من مرحلة انتقالية إلى سلال أربع

“هيئة التفاوض السورية”.. خمس سنوات تحت ضغط داخلي وخارجي

اجتماع معارضين مستقلين في الرياض برعاية سعودية- 27 من كانون الثاني 2020 (هيئة التفاوض السورية)

ع ع ع

عنب بلدي_ علي درويش

ظهرت عدة أجسام سياسية سورية معارضة للنظام منذ 2011، إلا أن “الهيئة العليا للمفاوضات السورية” جمعت مكونات مختلفة تحت مظلتها، إذ انبثقت عن محادثات مؤتمر “الرياض 1″، في 10 من كانون الأول 2015، كمرجعية سياسية لتوحيد المعارضة السورية وإعادة تشكيل وفدها الذي سينخرط بالمفاوضات.

ومرت “الهيئة العليا” بعدة مراحل بعد تأسيسها، وتعاقبت ثلاثة وجوه على رئاستها، وحافظت على الأجسام السياسية المكونة لها، باستثناء دخول منصتي “القاهرة” و”موسكو” في تشرين الثاني 2017، الذي كان ضمن مخرجات مؤتمر “الرياض 2”.

وصارت مكونات “الهيئة العليا للمفاوضات السورية” تضم أعضاء من “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، وفصائل المعارضة المسلحة، و”هيئة التنسيق الوطني”، ومنصتي “القاهرة” و”موسكو”، ومستقلين، تحت مسمى “هيئة المفاوضات السورية”.

وبحسب ورقة بحثية نشرها مركز “الجزيرة للدراسات” في أيلول 2019، للباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” معن طلاع،  فوفقًا للسياق السياسي والعسكري الراهن، لم يبقَ من قوى المعارضة السياسية إلا تلك المنخرطة في مساري “جنيف” و”أستانة”، لكن “دون أوراق قوة وازنة تجعلها طرفًا مؤثرًا في التسوية المتوقعة”.

تنوع يعوق عملها.. روسيا تضغط لإفشالها

أوضح المتحدث باسم “هيئة التفاوض السورية”، الدكتور يحيى العريضي، في حديث إلى عنب بلدي، أن التنوع الموجود ضمن “الهيئة” كان أحد المعوقات، و”الكل لا يقرأ من صفحة واحدة”.

وكان هناك انتقاد شديد لدخول منصتي “موسكو” و”القاهرة”، اللتين دخلتا إلى “الهيئة” عمليًا بموجب فقرة في القرار “2254“، لتبنى الرؤى بين أعضاء “الهيئة” بالتوافق إلى حد ما، وتشكل لجان قانونية وإعلامية ولجنة للمعتقلين، حسب العريضي.

وإذا وُضع لـ”الهيئة” تعريف، حسب العريضي، فهي هيئة وظيفية تعنى بشكل أساسي بالمفاوضات، التي من المفترص أن تفضي إلى إيجاد حل سياسي.

وسعت موسكو بشكل مستمر إلى إفرغ القرارات من مضمونها، وبالدرجة الأولى كانت مسألة وقف إطلاق النار، واخترعت مسار “أستانة”، وأجهضت بهذه الخطوة الوقف الشامل لإطلاق النار، كما دعت القرارات الدولية، واستبدلت به مناطق “خفض التصعيد”.

ولم تلتزم موسكو باتفاق “أستانة”، وهاجمت مع قوات النظام والميليشيات الإيرانية مناطق “خفض التصعيد” بحجج مختلفة، واستطاعت السيطرة على مدن وبلدات في أرياف محافظات إدلب وحلب وحماة شمال غربي سوريا، وأوقفت عملياتها، التي بدأت منذ شباط 2019 وانتهت في 5 من آذار الماضي، بتوقيع اتفاق بين الرئيسين، التركي، رجب طيب أردوغان، والروسي، فلاديمير بوتين.

وبالمقابل، كانت السياسة الأمريكية في المنطقة تحريك الأمور من الخلف،  بحسب تعبير العريضي، وبإدارة الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، كانت السياسة إساءة للقضية السورية وللشعب السوري، خاصة بعد استخدام النظام السلاح الكيماوي، وتجاوز “خط أوباما الأحمر”، الذي أعطى إشارة للنظام بالقصف بالأسلحة كافة عدا الكيماوي.

وأسهم التعثر في مسار “جنيف” وسيادة مسار “أستانة” بضمانة دول روسيا وإيران وتركيا، في إحداث ثلاثة تحولات رئيسة في بنية المعارضة السياسية، ودفعها نحو “إعادة تعريف المعارضة بأطر عابرة للائتلاف والفصائل العسكرية”، وهو ما تجلى في “أجسام وظيفتها التفاوض وذات بنية متنوعة، كالهيئة العليا للمفاوضات، ثم هيئة التفاوض السورية”، حسب الورقة البحثية للباحث معن طلاع.

وتتألف “الهيئة” من 36 عضوًا موزعين كالتالي: ثمانية من “الائتلاف الوطني”، وأربعة من منصة “القاهرة”، وأربعة من منصة “موسكو”، وثمانية أعضاء مستقلين، وسبعة من الفصائل العسكرية، وخمسة من “هيئة التنسيق الوطني”.

من هيئة حكم انتقالي إلى سلال أربع

أُسست “هيئة التفاوض” لتتولى مهام اختيار الوفد التفاوضي مع النظام، وتكون مرجعية للمفاوضين مع ممثلي النظام نيابة عن المجتمعين في مؤتمر “الرياض”.

ولم  يكن التفاوض عمليًا مع النظام مباشرة، إذ فاوضت “الهيئة” بشكل  أساسي الأمم المتحدة، لتنقل رسائل الجلسات عبر وسيط دولي.

ووجد المبعوث الدولي السابق إلى سوريا، ستيفان دي مستورا، أن القرار الدولي مصمم بطريقة لا قدرة له على أن يطبق بشكل صحيح، لذا اقترح دي مستورا توسيعه إلى محاور سُميت السلال الأربع، وبدء عملية الدستور.

ولم يرق لـ”الهيئة” ذلك، وكانت تريد هيئة حكم انتقالي، لكن تعذر ذلك، بحسب العريضي، فـ”المساهمون في صناعة القرار الدولي لم يكونوا على درجة من الإصرار لتنفيذ القرار، وإن كانوا مصرين، تعطل روسيا وتخرب ذلك، وتريد أن تسوق الحل على مقاس مصالحها على أساس إعادة تأهيل النظام”.

وفي آذار 2017، أعلن دي مستورا في مؤتمر صحفي عقده بعد انتهاء محادثات  “جنيف 4″، أن أعمال الجولة التالية ستناقش “أربع سلال”، السلة الأولى هي إنشاء حكومة جديرة بالثقة، وشاملة للجميع غير طائفية خلال ستة أشهر، والسلة الثانية بدء عملية صوغ دستور جديد خلال ستة أشهر أيضًا.

أما السلة الثالثة فتتضمن مناقشة إجراء انتخابات حرة نزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وتشمل أعضاء من الجالية في المهجر التي يحق لها التصويت، وتكون بعد وضع الدستور في غضون 18 شهرًا، و”سلة رابعة” أُضيفت إلى جدول الأعمال، بناء على طلب وفد النظام السوري، وهي “مناقشة استراتيجية مكافحة الإرهاب”، إلا أن السلال ما زالت تناقش في جميع اجتماعات ومسارات “الحل السياسي” في سوريا، وآخرها أعمال اللجنة الدستورية في جنيف.

وأشار العريضي إلى أن “هيئة التفاوض” حرصت على أن تكون منخرطة في العملية السياسية قدر الإمكان، لأنها الحلبة الوحيدة المتبقية في العملية السياسية لإيجاد حل سياسي، خاصة أن الحل العسكري أثبت فشله، إذ استطاعت روسيا أن تنجز عسكريًا، بينما بقيت على الصعيد السياسي بـ”خفي حنين”، بحسب تعبيره.

واختارت “هيئة التفاوض” أعضاء اللجنة الدستورية لوفد المعارضة والمجتمع المدني، على الرغم من محاولات روسيا السيطرة على كامل أعمال اللجنة الدستورية، وعلى مستوى آخر كان هناك إبقاء للقضية السورية حية، بحسب العريضي، على مستوى المعتقلين ومؤتمرات مساعدات اللاجئين، وحضور جلسات الأمم المتحدة خلال العامين الماضيين.

اتهام بتدخل دولي في أعمال “الهيئة”

الدبلوماسي السابق والحقوقي فواز محمود الفواز قال، في كتابه “الهيئة العليا للمفاوضات.. ما عليها.. وما عليها”، إنه كلما اتخذت “الهيئة” قرارًا أو أعلنت تصريحًا يتم جمعها بطلب من الروس والسعودية والدول الداعمة لتغيير “الهيئة”.

وأشار إلى إجبار الولايات الممتحدة حلفاءها على التفاوض مع الروس إلى درجة تلقي الأوامر منهم.

كما نشأت “أزمة المستقلين” داخل “هيئة التفاوض” في عام 2019، بعد استضافة العاصمة السعودية الرياض عددًا من السوريين لاستبدالهم بمجموعة المستقلين في “الهيئة”، وذلك في محاولة من السعودية للاحتفاظ بنفوذها داخل “هيئة التفاوض”.

وبحسب حديث سابق للمحلل السياسي حسن النيفي لعنب بلدي، فإن سعي السعودية للدخول عبر المستقلين، يأتي لقدرتها على توجيه القرار داخل “الهيئة”، وتستطيع المملكة بالتالي الحد من النفوذ التركي (تعد تركيا الداعم الأساسي للائتلاف الوطني، أكبر كتل الهيئة)، ورغم أن نصر الحريري احتج على خطوات الرياض، فإن الأخيرة لم تغير موقفها.

وغابت منصتا “القاهرة” و”موسكو” و”هيئة التنسيق الوطني” عن اجتماع “هيئة التفاوض”، في 21 من أيلول الماضي، الأمر الذي يعكس عمق الخلاف بين أطراف “الهيئة”.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة