تعا تفرج

لا نريد ديمقراطية يا عمي

ع ع ع

خطيب بدلة

ثلاث خلاصات صادمة: أولًا، السوريون المؤمنون بالديمقراطية قليلون إلى حدود الندرة. ثانيًا، الوصول إلى دولة ديمقراطية لم يكن من أولويات ثورتنا نحن السوريين. ثالثًا، الديمقراطية بالنسبة لطيف واسع من السوريين منبوذة ومستهجنة.

ولكي يكون الكلام جليًا، أقول إن كلام بعض المعارضين عن الديمقراطية لا يؤخذ على محمل الجد، فهو نوع من التفكه، أو اللغو، أو سد الذرائع، فكأنهم يريدون أن يقولوا للدول العظمى: نحن نريد الديمقراطية، بدليل أننا نتحدث عنها، فلماذا لا ترسلون أساطيلكم، وتخلصوننا من نظام الأسد الديكتاتوري، وتسلموننا الحكم لنقيم دولة ديمقراطية من الطراز الرفيع؟

ثمة بدهية يعرفها القاصي والداني، وهي أنك لا يمكن أن تحقق شيئًا أنت لا تريده أصلًا، ونحن لا نريد الديمقراطية. ولكي أزيدك من القصيد بيتين، أحيلك إلى بداية الثورة حيث بدأ المعارضون يصوغون بعض أدبيات الثورة، واختلفوا مع شركائهم القلائل الحالمين بدولة ديمقراطية، وقالوا لهم: لا تزعلوا، والله لنطلب لكم دولة لا تختلف عن الدولة الديمقراطية بشيء، إنها “الدولة المدنية”. فبهت أولئك الديمقراطيون الحالمون وقالوا لأنفسهم: الدولة “المدنية” أحسن من الدولة “القروية” على كل حال!

ودارت الأيام، ومرت الأيام، وبدأت شوكة محاربي الديمقراطية تشتد وتقوى، ودخل المعارضون الديمقراطيون في طور التشرذم، فمنهم من انسحب، ومن سكت، ومن مشى مع التيارات الدينية الداعية لإقامة دولة خلافة إسلامية ضمن التسمية الملطفة “الدولة المدنية”، ومنهم مَن ثبت على موقعه مبديًا استعداده لتلقي مختلف أنواع المسبات والتحاشيك. ومع اشتداد عمليات تسلح الثورة، انتقل الذين يسميهم فنانُنا الكبير علي فرزات “الشنترحفانا” إلى نزع الأقنعة، الواحد تلو الآخر، وما عادوا مضطرين لممارسة “التقية” والاختباء وراء مصطلح “المدنية”، وانطلقوا إلى مرحلة جديدة سمتُها الرئيسة السباب على الديمقراطية، علنًا، وبالبنط العريض، وراح بعضهم يكتبون على اللوحات الطرقية “الديمقراطية كفر”، ورأى بعضهم أن الكفر قد يكون ملتبسًا، فطَوّر العبارة وجعلها “الديمقراطية كفر صريح”، وكتب فريق ثالث “الديمقراطية دين الغرب”.

من تجربتي الشخصية. أعرف رجلًا من كبار المعارضين الثوريين، كان يعمل لدى جهة إعلامية معيّنة. طلب مني، ذات مرة، حديثًا قصيرًا له علاقة بمآلات الثورة السورية، فأوردت له معظم النقاط التي أوردتها ضمن هذه الزاوية، وعندما وصلت إلى موضوع “الديمقراطية دين الغرب”، قلت له: الديمقراطية هي دين الغرب بالفعل، ولكن ما به الغرب؟ الدولة الحديثة الغربية تشتغل 24 ساعة من أصل 24 في خدمة مواطنها، تحافظ على صحته، وتؤمّن له عملًا كريمًا، وطبابة، وإذا مرض تمنحه إجازة، وإذا سرّح من عمله تعطيه معاشًا، ولا يوجد أخو أخته من جيش أو مخابرات أو شرطة يجرؤ على أن يقول للمواطن الغربي “ما أحلى الكحل في عينيك” إذا لم يكن قد ارتكب جرمًا أو مخالفة تستدعي ذلك.

أخيرًا، لا ننسى أن أكبر أعداء الديمقراطية هو نظام الأسد، النظام الذي لا يحق لنا أن نصفه بأنه ديكتاتوري ونسكت، بل يجب أن نضيف أنه نظام ديكتاتوري نتن، وآسن، ومتخلف، وأهبل، ولا يجوز مقارنته بأحد في العالم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة