في الرقة.. مهن مندثرة أعادتها الحرب إلى الحياة من جديد

صناعة طوب اللبن في الرقة - آب 2020 (عنب بلدي/ عبد العزيز الصالح)

ع ع ع

الرقة – حسام العمر

بعد أن تخلى عنها السوريون لسنوات، عادت مهن قديمة للرواج في مدينة الرقة، لما توفره من حلول تناسب حال الغلاء ونقص الخدمات الذي تعانيه المنطقة.

في ورشة تتطاير فيها شرارات اللحام البرتقالية، يقضي “أبو محمد” يومه بإصلاح “بابور الكاز”، الذي عاد ليحتل مكانة في بيوت أهالي الرقة، ممن تخلوا عن محاولة استخدام الغاز والكهرباء في الطهو، نتيجة الغلاء والانقطاع.

يرى الشاب الثلاثيني القادم من مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي، أن هذه المهنة، التي “لا تتطلب رأس مال كبيرًا”، تعتبر فرصة عمل جيدة، حسبما قال لعنب بلدي.

بعد أن اختفى “البابور” لأكثر من 20 عامًا، إثر استبدال أجهزة الطهو الحديثة به، فرضت الظروف الاقتصادية عودته، إذ وصل سعر جرة الغاز في السوق السوداء إلى عشرة آلاف ليرة سورية (3.7 دولار).

ورشة “أبو محمد” ليست الوحيدة في الرقة، إذ تحتوي المدينة العديد من ورشات تصنيع وإصلاح “البابور”، الذي عادت أسطوانته الصغيرة وقوائمه الحديدية الثلاث للانتشار من جديد.

ويعتبر “البابور” آلة احتراق “بسيطة” لكنها تعتمد على عملية كيميائية، تبدأ باستخدام الضغط الهوائي للمادة المشتعلة (الكيروسين)، وضخها عبر الأنابيب المعدنية بشكل غاز جاهز للاشتعال.

أفران التنور الطينية

استعانت صفية النايف، من ريف دير الزور، بصناعة أفران التنور الطينية لتعيل عائلتها التي تتكون من خمسة أفراد بعد وفاة زوجها، إذ تبيع التنور الواحد بثمانية آلاف ليرة سورية (ثلاثة دولارات)، لكن التصريف “قليل”، كما قالت لعنب بلدي، وأحيانًا تمر أيام دون بيع أي تنور.

تعتمد صناعة أفران التنور على مواد طبيعية، بداية بالطين والتبن واليد العاملة الخبيرة، وتبدأ بإغراق نوع خاص من التراب، يدعى باللهجة المحلية “الحريّ”، ويدمج مع التبن، ويترك ليومين أو ثلاثة حتى يختمر، ثم يعجن بشكل جيد حتى يتجانس استعدادًا لتشكيله من دائرة مفتوحة على الأرض، تضيق بشكل هرمي صعودًا حتى تنتهي بفتحة علوية، يتراوح ارتفاعها ما بين 50 و70 سنتمترًا.

وقالت صفية إن صناعة التنور جاءت كرد فعل على توقف الأفران، ثم غلاء الخبز بعد فتحها، ما أجبر الأهالي على البحث عن مصدر أو طريقة بسيطة لصناعة ما يحتاجون إليه من الخبز، تفاديًا لفقدان المادة التي تعتبر أساسية في أغلب البيوت السورية.

بناء اللبِن

من المهن الأخرى التي أعادتها الظروف الاقتصادية المترافقة مع الحرب، مهنة صناعة الطوب الطيني (اللبِن)، التي كادت تختفي بشكل نهائي من المناطق السورية، قبل أن يحييها غلاء مواد البناء.

صالح وناصر وخالد، ثلاثة شبان من ريف الرقة الجنوبي، أنشؤوا ورشة لصناعة اللبِن، التي لا تحتاج إلى كثير من الخبرة، على حد قولهم.

ما تحتاج إليه مهنة صناعة اللبِن هو “الكثير من الجهد”، حسبما قال ناصر لعنب بلدي، مع بدئها بنقل نوع خاص من التراب وخلطه بالتبن، وعجنه بالماء، وتركه حتى يختمر، لأكثر من يوم، قبل أن يُصب في قالب خشبي يحدد شكل القطعة وطولها، وغالبًا ما تكون بطول 50 وعرض 30 وسماكة عشرة سنتمترات.

ويتقاضى الشبان الثلاثة أجرة صنع كل قطعة 30 ليرة سورية (0.01 دولار)، ويعتبرونها “جيدة”، إذ بإمكانهم صناعة ألف لبِنة في اليوم الواحد، وبرأي ناصر فإن رجوع الناس إلى الطين في البناء لا يعود لغلاء الأسعار فحسب، وإنما لحالة عدم الاستقرار التي يعيشونها، بسبب النزوح والحرب، وهو ما يمنعهم من اللجوء إلى التكاليف “الباهظة” عند البناء، مع اقتناعهم بـ”ستر الحال”.

حسب تقييم مبادرة “REACH” للقدرة الشرائية في شمال شرقي سوريا، فإن قيمة السلع الأساسية في الرقة، من الغذاء والوقود والماء والاتصالات ومواد التنظيف، ارتفعت بنسبة 6% ما بين شهري أيلول وتشرين الأول الماضيين، وبنسبة 65% خلال الأشهر الستة الماضية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة