مخالفة صريحة للقانون الدولي والدستور السوري

الموافقة الأمنية تحول دون عودة المهجرين السوريين إلى مساكنهم

ع ع ع

أحمد صوان

إن الحق بالسكن هو حق أساسي نصّ عليه “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان“، ويستتبع هذا الحق حماية الفرد من أي مخاطر تنتقص منه (مثل الطرد أو الهدم أو سلب الملكية أو التهجير أو منع العودة).

وقد نصت مبادئ رد المساكن والممتلكات المعتمدة من قبل “لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان” المسماة بمبادئ “بينهيرو” على ما يلي:

  • على الدول أن تحظر الإخلاء القسري وهدم المنازل أو الاستيلاء عليها تعسفًا كإجراء تأديبي أو كوسيلة أو أسلوب للحرب.
  •  لكل إنسان الحق في التمتع سلميًا بممتلكاته.
  •  لا يجوز إرغام أي شخص تعسفًا أو بصورة غير مشروعة على مغادرة إقليم أو مكان معيّن أو منطقة معيّنة.
  • لجميع اللاجئين والمشردين الحق في أن يعودوا طوعًا إلى مساكنهم أو أراضيهم أو أماكن إقامتهم المعتادة السابقة بأمان وكرامة، ويجب أن تستند العودة الطوعية الآمنة والكريمة إلى خيار حر ومطّلع وفردي.

كما نصّ الدستور السوري الحالي على صيانة الملكية الفردية بالمادة (15) منه، لكنه لم ينص نهائيًا على حق المواطن بالسكن، إنما ورد بالمادة (38) منه، “لا يجوز إبعاد المواطن عن الوطن، أو منعه من العودة إليه”.

لكن النظام السوري وضع قيودًا كثيرة أمام تمتّع الفرد بحقه في الملكية وحرية التصرف بملكيته، هذا الحق الذي يُعتبر حقًا دستوريًا ومن حقوق الإنسان الأساسية. ومن هذه القيود الموافقات الأمنية التي يشترطها النظام لكثير من المعاملات العقارية، مثل توثيق الوكالات لدى الكاتب بالعدل، ووجوب حصول الشخص على موافقة أمنية مسبقة قبل بيع عقار يملكه، كما كان آخرها مجموعة الشروط التي تم فرضها على سكان مخيم “اليرموك” وحي “التضامن” جنوبي دمشق وغيرهما من أجل عودة السكان المهجرين إلى منازلهم.

تسهيلات مشروطة لعودة المهجرين إلى مخيم “اليرموك”

قررت محافظة دمشق، في 5 من تشرين الأول الماضي، تسهيل عودة الأهالي المهجرين إلى مخيم “اليرموك” ضمن شروط ثلاثة هي: السلامة الإنشائية، وإثبات الملكية، والحصول على الموافقات اللازمة، وذلك وفقًا لما نشرته صحيفة “الوطن” المحلية.

لكن الواقع الذي يواجه أهالي المنطقة لا يوحي بوجود أي تسهيلات للعودة، إذ جاء في مقال نشرته صحيفة “الشرق الأوسط“، في 9 من كانون الأول الحالي، “بدأت محافظة دمشق الشهر الماضي بتسجيل أسماء الراغبين بالعودة إلى مخيم (اليرموك) إذ يجتمع يوميًا العشرات من سكانه أمام مدخله بانتظار تسجيل أسمائهم للعودة إلى منازلهم، إلا أنه حتى الآن لم يتم صدور أي موافقة بالعودة، فقط بعض عناصر الفصائل الفلسطينية الموالية للحكومة السورية هم الذين حصلوا على (موافقات خاصة) للعودة، ولا يتم منح موافقات للعائلات التي انضم أحد أبنائها إلى فصائل المعارضة المسلحة، ولكل من لديه ابن أو أخ متخلف عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية في الجيش النظامي”، وهو ما يعني أن الحكومة السورية ما زالت ومنذ أكثر من عامين تنتهج سياسة التمييز والتسويف والمماطلة بشأن عودة مئات الآلاف من سكان مخيم “اليرموك” للاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم.

إن الشروط التي فرضها النظام على سكان مخيم “اليرموك” للسماح لهم بالعودة هي شروط تعجيزية وصعبة التنفيذ:

1- شرط السلامة الإنشائية: هو شرط غير محدد، ولم توضح المحافظة كيف يثبت صاحب المسكن أن عقاره يصلح للسكن، ومن أين يحصل على التقرير الذي يثبت ذلك، وهل يُكتفى أن يوقّع للمحافظة تصريحًا بأن بيته صالح للسكن وأنه سيسكنه على مسؤوليته؟

2- شرط إثبات الملكية: هو شرط مستحيل التنفيذ لمعظم سكان هذه المنطقة، لأنهم لا يملكون أوراقًا تثبت ملكيتهم نتيجة فقدانها في ظروف التهجير المرعبة أو بسبب القصف الذي تعرضت له المنطقة، فضلًا عما تبع ذلك من نهب للبيوت و”تعفشيها”، كما أن الكثير من المنازل الواقعة في المناطق العشوائية ليست لها قيود أو سندات ملكية في الأساس.

3- الموافقات الأمنية: لا أحد يستطيع معرفة المعايير التي تعتمدها فروع الأمن لمنح هذه الموافقات، لأن جميع الأجهزة الأمنية تُصدر قراراتها دون بيان السبب للرفض أو للموافقة، ولهذا فإن الموافقات ستُمنح للمؤيدين ولمن قاتل في صفوف النظام، وتُمنع عن غيرهم دون أن تبرر هذه الأجهزة سبب الموافقة أو الرفض.

شروط عودة النازحين إلى حي “التضامن” الدمشقي

سمحت محافظة دمشق بالعودة التدريجية للنازحين إلى حي “التضامن” اعتبارًا من 13 من أيلول الماضي، لكن بشروط محددة، وبحسب تعليمات المحافظة، يُطلب من الشخص الذي يرغب بالعودة إلى مسكنه في حي “التضامن” تقديم أوراقه الثبوتية ليتم تدقيقها لدى الجهات المختصة، وفي حال عدم وجود أيّ إشكال أمني يتم منح الموافقة الأمنية للعودة.

وتتضمن الأوراق المطلوبة: تعهدًا موقعًا من المالك يتضمن إقراره بتحمّل المسؤولية بخصوص السلامة الإنشائية لمنزله، والتوقيع على تسلّم المنزل مع تحديد العنوان المفصّل، وأن يرفق بالطلب وثائق إثبات ملكيته للمنزل، وأن يتعهد بإزالة الأنقاض والركام من المنزل خلال شهرين من تسلّمه، ويرفق مع الطلب جميع الإيصالات التي تثبت دفع الذمم المالية لمستحقات الكهرباء والماء والهاتف مع براءة ذمة من هذه الدوائر، كما يوقع تعهدًا بأنه سيقوم باستخراج ترخيص ترميم للعقار من بلدية حي الميدان الدمشقي. 

وفي الختام، لا شكّ أن هذه الموافقات الأمنية، والاشتراطات الأخرى التي يضعها النظام كعقبات أمام عودة المهجرين، تُعتبر شروطًا تعسفية ظالمة بحق المالكين وأصحاب الحقوق، وهي تتنافى مع أبسط الحقوق المتعلقة بالملكية والسكن التي توافق العالم على احترامها، إن هذه القرارات المجحفة والظالمة ليست غريبة على هذا النظام الظالم الذي لا يُرجى إصلاحه ولا يُؤمل الخير منه.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة