الصمّة الرئوية.. من مضاعفات “كوفيد- 19” الخطيرة

صورة تعبيرية

ع ع ع

د. كريم مأمون

يمكن أن يتسبب فيروس “كورونا المستجد” بآثار مدمرة على أعضاء مختلفة في الجسم، وخاصة الرئتين، وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن مرضى “كوفيد- 19” يمكن أن يعانوا من تلف طويل الأمد في الرئة، ما قد يؤدي إلى أعراض طويلة، مثل ضيق التنفس والسعال والتعب حتى بعد ثلاثة أشهر من الشفاء، ويحدث تأذي الرئة في سياق مرض “كوفيد-19” بآليات عدة، وإحدى تلك الآليات هي حدوث “الصمّة لرئوية” أو ما يعرف بين الناس بـ”جلطة الرئة”.

ما هي الصمّة الرئوية؟

الصمّة الرئوية أو الانصمام الرئوي Pulmonary Embolism (PE) هي حدوث انسداد في أحد الشرايين الرئوية الموجودة بالرئتين، ما يقطع الإمداد الدموي عن كل المنطقة المتصلة بالشريان المسدود، وهذا قد يؤدي لتموتها، وهو ما يُعرف بـ”الاحتشاء الرئوي”، ويعوق ذلك المنطقة المصابة من الرئتين عن إمداد بقية الجسم بالأكسجين، وفي الجزء الأكبر من الحالات لا يكون حجم الإصابة كبيرًا لكن المؤكد أنها تسبب تأذيًا في الرئتين، ولكن إذا كان حجم الصمّة كبيرًا إلى درجة أنها تستطيع سد أوعية دموية رئيسة ومنع تدفق الدم من خلالها إلى الرئتين فقد تكون النتائج قاتلة.

ما أسباب حدوث الصمّة الرئوية؟

يحدث انسداد الشريان في الصمّة الرئوية بخثرة (جلطة) دموية، وهو السبب الأشيَع على الإطلاق، لكنه قد يحدث في حالات نادرة بصمّة شحمية أو هوائية أو ورمية أو إنتانية أو أمنيوسية أو مواد أجنبية.

في الصمّات الدموية، يكون مصدر الخثرة الدموية في حوالي 65-90% من الصمّات الرئوية من خثرات تتشكل في الجهاز الوريدي العميق للطرفين السفليين، وهي حالة طبية تُعرف باسم الخثار الوريدي العميق (DVT)، ثم تتحرر الخثرة وتتحرك باتجاه القلب ثم الرئتين، وفي بعض الحالات غير الشائعة يمكن للخثرة الدموية أن تنشأ من الأوردة الحوضية والكلوية وأوردة الطرفين العلويين وحتى القلب الأيمن. وعليه فعوامل الخطر للإصابة بالانصمام الرئوي بخثرة دموية هي نفسها عوامل الخطر للإصابة بالخثار الوريدي العميق، ويشار إلى عوامل الخطر هذه بـ”ثالوث فيرشو”، وهي:

1. الركودة الدموية.

2. زيادة احتمالية تخثر الدم (فرط تخثر الدم).

3. تأذي جدران الأوردة.

ومن الأمثلة على تلك الحالات: الراحة في السرير وقلة الحركة لفترة طويلة كما في حالات كسر الساق أو المكوث في المستشفى، الرحلات الطويلة التي تتطلب الجلوس في السيارة أو الطائرة أو القطار فترة طويلة (ثماني ساعات أو أكثر) دون حركة، الجراحة، فرط تخثر الدم، بعض الأدوية وحبوب منع الحمل ومكملات الاستروجين والفينوثيازينات، التدخين، القابلية الجينية للإصابة، نقص عامل لايدن الخامس (وهي حالة يكون فيها أحد عوامل تخثر الدم غير فاعل)، نقص البروتين C أو البروتين S، وجود الهوموسيستئين في الدم، البيلة الهوموسيستينية، فرط شحميات الدم، بعض اضطرابات الدم مثل كثرة الكريات الحمر وكثرة الصفيحات، بعض السرطانات  خصوصًا سرطان الدماغ والمبيض والبنكرياس والقولون والمعدة والرئة والكلى، الحمل نتيجة ضغط وزن الجنين على أوردة الحوض وإعاقة عودة الدم من الطرفين السفليين، فترة ما بعد الولادة بستة إلى ثمانية أسابيع، إصابة سابقة بالخثار الوريدي العميق، إصابة الساق سواء مع أو دون تدخل جراحي، إدمان المخدرات الوريدية، بعض أمراض القلب كالقصور، مرض فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) خاصة في الحالات الشديدة والمترافقة بنقص أكسجة الدم.

أما الصمّة الشحمية فتشاهد بشكل خاص بعد كسور العظام، وخاصة العظام الطويلة كالفخذ وعظام الحوض، حيث تخرج كتلة شحمية صغيرة قد تكون مجهرية من نقي العظم، وتسير في الجريان الوريدي لتصل إلى الرئة محدثة انسداد شريان في الرئة.

الصمّة الهوائية تحدث نتيجة دخول الهواء عبر وريد مركزي أو في أثناء إعطاء الحقن الوريدية أو تركيب السيروم، وهذا خطأ طبي شائع وقاتل أحيانًا، ولكن ولحسن الحظ فإن كمية الهواء المحقونة عبر “السيرنغ” واللازمة لقتل الشخص هي 10 مل أو أكثر، لذلك فإن بعض الفقاعات الهوائية الصغيرة التي قد تبقى في “السيرنغ” لا تؤثر ولا تسبب ضررًا.

الصمّة الورمية تحدث نتيجة غزو ورمي للجهاز الوعائي الوريدي أو الشرياني أو تحرر جزء من ورم وجريانه مع الدم الوريدي.

الصمّة الإنتانية المنشأ تنشأ من التهاب شغاف القلب، خاصة في الجزء الأيمن الذي يتصل مباشرة بالرئتين والذي يؤدي بدوره إلى حدوث تنبتات جرثومية على الصمام الرئوي أو مثلث الشرف، وبالتالي فإن انفصال جزء من هذه التنبتات قد يؤدي إلى تشكل صمّة رئوية.

الصمّة الأمنيوسية تحدث بعد الولادة مباشرة نتيجة دخول كمية من السائل الأمنيوسي إلى الجريان الوريدي.

صمّة المواد الأجنبية لم تعد تشاهد في الممارسات الطبية الحالية إلا عند مدمني المخدرات أو في حال وجود شوائب بسبب سوء التصنيع في الأدوية المحقونة وريديًا.

كيف تتظاهر الصمّة الرئوية؟

تختلف التظاهرات باختلاف صفات الصمّة من حيث الحجم وعدد الخثرات ومكان التموضع في الدوران الرئوي، حيث تتميز الصمّات الكبيرة بأنها غالبًا ما تكون مميتة، أما الصمات الصغيرة فقد تكون لا عرضية.

وتشمل أعراض الصمّة الرئوية:

· زلة تنفسية (عند 73% من المرضى).

· الألم الصدري الجنبي (عند 66% من المرضى).

· السعال (عند 37% من المرضى).

· الدوار والغشي.

· نفث الدم (عند 13% من المرضى).

· نوب تعرق.

أما العلامات الشائعة فتشمل:

تسرع تنفس (عند 90% من المرضى).

تسرع قلب (عند 90% من المرضى).

خراخر قصبية أو حويصلية (عند 51% من المرضى).

سماع صوت القلب الرابع (عند 24% من المرضى).

اشتداد صوت القلب الثاني على حساب المركب الرئوي.

أما العلامات غير الشائعة فتشمل:

حمى (عند 14% من المرضى).

زراق (عند 19% من المرضى).

وهط وعائي (عند 8% من المرضى).

وننوه إلى أن هناك علامتين مبكرتين أكيدتين وعلامتين متأخرتين موجّهتين في الصمّة الرئوية:

العلامتان السريريتان المبكرتان تحدثان في غضون 24 ساعة، وهما: الزلة التنفسية وتسرع القلب، وتحدث نتيجة توضع الصمّة في الأوعية.

أما العلامتان المتأخرتان فتحدثان بعد 48 ساعة، وهما النفث الدموي والحمى، وتحدث بعد حدوث الاحتشاء والتنخر في البرانشيم الرئوي، بالإضافة إلى حصول الإنتان في المناطق المتنخرة.

ما المضاعفات المحتملة للإصابة؟

قد تشكل الصمّة الرئوية خطرًا على الحياة، إذ يموت قرابة ثلث المصابين بالصمّة الرئوية غير المشخصة وغير المعالجة، ولكن عند تشخيص الحالة ومعالجتها على الفور ينخفض هذا العدد على نحو كبير.

قد تؤدي الصمّة الرئوية أيضًا إلى الإصابة بارتفاع الضغط الرئوي، وهو مرض يرتفع فيه ضغط الدم للغاية في الرئتين والجانب الأيمن من القلب.

تحدث الصمّات الصغيرة في حالات نادرة بشكل متكرر، وتتطور بمرور الوقت، ما يؤدي إلى ارتفاع الضغط الرئوي المزمن.

كيف يتم تشخيص الإصابة؟

يشكل تشخيص مرض الانصمام الرئوي تحديًا للأطباء، ويعود ذلك إلى كون الأعراض المميزة لمرض الانصمام الرئوي مشابهة جدا للعديد من الأمراض الأخرى، كالقلق والأزمة القلبية والالتهاب الرئوي، ويقوم التشخيص على ثلاثة محاور:

القصة السريرية، الفحص السريري، الاستقصاءات.

في القصة السريرية يتم السؤال عن الأعراض كالنفث الدموي ونوب التعرق وغيرها، وعن سوابق جراحة سابقة أو سفر أو حمل أو أمراض أخرى مثل “كوفيد- 19”.

في الفحص السريري نفحص الطرفين السفليين بحثًا عن علامات الركودة الوريدية كالوذمة أو الإيلام أو الحرارة.

أما الاستقصاءات فتشمل:

صورة الصدر الشعاعية: مع أن صورة الصدر طبيعية عند 75% من مرضى الصمّة الرئوية، إلا أنها تنفي الأمراض الأخرى التي تتشابه أعراضها مع أعراض الصمّة، كذات الرئة واسترواح الصدر، كذلك يمكن أن نشاهد عدة أشكال لصورة الصدر عند مريض الصمّة الرئوية، مثل علامة وستر مارك (تكون التوعية في أطراف الرئة المصابة محدودة) وترافقها مع أعراض الصمّة يوجه بشدة إلى التشخيص.

تخطيط كهربائية القلب: يبدي علامات إيجابية في 20% من الحالات فقط، ويستخدم لإثبات أو نفي وجود احتشاء العضلة القلبية أو الذبحة الصدرية، وتشمل التغيرات المحتملة في حالة الصمّة الرئوية: تسرع قلب جيبي، حصار غصن أيمن، انحراف محور نحو اليمين، كما لوحظ وجود ثلاث علامات كلاسيكية هي: موجة S كبيرة على الاتجاه الأول I، موجة Q كبيرة على الاتجاه الثالث III، موجة T معكوسة على الاتجاه الثالث III.

وظائف الرئة: غير مفيدة في التشخيص.

إيكو القلب: يفيد في كشف التغيرات القلبية الناتجة عن الصمّة الرئوية كتضخم البطين الأيمن وارتفاع الضغط الرئوي.

تحليل “D Dimer”: هو أنزيم ينتج عن تحطّم الفيبرين، لذا فإن أي خثرة تتحلل في جسم الإنسان سوف تؤدي إلى رفع مستوى هذا الأنزيم في الدم، لذا فإن سلبيته تنفي وجود الصمّة الرئوية في 95% من الحالات أما إيجابيته فتؤكد وجود خثرة تحللت في الجسم ولكنها لا تجزم بتحولها إلى صمّة وقيامها بسد الأوعية الرئوية.

التصوير الظليل للأوعية الرئوية: يعد معيارًا ذهبيًا لتشخيص الصمّة وتحديد موقعها بالضبط، وهو فحص راض (Invasive)، لذا فإن استخدامه محدود، ويتم عن طريق حقن مادة ظليلة في الجهاز الوعائي الرئوي عن طريق القثطرة، وأهم العلامات التي يمكن مشاهدتها: خلل في الامتلاء ضمن اللمعة، انقطاع مفاجئ للأوعية، مناطق ناقصة الارتشاح، غياب محيطي للأوعية.

التصوير الطبقي المحوري مع حقن مادة ظليلة: يعد أفضل الاستقصاءات وأسهلها، وقد أصبح واسع الانتشار والاستخدام في تشخيص المرضى المشتبه بإصابتهم بالانصمام الرئوي، ولهذا النوع من التصوير حساسية تبلغ 83% ودقة نوعية تصل إلى 96%.

مسح التهوية والتروية الرئوي الومضاني: هدفه تقييم التروية والتهوية في الرئتين، مبدأ عمله هو كالتالي:

– الجزء المتعلق بالتهوية يتم من خلال جعل المريض يستنشق هواء يحتوي على غاز الزينون أو التكنيسيوم.

– الجزء المتعلق بالتروية يتم فحصه من خلال حقن المريض بالتكنيسيوم أو أي صبغة مشعة.

– يتم تصوير الصدر بكاميرا غاما عقب ذلك.

يمكن اكتشاف الصمّة الرئوية بوجود عيب امتلاء في صورة التروية وعدم وجود هذا العيب في صورة التهوية، أما وجود عيب في التروية والتهوية فيوجه لتشحيص أمراض أخرى كالربو أو الـ”COPD”.

استخدام هذه التقنية أقل شيوعًا من التصوير الطبقي الظليل للرئة، وتستخدم حاليًا في حالات الحمل والحساسية للصبغات المشعة أو اليود المشع.

كيف يتم علاج الصمّة الرئوية؟

معظم حالات الانصمام الرئوي تستدعي الإدخال إلى المستشفى بهدف المراقبة والعلاج، وعادة ما يكون العلاج عبر الأدوية المضادة للتخثر (مميعات الدم)، وأحيانًا يتطلب العلاج بعض العلاجات المساندة كالأكسجين ومسكنات الآلام.

يتم العلاج بحقن الهيبارين والهيبارين ذي الوزن الجزيئي المنخفض في البداية، ثم يحول المريض إلى العلاج الفموي بالوارفرين أو مثبطات العامل Xa.

ولأن الصمة الرئوية حالة إسعافية، فبمجرد الشك بوجودها وقبل إثبات التشخيص يجب البدء بإعطاء الأكسجين+ الهيبارين، وفي حالات الألم الشديد يمكن إعطاء المورفين لتسكين الألم.

بعد إثبات التشخيص، يعطى الهيبارين لمدة 5- 7 أيام، ثم يعطى العلاج الفموي مع الهيبارين، ثم يسحب الهيبارين ويستمر العلاج الفموي لمدة 3- 6 أشهر في حال عدم وجود إصابة سابقة بالصمّة الرئوية أو الخثار الوريدي العميق، وفي حال وجود إصابة سابقة بأي منهما يكون العلاج بمضادات التخثر لازمًا مدى الحياة.

بعض الناس لا يستطيعون تناول أدوية مضادة للتخثر، أو أن أجسامهم لا تستجيب لهذه الأدوية بحيث يستمر تكوّن الجلطات الدموية على الرغم من تناول الأدوية، وفي هذه الحالات يمكن وضع مُرَشِّح (مصفاة) في الوريد الأجوف السفلي المسؤول عن نقل الدم من القسم السفلي من الجسم إلى القلب، بحيث يقوم المرشح في الوريد الأجوف بمنع الجلطات الدموية من الوصول إلى الرئتين. ويتم وضع المرشح عادة من خلال الولوج عبر الوريد الودجي أو الوريد الفخذي، ويتم تثبيت المصفاة عادة في الوريد الأجوف السفلي قبل نقطة الالتقاء مع الوريد الكلوي.

قد يتم اللجوء إلى التدخل الجراحي في حالات الانصمام الرئوي الحادة، ويكون عبر استئصال الخثرة من شرايين الرئة، وقد تراجع استخدام هذا الحل الجراحي نظرًا إلى خطورته ونتائجه غير المشجعة، ويبقى استعمال هذا الحل مجديًا في حالات الانصمام الرئوي المزمنة والتي تسبب ارتفاع ضغط الدم الرئوي.

ويتم استخدام الأنزيمات حالّات الخثرة مثل ستربتوكيناز في الحالات البالغة الخطورة من الانصمام الرئوي، كانخفاض ضغط شديد أوالخثار الذي يؤدي إلى انسداد أكثر من شريانين قطعيين أو شريان فصّي، في حال كان التدخل الجراحي متعذرًا أو غير ممكن، مع الانتباه إلى عدم وجود أي مضاد استطباب لحالات الخثرة مثل: جراحة سابقة خلال عشرة أيام، نشبة دماغية حديثة خلال شهرين، نزف داخلي فعال، أمراض مؤهبة للنزف، الحمل.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة