مبادئ ديمستورا الـ12 ولعبة التفريط بالانتقال السياسي

ع ع ع

أسامة آغي

لم يكن مجلس الأمن الدولي بحاجة إلى تكرار قراراته، بخصوص الحل السياسي في سوريا، لكنه فعل ذلك، بعد التوقيع على بيان “جنيف 1” لعام 2012، ثم انتقل بعد مجزرة الغوطة، التي قام بها النظام في الغوطة الشرقية، إلى إصدار القرار “2118” لعام 2013، ثم اضطر بعد التدخل العسكري الوحشي الروسي في خريف عام 2015 إلى إصدار قراره الشهير “2254” في نهاية العام ذاته.

الروس الذين وقع في أيديهم اضطرارهم للتوقيع على كل القرارات الدولية السابقة، كانوا يبيّتون إفراغها من محتواها، بعد تدخلهم إلى جانب النظام، واستبدال مسارين ظهرا لاحقًا بها، هما “أستانة” و”سوتشي”.

مبادئ ديمستورا التي قدمها إلى “هيئة التفاوض” والنظام السوري، والتي أتت بعد مؤتمر “الرياض 2″، والتئام الجلسة الثامنة من المفاوضات في جنيف، كانت في الحقيقة ورقة مرفوضة من “الهيئة العليا للمفاوضات”، التي شُكّلت بعد مؤتمر “الرياض 1″، والتي كان يقودها رئيس الوزراء السوري السابق الدكتور رياض حجاب.

حين رفضت “الهيئة العليا للمفاوضات” نص ورقة المبادئ الـ12 التي طرحها ديمستورا، ضغطت روسيا بشدّة من أجل تغيير هذه الهيئة، واعتماد هيئة قادها الدكتور نصر الحريري، الذي وافق مع فريقه التفاوضي على توقيع ورقة مبادئ ديمستورا.

اعتماد وثيقة المبادئ الـ12 في ذلك الوقت، كان بالمعنى السياسي تنازلًا عن جوهر القرار الدولي “رقم 2254” الذي تقول مادته الأولى بالحرف الواحد: “يؤكد من جديد تأييده لبيان (جنيف 1) المؤرخ 30 من حزيران 2012، ويؤيد بياني (فيينا) في إطار السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان (جنيف) كأساس لانتقال سياسي بقيادة سورية، وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها، من أجل إنهاء النزاع في سوريا، ويشدّد على أن الشعب السوري هو من سيقرّر مستقبل سوريا”.

إن وثيقة المبادئ الديمستورية تنسف جوهر القرار “2254”، إذ لا تذكر هذه الوثيقة القرار المذكور أو القرارات السابقة كمرجعية ثابتة للحل.

إن القبول لاحقًا بمخرجات مؤتمر “سوتشي” حول تشكيل اللجنة الدستورية، كان دليلًا كافيًا على أن فريق التفاوض في تلك المرحلة قد وافق على التنازل عن تزامن السلال الأربع في عملية التفاوض، وبالتالي تمّ القفز فوق تتالي السلال المبدئي، الذي يبدأ بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية لمرحلة انتقالية محددة، ثم كتابة الدستور والاستفتاء عليه، ثم إجراء انتخابات جديدة وفق الدستور الجديد، تُشرفُ الأمم المتحدة على إجرائها في كل مناطق وجود السوريين إشرافًا تامًا.

لهذا تبدو خطوة رئيس “الائتلاف”، الدكتور نصر الحريري، بإحداث مفوضية عليا للانتخابات، خطوة تسبق زمنها وشروطها الحقيقية، وإن أردنا أن نطرح الأمر بحسن نية الحريري، سنكتفي بالقول إنه تعجّل بإنشاء مفوضية كهذه، فإنشاؤها ليس من صلاحيات ائتلافه، أو صلاحياته.

لكنّ توقيعه وفريقه على مبادئ ديمستورا الـ12، يلغي فرضية تمسكه بثوابت الثورة السورية بحدها الأدنى المتمثّل بتنفيذ القرار “2254”، بتزامن سلاله.

إن وضع مبادئ ديمستورا الـ12 على طاولة اللجنة الدستورية، هو فعل يرتكز بالضرورة على الخطأ الأول بالتوقيع على ورقة هذه المبادئ، التي تضرّ مسألة التفاوض حول القرار “2254”، وتمنح النظام مكاسب مجانية، دون أن يقدّم حتى اللحظة تنازلًا سياسيًا واحدًا لمصلحة الشعب السوري.

إن المضي بعملية تفاوض هي مراوحة في المكان، يقودها وسيط دولي اسمه غير بيدرسون، إنما هي ليست خيارًا للسوريين وقضيتهم العادلة، فهذا التفاوض بعد سنوات من انطلاقه ليس أكثر من عملية عبثية، لا يستفيد من وقتها غير النظام وروسيا، التي تضع نصب عينيها تفريغ محتوى القرار الدولي “2254” واستبدال مساراتها السياسية به، التي تعيد إنتاج النظام وفق زركشته وطلائه.

لهذا لا ينبغي المضي في التفاوض من دون سقف زمني وتدخل دولي، سواء للاتفاق على وثيقة مسودة دستور، يجب إقرارها في المرحلة الانتقالية التي لن يكون الأسد وطغمته جزءًا منها، أو من أجل تزامن التفاوض بسقف زمني حول السلال الأربع.

هذه القضية (الاستمرار بالتفاوض أو التراجع عنه) تحتاج إلى مؤتمر وطني يشمل كل أطياف السوريين، بمن فيهم الذين لا يزالون تحت سلطة الاستبداد، وهذا المؤتمر يجب أن تدعى إليه إحدى جهتين من المعارضة، إما “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، وهو احتمال ضعيف بسبب تكوينه، وإما “هيئة التفاوض السورية” التي يقودها السيد أنس العبدة، وهو احتمال ممكن، نتيجة قلة التناقضات في بنية هذه الهيئة.

إن الاستمرار بمنح النظام وروسيا الزمن المجاني، دون تقدم ملموس وجدولة زمنية حقيقية، هو في الحقيقة هدر لنضالات وتضحيات السوريين، وكذلك هو خروج غير معلن عن جوهر تنفيذ القرار الدولي “2254” وبقية القرارات الدولية.

إن إغماض العين عن الحقيقة لا يعني أنها غير موجودة، فالذي يجري في أروقة التفاوض هو غير الحقيقة التي يريدها السوريون، وفي مقدمتها التقدم نحو ضفاف الانتقال السياسي الحقيقي من دون رأس النظام وطغمته.

وفق هذه الرؤية، تحتاج الثورة وحاضنتها وقواها إلى تحصين قراراتها من خلال التفاف هذه الحاضنة وتلك القوى حولها قيادتها، واستبدال من أضروا بحقوق السوريين، سواء عن قصد أم بغير قصد، فهؤلاء لم يعودوا يمتلكون القدرة أو الإرادة على قيادة أمور هذه المرحلة.

الناس الذين دفعوا أثمانًا في سبيل تحررهم من نظام الاستبداد الفظيع، هم في الحقيقة لم يمنحوا من يدعي تمثيلهم تفويضًا بالتفريط بثوابتهم، وأقل هذه الثوابت هو الانتقال السياسي في سوريا، وتشكيل هيئة حكم انتقالية، وقيام عدالة انتقالية، تعيد الحقوق للناس المتضررين من كل فئات السوريين دون استثناء، هذه الهيئة الحاكمة لا مكان فيها لكل من أسال دماء السوريين ونهب ممتلكاتهم وأرزاقهم.

فهل يقرأ المفاوضون المعارضون هذه الحقائق بصورة صحيحة، دون استخدام للبروباغندا الفارغة المعاني والملموسيات الحقيقية.

السوريون الغاضبون الآن في كل أماكن احتجاجاتهم ووجودهم، ينتظرون ضبط إيقاع التفاوض، بما يأتي من نتائج ترد جزءًا من تضحياتهم، وأولى هذه الخطوات، الإصرار على تزامن السلال الأربع ضمن جدول زمني، والإصرار على هيئة حاكمة انتقالية لا وجود للأسد وطغمته فيها، وإلا فالمركب الذي يركبونه سيجد نفسه بعد حين في حالة ضياع.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة