصل تمامًا عن أي جهة حاكمة أو مسيطرة، أو فصائل عسكرية، أو أحزاب سياسية أو تجمعات أيديولوجية، أو دول وتمويلات مشروطة بغير الأخلاقيات الصحفية.

ودعا استشاري المنظمة إلى ضرورة أن يكون هدف المجلس الأول والأخير وضع الصحافة في مكانها الصحيح، وهو تحري الحقيقة والأمانة الصحفية، بالإضافة إلى حماية الصحفيين من الضغوطات والتهديدات، سواء كانوا أعضاء في هذا التجمع أم لا، محذرًا من إقصاء من لا ينتمي إلى هذا التجمع في العمل الإعلامي بالمنطقة.

وأوصى العمري بانتهاج المجلس نهج النقابات في العالم، من خلال دراسة مبادئها وهيكلياتها والتواصل معها بشكل مباشر للاستفادة من تجاربها.

وأضاف، “لا ينبغي الاعتماد فقط على المتوفر من معلومات وتجارب، بل يجب إجراء دراسات وإحصاءات وبحوث علمية دقيقة تحدد تحديات العمل الصحفي في المناطق التي يعمل فيها هذا التجمع، كي تكون تجربة ناجحة، مميزة وواقعية”.

مقالات متعلقة