تعا تفرج

ثقافة ديكتاتورية طابورية

ع ع ع

خطيب بدلة

سأتوقف عند الخبر الذي نشرته صحيفة “عنب بلدي” عن وجود مليون ومئتي ألف عائلة سورية تسجل نفسها للحصول على أرز وسكر بالسعر المدعوم، وفي الصورة المرفقة رتل متشعب من المواطنين الواقفين أمام صالة للبيع بالتجزئة.

كنا في السابق، عندما نريد أن نتحدث عن تقدم العالم وتخلفنا نقول، “الناس وصلت للقمر ونحن عم نراوح في مكاننا”. أصبحت الآن عملية النزول على سطح القمر بسيطة وهزيلة بالقياس لما أنجزه العلم في عصر الإنترنت، وبالأخص في مجال البيع والشراء، إذ قلما تجد اليوم مواطنًا أوروبيًا يذهب إلى الأسواق لينتقي قطعة أثاث، أو ملابس، أو ماكينة، أو طعامًا، إذ يمكنه أن يتفرج على المعروضات عبر الإنترنت، ويبحث عن القطعة الأجود والأرخص، وعندما يقرر يعطي أمرًا بأن تصله القطعة المطلوبة إلى البيت، فإذا جاءته ولم تعجبه، أو لم تعجب امرأته، يعطي أمرًا للمرسل بأن يأتي ويسترد بضاعته، ويعيد النقود.

اليوم نظام الأسد، على الرغم من البرد والطين والقهر و”كورونا”، ما زال يمارس تخلفه المتمثل في نقع الناس على أبواب المؤسسات، ويأمرهم أن يقفوا بالدور لكي يسهل على قطعان شبيحته ونبيحته القفز فوق الناس، والحصول على ما يريدونه في دقائق، بينما المواطن المسكين يضع ثقل جسمه على ساقه اليمنى تارة، فإذا تعبت ينقله إلى اليسرى، وجوزة حلقه تطقطق من القهر والخوف والاستكانة.

ما أعرفه -وأنا أخوكم- من هذه الفنون الديكتاتورية الأسدية، لو اطلع عليه الأوروبيون المتنعمون بالديمقراطية والحرية والرفاهية لشابت رموش أعينهم، فلنفرض أنك، أيها المواطن السوري المنكوب، تريد أن تشتري زوجًا من الدواليب للبيك آب الزراعي العتيق الذي تملكه، يجب أن تذهب إلى فرع مؤسسة التجارة الخارجية “أفتوميتال”، وتقف في الطابور ساعتين، لتحصل على استمارة، تملؤها، وتعيدها لهم خلال ساعة، فيعطونك إشعارًا للدفع، ويطلبون منك أن تذهب إلى المصرف التجاري، وهناك تجد الطابور واصلًا إلى نهاية الشارع، فتتوكل على الله وتقف، وتنقل ثقل جسدك من اليمين إلى اليسار، وبالعكس، وترى بأم عينك كيف يقفز شبيحة النظام ونبيحته وزبلعجيته من فوق الناس، يدفعون ويغادرون، حتى إذا ما تحقق حلمك العظيم هذا، وتمكنت من الدفع، يجدر عليك أن تعود إلى “أفتوميتال”، ولكن ليس اليوم، لأن الدوام انتهى، والفرع أغلق، فتذهب إلى البيت، وتأتيك زوجتك المسكينة بالطشت والماء المملح، لتغسل قدميك المتورمتين من عص الصباط عليهما في أثناء الانتظار، وتصيح بالمقلوب بسبب تراكم حمض اللبن في عروق ساقيك، وفي اليوم التالي تذهب، قبل مَسكة الإبريق، إلى فرع المؤسسة، لأن الإنسان العاقل، الواعي لمصلحته، يعرف أن الآخرين سيبكرون ويأتون للوقوف بالطابور قبله… يا سيدي، ولنفرض أنك حصلت على زوج من الدواليب، وذهبت إلى المستودع للاستلام، ووقفت هناك بالطابور، حتى تتم العملية بنجاح، فتحمل الدولابين وتذهب إلى “الكومجي- البنشرجي” ليركبهما، وإذا به يكتشف أن أحد الدولابين مبعوج، ويقول لك “الكومجي” ارجع إلى “أفتوميتال” واستبدلهما، ووقتها ستزجره وتقول له: دخيلك يا معلم، حط للدولاب لزقة.. شو جَنّيت حتى أرجع لهناك؟



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة