لماذا نستهجن مشيخة الأسد؟

ع ع ع

عمر قدور – المدن

كما هو متوقع ومعتاد استُقبلت كلمة بشار الأسد، في جامع العثمان قبل خمسة أيام، بالسخرية أو الاستهجان أو الاثنين معاً. ذلك في جبهة الخصوم، بينما من المتوقع أن تكون قد استُقبلت بامتعاض مكتوم ضمن شرائح من جبهة مؤيديه، وهو بنفسه استبق ردود الأفعال بأن خاطب “عالمات وزارة الأوقاف وعلمائها” بأنهم يكونون في جهة الصواب عندما يُهاجمون من خصومه، بينما أشاد بهم كرديف لقواته، فضلاً عن أدوار أخرى، من أجل طمأنة مواليه بأن مؤسسة الأوقاف تحت السيطرة، بل هي مؤسسة ضرورية لبقاء الأسدية على منوال المؤسسة العسكرية ونظيرتها المخابراتية.

كالمعتاد، لا يبخل بشار بمادة تصلح للتفكّه والسخرية، أو بتناقضات تكشف عن سطحية فكرية، وحتى بجمل مبهمة تكشف عن الخواء. لكنه لا يخرج متحدثاً بقصد إمتاعنا بما سبق، لذا لا بأس بقليل من التوقف الجاد عند حديثه، وليكن بعد قليل من المرح الذي يمنحنا إياه بابتكاره تعاريف جديدة للعلمانية، أو للفرق بين الإنسان والحيوان. فيما عدا تلك الفواصل الترفيهية، تحدّثَ كتاجر في الدين، وهذه التجارة من السبل المعروفة تاريخياً للمشيخة، فلماذا ننكر عليه تجارته؟ حقاً، لماذا نستهجن مشيخة الأسد ولا نستهجن مشيخة الجولاني أو البغدادي؟ أو قائد جيش الإسلام القتيل زهران علوش؟ أو أمراء فصائل أخرى تحكم بموجب الشرع كما تفهمه؟

في الحديث عن الاستثمار في الدين نفترض ألا تعيق التساؤلاتِ السابقة أفكارٌ متداولة من قبيل وصف بشار بالعلماني المتستر بالدين، أو الطائفي أو الأقلوي الذي يحابي مشاعر الأكثرية. على الضد من ذلك، كانت الأسدية طوال تاريخها شديدة التمسك بالسيطرة على المؤسسة الدينية، وكانت دائماً أبعد ما تكون عن العلمانية التي تعني في جانب منها، وفي منطقتنا تحديداً، تحريرَ الدين من سيطرة الدولة. فإمساك سلطات المنطقة بالمؤسسات الدينية هو استئناف للمفهوم السلطاني للحكم، وإفلات المؤسسة الدينية مصدره ليس بالضرورة خوف من انقلابها على السلطة؛ الإمساك بها كما نعلم سابق زمنياً على نشأة الإسلام السياسي المعاصر وعلى نشأة الحركات الجهادية.

استهل بشار حديثه من نقطة نموذجية جداً، فهو بدأ بالحديث عن “الدين الصحيح”، والدين الصحيح “الفرقة الناجية” يتعين برؤيته وبفهم عالماته وعلمائه. ما هو نموذجي يُستأنف بقوله أن “أول عدو لأية عقيدة لا يأتي من الخارج… دائماً الخطر من أبناء الدين ومن أتباع الدين”. كما نرى تستدعي المقدمة الأولى نتيجتها الحتمية، “الدين الصحيح” يقتضي رؤية المختلفين ضمنه كأعداء، يقتضي تكفيرهم. أي أن بشار الأسد لا يقول سوى ما دأب مشايخ وأمراء جماعات إسلامية على قوله، من حيث امتلاكهم الفهم الصحيح للدين، ومن ثم تكفيرهم نظراءهم. أن لا يكون بشار عالماً في الدين، هذا تفصيل ليس بالمركزي بما أن المعرفة العميقة لأولئك العلماء قادتهم في المسار نفسه؛ إنه بالأحرى يقطف بسهولة وتبسيط وسطحية ثمارَ ما أنتجوه بجهود ومماحكات فقهية مضنية.

لم يقل بشار أن “الديموقراطية شرك”، على غرار لافتات رفعها أمراء جماعات إسلامية في أماكن سيطرتها، ومن المرجح أنه يتمنى في قرارة نفسه لو يستطيع الجهر بها. إلا أنه اختار التصويب على الغرب “الديموقراطي” من زاوية ما سماه “الليبرالية الحديثة”، والتي يختصرها بمقولات أو قوانين مثل زواج المثليين، وحق الأطفال في ألا يُفرض عليهم دين الأبوين، مستخدما التسفيه والسطحية معاً كما في فهمه مسألة الاختيار اللاحق للجنس الذي ينضح منه جهله بالمفاهيم التي قامت عليها نقاشات “الجنس الاجتماعي” والجندر، وهي كما نعلم في حدها الأدنى تميز بين الهوية الجنسية الفيزيائية ونظيرتها الاجتماعية وأيضاً نظيرتها النفسية.

المدخل السهل والنمطي للانقضاض على قيم الليبرالية كما قال تماماً، عندما اختصرها بأنها “تسويق الانحلال الأخلاقي”. هكذا يتوالى التشابه، فتغرف مشيخة بشار من مقولات مشيخات نظرائه عن الغرب الكافر المنحل المتآمر، الذي “على نحو خاص” يستهدف مجتمعاتنا المسلمة بتلك القيم، ومن ذلك الاعتبار الذي يحظى به الفرد في الغرب لكونه الوحدة الأساسية في المجتمع، بينما ينبغي أن تكون الأسرة هي الوحدة الأساسية، أي أن أي فكر محمول على تغليب حقوق الفرد “وفق بشار ونظرائه من المشايخ” هو ضرب للمجتمع المسلم من خلال وحدته الأساسية “الأسرة وتراتبيتها المعروفة”.

كي لا نتعامى عن الواقع، وكي لا يفعل ذلك غيرنا من مواقع أخرى، كنا شهدنا قبل سنوات على سبيل المثال حملة على “رئيس أركان الجيش الحر”، لأنه خرج آنذاك بتصريح تلفزيوني يقبل بنتائج صندوق الاقتراع في انتخابات حرة. نستطيع حتى الآن العثور في يوتيوب على خطب لمشايخ وقادة جهاديين تهاجم ذلك التصريح، وبعض منهم صرّح بأنه لو كان الهدف إحلال الديموقراطية لكان من الأولى البقاء إلى جانب الزوجات ومسامرتهم! بينما لم يخفِ البعض أن معركته الأساسية ضد الغرب، الغرب الذي تآمر على قولنا “أشهد ألا إله إلا الله”، على الرغم من أن الغرب في تلك الأيام كان يعلن أفضل مواقفه لصالح الثورة. التطابق في العداء للغرب، بين بشار والإسلاميين، ليس مصادفة.

ما يميز الإنسان عن الحيوان “بحسب بشار” هي العقيدة، وهذه وفق ما يقول أيضاً يرثها من آبائه. إذاً، ليس الإنسان بحيوان ناطق أو عاقل “مفكّر” كما يقترح الفلاسفة، ولا هو بحيوان اجتماعي كما يقترح علماء الاجتماع، ولا بحيوان سياسي كما يقترح علم الاجتماع السياسي، إنه حيوان متدين، ونقطة على السطر. في الاستنتاج الأخير أيضاً لا تفترق المشيخة التي يظهرها بشار عما نعرفه عند إسلاميين يرون الإنسان بوصفه حيواناً متديناً، ومنهم من يرفض حتى الاكتفاء بأن يكون حيواناً مؤمناً، عطفاً على كون الإيمان مسلكاً فردياً بينما يغلب على التدين طابعه الجماعي.

ولئن كان بشار قد هاجم العرب والعروبة في مستهل الثورة، وأذِن لشبيحته الإعلاميين بشتمهما والتحدث عن سوريا فينيقية أتى البدوي المسلم لاحتلالها والقضاء على حضارتها، فإن زمن ذلك الهجوم وأسبابه قد انقضيا ليعود إلى التأكيد على عروبة سوريا، بل ليقول أن التشكيك بعروبة الرسول وعروبة القرآن لا ينفصلان عن التشكيك بعروبة سوريا، التي كانت عربية وستبقى. كما نعلم لا تستوي مشيخة الأسد من دون العروبة، ووضع حد لذاك الشطط “الفينيقي” الطارئ، وحتى إذا أمكن تأويل التأكيد المستجد على العروبة موجهاً ضد الأكراد فهذا لا ينفي الضرورة المستدامة للعروبة في الاستثمار الأسدي. رأينا من قبل كيف ركّز حافظ الأسد على الإسلام والعروبة في معركته مع الإخوان وإثر انتصاره عليهم، وظهر فاقعاً ذلك الاهتمام الشخصي والإعلامي باللغة العربية بالتوازي مع افتتاح “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم”.

بالعودة إلى التطابق بين بشار والإسلاميين في العداء للغرب، هذا ما يختزل أسباب التطابق بين الطرفين في الكثير من التفاصيل. لافتة من نوع “الديموقراطية شرك” تختزل عداء واضحاً من إسلاميين وعداء مخبّأً لا يقل جذرية من المشيخة الأسدية، أي أن مفاضلةً متروية بينهما لن تنتقص من إخلاص بشار لذلك العداء واستثماره الإسلام على النحو ذاته. ثم إن الطرفين يشتركان في اختراع الحرب وتضخيمها، إذ يصوّران الغرب وكأن شغله الشاغل تحطيم المجتمعات “العربية الإسلامية” والانقضاض على قيمها، بينما في الجهة الأخرى يظهر مؤخراً قادة في الغرب “على درجة من السفاهة” همّهم بناء جدران أمام الخطر الأصولي الداهم. يعرف الغرب أن عداء بشار لقيم الحرية والديموقراطية، وهذا هو سبب عدائه للغرب، لا يقل عن عداء الإسلاميين، ويتوجب علينا الإقلاع “ولو جزئياً” عن استغباء الغرب والظن أنه ضحية صورة بشار العلماني الحداثي. في المفاضلة تفوز مشيخة الأسد برضا الغرب لأنها مشيخة سلطوية محدودة، لا امبريالية كما تبالغ الحركات الجهادية في طرح نفسها. لنتذكّرْ أن الغرب لم يهاجم طالبان إلا بعد هجمات الحادي عشر من أيلول، وتغاضى بدايةً عن تمدد داعش. الغرب أيضاً، أكثر من أي وقت مضى، لا يضيره النظر إلى شعوب المنطقة بوصفها حيوانات متدينة لا تستحق الحرية والديموقراطية، بشرط بقائها في أقفاصها.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة