الهوية الوطنية الجامعة.. هو ما يحتاج إليه السوريون

ع ع ع

أسامة آغي

تدور عملية تفاوض في جنيف بين وفود اللجنة الدستورية الثلاثة المكونة لهذه اللجنة (وفد المعارضة ووفد المجتمع المدني ووفد النظام) حول الهوية الوطنية والانتماء الوطني. ولكن يبدو أن النظام الذي ذهب مجبرًا إلى جنيف لحضور الجولة الرابعة الحالية، وقبلها الجولة الثالثة، لم يستطع الإفلات من الضغط الدولي بضرورة تتالي الجولتين، الرابعة التي تعتبر تتمة للثالثة، والخامسة التي ستناقش المبادئ الدستورية.

إن الاهتمام بوضع مفهوم ومحددات للهوية الوطنية هو ضرورة، فلا وجود لقوم أو شعب بلا جامع وطني يفتخرون به، ويحسون بالانتماء إليه، فهذا الانتماء هو قاسم مشترك بينهم، ينبغي أن ينطلق من محددات تقاطعات ضرورية بين جميع المكونات السورية، وهذه المحددات هي ما يساعد على ردم حقيقي للهوّة المولدة للتنازع الإثني أو الديني أو الطائفي.

إن سوريا ذات بعد عربي إسلامي على المستوى الثقافي، وهذا البعد يحمله أغلبية السوريين من مسلمين وغير مسلمين، ومن عرب وهم الأكثرية الساحقة، وبقية المكونات الإثنية الأخرى في البلاد، وهذا يتطلب إظهار هذا البعد ثقافيًا وليس طائفيًا أو دينيًا محضًا.

لهذا، لا يمكن لهوية وطنية سورية حقيقية أن تُغفل البعد الثقافي العربي الإسلامي في تكوين الشعب السوري، كذلك، لا يمكن لهوية وطنية سورية أن تغمض عينيها عن الحقوق الثقافية للمكونات الإثنية السورية الأخرى، (مثل المكون الكردي والتركماني والآثوري والأرمني…)، أي أن حضور كل هذه المكونات، من كبيرها إلى صغيرها وطنيًا، يتم عبر إتاحة الدستور له، للتعبير عن الحاجات الثقافية لإثنيته.

إذًا، الانتماء في هذه الحالة هو انتماء للوطن سوريا، سوريا الواحدة، ذات النظام المدني الديمقراطي التعددي، نظام يأخذ بأسلوب حكم غير مركزي صارم، أي بأسلوب حكم لا مركزي إداري، يخدم كل المناطق على قدم المساواة دون احتمال لتقسيم، أو انفصال، تبيّته جهات متدخلة بالصراع، تريد أن تزرع قنبلة موقوتة، بطرح الفيدرالية التي ستكون مقدمة للانفصال.

إن مربع الوطنية السورية هو مربع جامع شامل، بينما طغيان أو هيمنة مربع إثني أو ديني أو طائفي، هو مربع نابذ للوطنية، ومفرّق لوحدة المكونات، هذا الأمر يتطلب رؤية مختلفة، تخصّ كل المكونات، هذه الرؤية تتعلق بعلاقة الفرد (بغض النظر عن انتمائه الإثني والديني والطائفي) بالدولة التي يعيش في كنفها، أي بمعنى آخر، يجب أن يجد كل فرد سوري، أنه ينتمي إلى هذه الدولة بجغرافيتها المحددة، وتاريخها المشترك، وتراثها، الذي صنعته كل المكونات دون تمييز.

إن وجود البعد العربي الإسلامي هو ضرورة، وهذا لا يعني إشاعة فكر قومي، أو ديني، بل التأكيد على الانتماء الثقافي لهذا البعد الطبيعي لسوريا، ولن يتطور أي جانب إثني ثقافي أو سياسي أو اجتماعي في حالة ابتعاده عن مربع الوطنية، لأن هذا الابتعاد يُضعف الأواصر بين المكونات.

الانتماء الوطني لسوريا، بمكوناتها المختلفة، يستلزم أن تقود الدولة الجديدة، عبر دستورها الجديد، أمر توفير اليقين بالانتماء الوطني لدى كل المكونات السورية، ولدى كل الأفراد السوريين، وهذا يتطلب توفير قواعد دستورية حقيقية، تحترمها السلطة التي ستقود الدولة، أيًا كانت هذه السلطة القادمة بالانتخابات، ومن أي تيار سياسي كانت.

الدولة معنية بتوفير أسس المساواة بالحقوق والواجبات الوطنية بين الجميع، دون تمييز بأي حق أو واجب أو تكافؤ للفرص في شتى الأمور، وهذا يزيل الغبن والتجاهل والإقصاء، ولهذا، فمبادئ دستورية كهذه يجب أن تكون مبادئ فوق دستورية، أي، لا تستطيع أي سلطة اللعب بالدستور، أو التغافل عنه، لأسباب إثنية، أو دينية، أو طائفية، بغير توافق وطني شامل على تعديل أو تغيير مبدأ من هذه المبادئ، أو تعديل وتغيير كل المبادئ الخاصة بحقوق فوق دستورية.

الانتماء الوطني صار واضحًا، إنه علاقة ذات اتجاهين، الاتجاه الأول هو علاقة من الفرد إلى الدولة، وعلاقة من الدولة إلى الفرد، هاتان العلاقتان يجب أن تتكاملا وليس أن تتبع إحداهما الأخرى بارتهان لسبب ما.

أما الهوية الوطنية السورية، فهي ليست كما يريد أن يفرضها نظام الأسد، الذي قال فيها إنها اسم الدولة وعلمها، متناسيًا هذا النظام، أن سوريا هي مكونات تاريخية بينها وحدة، ومن جهة أخرى، حين استقلت سوريا عن الانتداب الفرنسي، تمّ التوافق آنذاك على تسميتها باسم الجمهورية السورية، وكان علمها هو علم الاستقلال، ولم يخلق مثل هذا التوافق أي مشكلة بين فئات الشعب السوري، فلماذا يصرّ النظام على رفض التسمية الوطنية الأولى، ويعتبرها هي والعلم سببًا لعرقلته التوافق حول خصوصيات الوطنية السورية، أليس هذا تهربًا من جوهر الانتماء المتمثل بوحدة وتوافق المكونات، هذا التوافق يتم بالمشتركات وليس بالمفرّقات.

إن أغلبية السوريين تتكلم اللغة العربية، ولكن هناك مكونات تتكلم اللغة الكردية والآرامية والآثورية والأرمنية والتركمانية. إذًا، من الطبيعي أن تكون اللغة العربية هي لغة البلاد الرسمية، لأن الذين ينطقون ويفكرون ويبدعون بها، هم الأغلبية العظمى من سكان سوريا، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو غير ذلك.

وإضافة إلى اللغة، هناك الرابطة الجغرافية لهذه الدولة، التي كانت من قبل جزءًا من بلاد أكبر هي بلاد الشام، وقد نشأت على هذه الجغرافيا كل تفاعلات المكونات المختلفة عبر التاريخ. الجغرافيا هذه، مرّت بتاريخ صنعته المكونات المختلفة، وبالتالي، فالتاريخ هو تاريخ الجميع، وليس تاريخًا لمكون محدد.

إن إدراك المكونات لبعد سوريا العربي الإسلامي يمنحها قوة وعظمة، فهي تنتمي في هذه الحالة إلى ثقافة وروابط فكرية، تخص الشعوب الناطقة باللغة العربية، في كل أمصار الوطن العربي.

بقي أن نقول، إن اللجنة الدستورية المنعقدة في جنيف، أمامها مسؤولية وطنية وتاريخية، هي أن تنجز مفهومًا للهوية الوطنية الجامعة وليس المفرّقة، وأن تضع مفهومًا شفافًا وصريحًا للانتماء الوطني، ليس عبر شكليات الانتماء، بل عبر عمقه الفكري والتاريخي، وهو مشترك بين كل المكونات.

إن الجنوح إلى التناقضات السياسية لن يخدم استقرار سوريا ووحدتها القادمة التي صارت ضرورة لا محيد عنها، في ظلّ هذا الانحدار الأليم الذي تعيشه كل المكونات السورية بطرق مختلفة ومتعددة، ولكنها طرق أليمة خاسرة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة