ع ع ع

حباء شحادة | يوسف غريبي

يسير الرجل الخمسيني في شوارع مدينته الواقعة في ريف إدلب الشمالي الشرقي، يشير إلى الأبنية التي تقدمت على الشوارع وإلى أخرى تزاحمت وارتفعت حاجبة أشعة الشمس عن جيرانها، “تعددت الجهات الراعية للمخطط التنظيمي بالاسم لا بالفعل”، قال المهندس عبد الحكيم الأسعد، متحدثًا لعنب بلدي عن تعديات تجاوزت التشوه البصري إلى تهديد أمن السكان ومستقبل محافظتهم.

“المخطط التنظيمي”، مصطلح يعبر عن الرؤية المستقبلية لتطور العمران في التجمع السكاني، آخذًا بعين الاعتبار الكتلة البشرية والمساحة السكنية، وفي حين تحدد المخططات مرة واحدة لكل 20 عامًا، كان آخرها عام 2005 بالنسبة لإدلب، فشل التخطيط الذي وضعته الحكومة السورية بالتنبؤ بمستقبل محافظة تضاعف عدد سكانها وضاقت مساحتها وغابت عنها الرقابة، بعد ثورة لم تكن بالحسبان.

وخلال التصارع على النفوذ، في الجيب الأخير الذي انحصرت فيه فصائل وجهات المعارضة السورية، تنقلت مسؤولية الرقابة العمرانية بين أطراف لم توجه اهتمامها للتنظيم بقدر الاهتمام بالهيمنة، وقامت تجمعات سكنية جديدة في إدلب على أساسات خدمية لم تخصص لربع أعداد السكان الحاليين.

ما حال المخططات التنظيمية في المحافظة؟ وما انعكاس خللها على حياة السكان؟ ومن المسؤول عنه؟ أسئلة حاولت عنب بلدي الإجابة عنها في هذا الملف، من خلال لقاء مهندسين ومسؤولين في إدلب بحثًا عن الحلول الممكنة.

تخطيط للمستقبل لم يتنبأ بالواقع

في مدينة بنش، بريف إدلب الشمالي الشرقي، يسكن المهندس عبد الحكيم الأسعد، الذي عمل في مجال الإدارة المحلية وخدمات البنى التحتية لأكثر من 30 عامًا في مؤسسات الدولة السورية.

يراجع المهندس المخططات التنظيمية التي يحفظها على حاسوبه المحمول، وهو يتحدث بحماسة عن القوانين والنظم التي شكلت خرائط المدن في محافظة إدلب قبل 15 عامًا، “أسس التنظيم العمراني تنقسم إلى قسمين، قسم يقوم على معايير هندسية تقنية فنية تهتم بتأمين الاحتياجات المجتمعية والإنسانية للمجتمع، والجزء الآخر هو المعايير والأسس التي تهتم بطريقة صياغة وتنظيم المخطط التنظيمي وكيفية اعتماده وإدارته عن طريق إيجاد البرنامج التخطيطي”، قال لعنب بلدي.

يهتم المخطط التنظيمي، حسبما أوضح الأسعد، بوضع الحدود العمرانية للتجمع السكاني، من مناطق زراعية وسكنية ومساحات صحية، تخصص ما يملكه كل فرد داخل سكنه وعمله ومكان دراسته، مع الخدمات الأساسية المناسبة له في الحاضر والمستقبل، من أماكن العمل والتسوق والحدائق ودور العبادة والمدارس، وخدمات البنى التحتية مثل شبكات الصرف الصحي والطرقات.

كان آخر تخطيط عمراني في سوريا عام 2005، وحدد الخدمات والقوانين الناظمة للعمران وفقًا لتصور امتد لأكثر من 20 عامًا، لكن ذاك التخطيط، الذي تنبأ بزيادة عدد السكان من 1.2 مليون نسمة إلى 1.7 مليون عام 2020، وفق معدل للنمو يبلغ 2.4%، لم يحسب حساب النزوح والتهجير وسنوات الحرب التي لحقت بالحراك الشعبي المطالب بالإصلاح منذ عام 2011، والتي ضاعفت عدد سكان المحافظة وقلصت مساحتها.

مدينة إدلب تظهر فيها المباني والشوارع المنظمة – 3 أيلول 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

خريطة خسارة الأراضي في إدلب

مخالفات وتعديات “خطرة”

يضمن المخطط التنظيمي “أمان الناس” في المدن، حسبما قال المهندس المدني عبد الحكيم الأسعد، ويشترط مع التخصيص العمراني ترخيص المباني المنشأة، وضمان معايير الأمان لسكانها، مع الخدمات المناسبة لهم.

لكن المخالفات التنظيمية “منتشرة” في المنطقة، منذ أن بدأ النزوح إليها عام 2013، حسب تقدير المهندس سارية بيطار، الذي يدير مكتب مجموعة “هذه حياتي” التطوعية في إدلب، في المحلات التجارية والأسواق والكتل والقرى السكنية والمخيمات.

“حين ينشأ المخيم تبدأ حركة النزوح نحوه للسكن، شيئًا فشيئًا تتحول الخيم إلى كتل، وشيئًا فشيئًا تتوسع الكتل لتلبية احتياجات العائلة النازحة، ثم تتشكل المحال التجارية لفتح باب الزرق، وهنا تحدث الفوضى والعشوائية، وتتشكل الأسواق والمساكن في الأماكن غير المخصصة لذلك”، كما قال بيطار لعنب بلدي.

أكثر من ألف مخيم، نظامي وعشوائي، توزعت في أنحاء المحافظة، يسكنها أكثر من 1.2 مليون شخص، في أماكن غير مخدمة ولا مؤهلة لاستقبالهم، زادت حاجاتهم من العبء على القرى والبلدات والمدن المجاورة، التي ازدحمت بالنازحين أيضًا، ما دفع معظم السكان للاعتماد على المساعدات الإنسانية نتيجة نقص الخدمات الصحية والخدمية المتنوعة.

https://app.powerbi.com/view?r=eyJrIjoiYzJkZTBiYWItMmY1MC00NmIxLTk4NTMtZWU4YWJiZTBmYjc2IiwidCI6IjQ4NmZlNDJhLTg3ZDAtNDBlMi1hZjcxLWE5YjMzZWEzZmNkOSIsImMiOjF9

وصلت نسبة تزايد أعداد السكان في بعض الأماكن إلى أكثر من عشرة أضعاف، مثل منطقة قاح، التي اعتبرها بيطار مثالًا، قائلًا إن البنية التحتية التي جُهزت فيها كانت مخصصة لسكانها البالغ عددهم أربعة آلاف، ولكن أعداد سكانها الآن تتراوح ما بين 40 و50 ألف نسمة، وتعاني من مشاكل بالصرف الصحي وجمع النفايات، “إن لم يتم تحديث المخطط الخاص بها ستكون هناك مشكلة، نحن نواجه مشاكل الآن مع التزايد السكاني وستستمر مشاكلنا في المستقبل”.

متى كان التخطيط صائبًا؟

بعد مهمة أتمها الخبير الدولي في قانون التخطيط العمراني باتريك ماك أوسلان، إلى سوريا بين شهري آب وأيلول من عام 2005، بهدف تقييم مخططاتها العمرانية بمساعدة الاتحاد الأوروبي، كتب في تقريره الذي قدمه بمعونة المهندس حسام الصفدي، أن التخطيط العمراني في سوريا “قوي” بإطاره القانوني، الذي يراعي حقوق مالكي الأراضي، لكنه “ضعيف لأنه يمنع التطور”، وقواعده “المعقدة” تعوق التعامل بشكل قانوني، “بل تشجع على السكن العشوائي”.

يعود التخطيط التنظيمي في مدينة إدلب إلى الستينيات، متجددًا كل عقد أو اثنين بمساحة جديدة، حسبما قال المهندس عبد الحكيم الأسعد، فمن مساحة 200 هكتار عام 1960 لمدينة إدلب إلى 650 هكتارًا عام 1972، كانت المساحة الكلية للمحافظة خلالها ألفي هكتار من الأراضي التنظيمية المنظمة والموزعة.

زاد التنظيم المخصص للمحافظة حتى 13 ألفًا و500 هكتار عام 1995، إلى أن وصل إلى 18 ألفًا و600 هكتار عام 2005، وشمل كل المدن والبلدات والقرى والتجمعات الصغيرة التي لا تزيد على 2500 نسمة، بتحديد الشوارع العريضة والثانوية وحتى الممرات والأزقة والطراز المعماري وشبكات الصرف الصحي وغيرها.

وأطلقت الحكومة مجموعة من القوانين الناظمة للمجتمعات المحلية، وأوكلت إلى البلديات والمحافظات ضمان تنفيذها للحفاظ على المخطط العمراني، منها القانون “رقم 9” من عام 1974، بشأن تقسيم وتنظيم عمران المدن، والمرسوم التشريعي “رقم 5” لعام 1982، وقانون التخطيط العمراني، والمرسوم التشريعي “رقم 20” لعام 1983، الخاص بالاستملاك.

تبعها القانون “رقم 1” لعام 2003، المتضمن معالجة مخالفات البناء، والمرسوم التشريعي “رقم 59” لعام 2008، لإزالة الأبنية المخالفة ومخالفات البناء، والمرسوم التشريعي “رقم 107” لعام 2011، للإدارة المحلية، والمرسوم التشريعي “رقم 20” لعام 2012، الخاص بمخالفات البناء، والقانون “رقم 23” لعام 2015، الخاص بتنفيذ التخطيط وعمران المدن.

ولكن مع خروج مناطق واسعة عن سيطرة الحكومة السورية خلال سنوات الحرب، غابت مؤسسات الدولة وبقيت المجالس المحلية بحالة من “الضياع”، على حد وصف الأسعد، ولم تتمكن من حماية المخطط التنظيمي، ما سبب كثيرًا من التعديات والإساءة للنسيج العمراني.

بحسب تقييم أوسلان، فإن قوانين الأراضي السورية ما قبل عام 2005 “متداخلة”، كما أن القوانين الناظمة للتخطيط العمراني معنية بالتطور المادي للمنطقة المخططة، دون المظاهر الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتطور، مع استبعادها “وجهات نظر الناس” الذين خُططت لأجلهم حول رؤيتهم لمستقبل مدينتهم، إذ لا مكان لوجهات نظر غير علمية وشخصية حول المستقبل.

وبرأي الخبير الدولي، فإن القوانين الموصوفة بدقة ضمن الأنظمة السورية قامت على حس من “التفاؤل والثقة بالنفس”، لأنها تفترض تزويد مالكي الأراضي والقطاع الخاص بالثقة لتطوير المخطط العمراني وفق التصور المحدد له، رغم ما تمثله تفصيلاتها من قيد على عملية التطور، يجعل الخطط الرئيسة قديمة قبل أن تدخل حيز التنفيذ لأنها تستغرق وقتًا طويلًا في أثناء التهيئة.

ومع النمو العمراني السريع، والتطور السكاني الذي يفرض تلبية احتياجات أعداد أكبر للإسكان والوظائف والبنى التحتية بشكل أسرع، سواء كانت الخطة الموضوعة منفذة أم لا، فإن التخطيط الرئيس “يسهم بتطوير غير مخول وعشوائي”.

كان ذلك التطور السكاني مضاعفًا خلال سنوات الحرب، فمع موجات التهجير والنزوح التي استقبلتها محافظة إدلب خلال فترة قصيرة من الزمن، كان التطور العمراني العشوائي مرافقًا لها، مع وقوف سلطات الأمر الواقع دون تدخل وتنظيم، مكتفية بإحصاء ومتابعة المشاكل الحاصلة نتيجة الازدحام ونقص الخدمات.

مبنى نقابة المهندسين فرع إدلب الذي سيطرت عليه “حكومة الإنقاذ” في تشرين الأول من عام 2020 -3 أيلول 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

تهم متبادلة ومسؤولية لا يتبناها أحد

تعاقبت الجهات المسيطرة على محافظة إدلب، فمنذ تمكن الفصائل المعارضة من السيطرة على كامل مناطقها عام 2015، عملت “الحكومة المؤقتة” التابعة لـ”الائتلاف الوطني” على إدارة المؤسسات التي كانت تتبع للدولة السورية، قبل أن تُشكل حكومة “الإنقاذ” عام 2017، تحت ظل هيئة “تحرير الشام”، وتعمل فورًا على التفرد بالسيطرة على كامل المحافظة، وهو ما تحقق لها بعد عام ونصف.

لم تُترجم معارك السيطرة وفرض السلطة، التي أدت إلى مكاسب اقتصادية ناقشتها عنب بلدي في ملف “تحرير الشام.. تثبيت وجود أم لفظ أنفاس“، بتقديم خدمات وتنظيم أفضل، وعلى الرغم من إصدار قرارات تختص بالإدارة المحلية وحتى التخطيط العمراني، فإن ذلك لم يقف بطريق العشوائية.

يكون البناء والتوسع في العمران عن طريق توجه الفرد للمجالس المحلية مع الوثائق اللازمة التي تثبت ملكيته لقطعة الأرض التي يود البناء عليها، من سند للملكية وبيان قيد عقاري ومخططات مساحية للأرض، يحدد بعدها المجلس موقع الأرض في المنطقة من المخطط التنظيمي ونظام البناء، الذي يتضمن الشروط البنائية والمساحية لإقامة بناء آمن من الناحية الإنشائية.

ثم يقدم صاحب الأرض المخططات الإنشائية للمجلس الذي يدققها بالتعان مع نقابة المهندسين، التي وصفها الأسعد بـ”الشريك الراعي لتطوير المخطط التنظيمي”، لأن المهندس هو من يكون على كاهله تطوير البناء عمرانيًا، ووضع الدراسة المعمارية الإنشائية الميكانيكة الكهربائية بكل ما يلزم للبناء وفق قواعد وشروحات المجلس المحلي.

لكن العلاقة بين نقابة المهندسين وحكومة “الإنقاذ” لم تكن تعاونية في تطبيق المخططات التنظيمية ولا الحفاظ عليها.

إذ دعت “الإنقاذ”، في 30 من أيلول الماضي، المهندسين في المنطقة إلى تشكيل نقابة، متجاهلة وجود نقابة فاعلة منذ عام 2018 تجمع أكثر من 600 مهندس، وحسبما قال أحد أعضائها لعنب بلدي، طالبًا عدم نشر اسمه لمخاوف أمنية، فإن “الحكومة” عطلت دور النقابة، المتمثل بدراسة وتصديق المخططات التنظيمية والإشراف على بنائها، قبل عام.

ورفضت “الحكومة” التعاون، مشترطة التدخل بالعمل وضم النقابة إليها، وهو ما يخالف الطبيعة المدنية المستقلة للنقابات، بهدف “الحصول على عائدات الدراسة والتدقيق والإشراف”، حسبما أضاف عضو النقابة، مشيرًا إلى قراراتها القاضية بتحويل مخططات البناء للبلديات دون الحاجة إلى تصديقها من قبل مهندسين مختصين.

وسيطرت “الإنقاذ” على مبنى نقابة المهندسين، من خلال فرقة “أمنية” بعناصر ملثمين، طلبت من الموجودين فيه المغادرة، وأقامت انتخابات “مزيفة”، على حد تعبير عضو النقابة، ترشح خلالها كامل أعضاء “اللجنة التحضيرية” للنقابة الجديدة، وهو ما أشار إليه العضو بأنه “غير قانوني”.

وتجاهلت حكومة “الإنقاذ” استفسارات عنب بلدي حول قضية الخلاف مع نقابة المهندسين، مكتفية بنفي اتهامها برفض التعاون، واتهمت بالمقابل الموجودين بالنقابة بالتمسك “بمصالحهم الشخصية”، حسبما قال مدير العلاقات الإعلامية، ملهم الأحمد، لعنب بلدي في حديث سابق، مشيرًا إلى أن إنشاء النقابة الجديدة كان “بطلب عدد كبير من المهندسين”.

ما دور “الحكومة” في إدلب؟

يراجع المهندس مصطفى صطوف، المكلف بتسيير أمور الخدمات الفنية ضمن حكومة “الإنقاذ”، المخططات التنظيمية التي كانت تحتفظ بها مديرية الخدمات الفنية التابعة لحكومة النظام في إدلب، وقال لعنب بلدي إن موجات النزوح دفعت لتعديلها.

“كل موجة نزوح كانت ترافقها مراجعات جديدة حسب التوزع السكاني والأهمية”، حسبما أضاف صطوف، مشيرًا إلى أن “الحكومة” شكلت لجانًا إقليمية عالجت مخططات بعض القرى والمخططات التنظيمية فيها، مثل دركوش وتفتناز، وعدّلت بعض الصفات السكنية في المباني لتستوعب الزيادة السكانية.

وكانت أحدث تلك اللجان التي أعلنت عنها “الإنقاذ” هي اللجنة الإقليمية لبلدتي سرمدا والدانا، اللتين تشهدان تزاحمًا شديدًا للنازحين، لموقعهما الكائن قرب الحدود التركية التي تعتبر أكثر أمنًا من القصف والاستهداف، وأشار صطوف إلى أن مهمة اللجنة هي القيام بمسح فني تفصيلي لجميع المخالفات، ومعالجتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها.

لكن عنب بلدي حاولت التواصل مع اللجنة الإقليمية المذكورة سابقًا، دون جدوى، إلى أن حصلت على رد بتوقف مهامها بعد أقل من شهرين من الإعلان عنها.

وأصدرت “الحكومة” مجموعة من القوانين الخاصة بالعمران، وصفها صطوف بـ”الضابطة للعملية العمرانية بشكل جيد وممتاز”، لكنه لم ينفِ انتشار العشوائيات التي ردها إلى الحملات العسكرية بالمنطقة، والتي كان آخرها قبل تسعة أشهر.

ساحة الساعة الشهيرة في مدينة إدلب – 3 أيلول 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

بيانات توزع النازحين في المباني السكنية والمخيمات

رصدت عنب بلدي من خلال سلسلة حلقات برنامج “شو مشكلتك” مشاكل البناء العشوائي المخالف للمخططات التنظيمية، ومشاكل البنى التحتية ونقص التأهيل للطرقات والصرف الصحي، ومشاكل إقامة المخيمات على الأراضي الخاصة دون دعم وتنظيم، كما سلّطت الضوء في تحقيقات حقوق الملكية في سوريا على مستقبل الانتشار العشوائي للمخيمات، وكان الرد من “الحكومة”، عند استجابتها، هو بخطط مستقبلية للحل، لم تنفذ على أرض الواقع.

نقيب المهندسين السابق في إدلب، عماد شعبان، قال لعنب بلدي في حديث سابق، إن الالتزام بالمخططات التنظيمية وضبط البناء العشوائي لم يكن يتم سوى في مدينة إدلب، ولكن مع تعطيل دور النقابة من قبل الجهات الإدارية، لم يكن بإمكان المهندسين الإشراف على البناء بشكل علمي ولا الإشراف على المخططات وصحة التنفيذ.

في إدلب تضبط “الرقابة والسلطة التنفيذية” عملية البناء، حسبما أضاف شعبان، مشيرًا إلى أن التسيب وتجاهل القوانين يعزى إلى عدم التزام مجالس المدن بتطبيق وتنفيذ المخططات التنظيمية بمناطق الريف، لضعف السلطة التنفيذية فيها، والتغاضي عن المخالفات.

وأردف نقيب المهندسين السابق أن المخطط التنظيمي بحاجة إلى إعادة توسعة وتصحيح مستمرة لتدارك الأخطاء وإعادة التنظيم، عن طريق تشكيل اللجان الإقليمية، ولكن تلك اللجان “معطلة” أيضًا.

الرقابة وضبط المخالفات.. بانتظار الشكاوى

تنشأ المخالفات المعمارية وتتسع باستمرار نتيجة الحاجات التي يولدها التزايد السكاني المستمر، ونقص الوعي لأهمية الدراسة الفنية والإنشائية الصحيحة لضمان سلامة المباني المنشأة، وأثر عشوائيتها على مستقبل المدينة وتوزيع الخدمات اللازمة للسكان.

إلا أن نقص الرقابة من قبل اللجان المختصة لكشف التعديات والمخالفات لتقوم البلدية بضبطها، يترك عملية تصحيح المخالفات رهنًا لتقدم المواطنين بالشكاوى حين تمسهم مخاطر ومشاكل التخطيط العمراني.

يشارك المهندس المعماري طلال أسود كاستشاري في الدعاوى القضائية المتعلقة بالبناء حين يطلبه القضاء، ولاحظ خلال عمله أن المخالفات غالبًا ما تنشأ نتيجة نقص الإشراف من قبل مهندسين مختصين، أو لعدم مشاركة المهندسين بعملية البناء من أساسها.

“المباني تضم أرواحًا ولها تكلفة مادية عالية، فحين ينقص المبنى الضبط التنظيمي والفني والإداري، فهذا ينعكس على البلد بالتشوه والتراجع بدل التقدم”، حسبما قال أسود لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن المتابعة القضائية للمخالفات محصورة بتقدم المواطنين بالشكاوى.

وفيما يخص مدينة إدلب، فإن الضبط حاصل بنسبة 95% حسب تقديره، في حين يبلغ التعدي نسبًا “كبيرة جدًا” في المناطق الأخرى من المحافظة.

كيف يكون الحل؟

حل المشاكل التنظيمية يكون بعمل المؤسسات المحلية بشكل “جدي لا شكلي”، حسب رأي المهندس المعماري سارية بيطار، الذي قال لعنب بلدي إن ضبط المخالفات التنظيمية بحاجة إلى البدء في الحال لتخفيف مشاكل المستقبل.

واقترح بيطار تشكيل دوريات كشافة لرقابة بناء المباني السكنية أو التجارية، ورصد المخالفات التنظيمية، وتوجيه النازحين لأماكن سكن مدروسة، تجنبهم الوقوع في مشاكل المخالفات السكنية والتعرض للسيول الموسمية نتيجة اختيار المكان الخاطئ للسكن، مع وضع دراسة مستقبلية لأماكن السكن الملائمة للتجمعات السكانية الناشئة.

وضرب بيطار مثالًا لما أحدثته المخالفات المعمارية والتنظيمية من مشاكل خدمية، كما في طرقات أطمة ودير بلوط، حيث أدى تجاوز السكان لمساحاتهم المخصصة إلى تخريب الصرف الصحي وتضرر الزفت في الطرقات، وهو ما أدى إلى أذية السيارات المارة، إذ إنها “سلسلة متعلقة ببعضها”، على حد تعبيره.

تجاهل المشاكل العمرانية سيقود إلى “كوارث”، حسب تقدير مدير مكتب إدلب لمجموعة “هذه حياتي” التطوعية، لأن حركات النزوح بازدياد لا بنقصان، والعشوائية والمشاكل الخدمية بازدياد أيضًا.

وتتمثل أكبر المشاكل التي سيواجهها السكان والسلطات المحلية بالتكلفة المادية لإزالة المخالفات وتنظيم السكن، وأشار بيطار إلى ما حصل عندما عملت إدارة معبر “باب الهوى” على توسعة الطرقات التابعة لها، مضطرة لأن تدفع لأصحاب المخالفات الذين تعدوا على المخططات التنظيمية للطريق كي يتراجعوا، وقال، “لو بدؤوا بمخططات تنظيمية واضحة لتمكنوا من توفير الوقت والجهد والمال”.

وتقع مسؤولية المخالفات العمرانية الحاصلة اليوم، حسب تقييم بيطار، على البلديات والمجالس المحلية ونقابة المهندسين، لأن التعاون بين الجهتين مع توفير الاختصاصيين للإشراف ضمن كوادر البلديات على المخططات والرقابة للمخالفات التنظيمية هو السبيل لضبط العمران.

بعض المخالفات التنظيمية التي تتعدى على معالم اجتماعية أو شوارع لا يمكن إزالتها إلا بالهدم، حسبما قال المهندس عبد الحكيم الأسعد، مشيرًا إلى أن الأسس التقنية والفنية والواقع العمراني تعتمد على عمل المهندسين ومشاركتهم في التخطيط والتقييم والبناء والحل.

عانت العلاقة بين النقابة والمجالس المحلية من “مد وجزر”، حسب وصف الأسعد، وفقًا لواقع المجتمع وما مر به بعد غياب دور سلطات الدولة منذ عام 2011، إذ يقوم الناس أحيانًا بالبناء دون الرجوع إلى المجالس المحلية ولا للمهندسين المختصين، محولين دور المجالس الإدارية إلى “لجان للمعونات”، ومسببين تهميش المهندسين.

الخلل الحالي بالمخطط التنظيمي، حسب رأي الأسعد، هو لتخلي السلطة الحالية عنه وعدم تبنيه، ما أدى إلى خفض الوعي بأهميته مجتمعيًا، وتعطيل دور المجالس المحلية المسؤولة عن معالجته.

وحسبما كتب الخبير الدولي في قانون التخطيط العمراني باتريك ماك أوسلان، في تقريره لعام 2005، فإن تكيف المخطط العمراني مع الزيادة السكانية وتعديله ليكون مناسبًا في المستقبل يقوم على خمسة أسس، أن يكون “منصفًا ومتجاوبًا اجتماعيًا”، من خلال سهولة العمليات القانونية المتعلقة بالاستملاك والبناء، وأن يكون “مرنًا”، لأن صرامته تحتم عليه الفشل.

وأن يكون “إيجابيًا” مشجعًا على التطور، من خلال تقليل متطلبات الرخص، إذ لا تتطلب كل التعديلات رخصًا، وتقليل المعلومات المطلوبة عند ملء استمارات الترخيص لتحقيق الشروط المطلوبة.

وعلى المخطط أن يكون “واعيًا بيئيًا”، للاستفادة المثلى من الموارد الطبيعية مع الزيادة السكانية لتجنب التلوث وتلبية الاحتياجات، و”فعالًا” كي لا تكون تكلفته مرتفعة مع ارتباطه بفوائد معقولة تجنى عن طريق السيطرة والإدارة.

ورغم ما تمثله القوانين من عراقيل، في الحالة السورية، فإن القانون هو “نقطة الانطلاق”، حسبما كتب أوسلان، وذاك حين يدفع للتطور بدلًا من إعادة طرح المبادرات والخطط القديمة تحت أسماء جديدة.

بناء مدمر نتيجة القصف في مدينة أريحا بريف إدلب الجنوبي – 23 أيلول 2020 (عنب بلدي/ يوسف غريبي)

English version of the article

مقالات متعلقة