fbpx

حاتم علي.. في رثاء الذاكرة الجمعية

ع ع ع

نبيل محمد

ليس كثيفًا المنتج الفني السوري الذي يمكن أن تحمله معك بذاكرتك، خارجًا من تلك البلاد، ومقْسِمًا في كثير من ليلاتك قبل أن تهجرها وبعد، بألا تعود إليها. لن تجد فيما تحفظه في “الهارد وير” الذي يضم خيرة ما تستعيد به جزءًا من حياتك، أو ما يمثّل شيئًا من واقعك، أنت السوري، كثيرًا من الأغاني السورية أو أفلام السينما أو المسلسلات، لكن لا بد لمسلسل أو أكثر، أو ربما عشرات المشاهد التي تحفظها وتجد فيها ما ينفعك للاستذكار، تحمل اسم حاتم علي.

في مقبرة الفنون، والسجن الكبير الذي ولدنا فيه، كان ما يزيّن حياتنا، هو قليل من التجارب الفردية التي استطاعت أن تبني لنا فهمًا محليًا لواقعنا ولتاريخنا، وحاتم علي كان واحدًا من تلك التجارب النادرة، التي أصرّت على إمكانية صناعة فن مختلف نسبيًا في سوريا، بكل القيود والرقابات التي يمكن أن تكون مبررًا منطقيًا لأي صاحب مشروع للتخلي عن مشروعه، أو تبديل مهنته.

ليست ميزة حاتم علي بكونه حوّل حكايات من تاريخنا وأيامنا المعاصرة، إلى أعمال فنية لا خيارات كثيرة أمامنا لحضور سواها، لكن سعيه إلى الاختلاف في الرؤية، واستحضار ما هو جديد، جعله عرّابًا لا منافس له سوى مقلّديه.

تسهل استعادة أعمال حاتم علي، وقراءتها نقديًا من جديد، ورصد مكامن القوة، والضعف أحيانًا، لكن البصمة الحقيقية في أغلبها كانت هي البحث عن الجديد في كل شيء، نص غير تقليدي، ومقومات إنتاجية قادرة على مواكبة هذا النص، وهو ما حضر فعليًا في مسلسل “الزير سالم”. شخصيات أبناء الهزائم المتلاحقة، والظلم التاريخي،  كأغلبية شخصيات “التغريبة الفلسطينية”. الموسيقى الحديثة المواكبة، والحكايات الاجتماعية اليومية الخفيفة في “الفصول الأربعة” و”أحلام كبيرة”. الشارات التي تتحول إلى جسد فني متكامل بمعزل عن سياق العمل التلفزيوني الذي ترافقه، ويحفظها متابعها عن ظهر قلب، وهو ما لم يكن حاضرًا بقوّة قبل أن يبدأ حاتم علي مشروعه.

لم يكن بحث حاتم علي عن مشروع يقصد رؤية المجتمع السوري بعمق فقط، ولا استعادة التاريخ بشكل جديد، إنما أراد كل شيء جديدًا، قدّم أعمالًا بعضها اتّهِم بالاستعجال، وأخرى قورنت بأعمال مميزة له ففقدت ميزاتها. كان يريد الجديد في كل المجالات، سواء في العمل التاريخي أوالاجتماعي أوالكوميدي. كان يريد فنًّا قادرًا على أن يكون لافتًا بحداثته في سوريا، وفي بلدان أخرى أيضًا، و”الملك فاروق” لم يكن إلا في سياق إمكانية أن تكون هذه المدرسة هي مدرسة فنية، بمعزل عن الجغرافيا التي تحتويها، وبالتأكيد فإن أي بيئة تستوعب الفن الجديد هي أسهل للعمل والإنتاج من البيئة السورية، التي لم يفلح خروج حاتم علي منها، لينطلق من جديد بعيدًا عن ذئابها، فكان الموت بالمرصاد.

بنظرة سريعة إلى شارات الأعمال التلفزيونية السورية، التي صار بعضها يعرض على منصات عالمية مثل “نتفليكس” وسواها، وهو لا يعني بالضرورة تميُّزها أو جودتها، سنجد أن أغلبية الوجوه التي تخوض مرحلة احترافها التمثيلي اليوم، هي وجوه بدأت مراحلها الأولى، ووقفت أولى وقفاتها الفنية الحقيقية أمام كاميرا حاتم علي، فممثلون مثل باسل الخياط وقصي خولي وقيس الشيخ نجيب وديمة قندلفت وتيم حسن ونسرين طافش، بموهوبيهم وضعيفي الموهبة منهم، كانت الشخصيات التي أعلنتهم قادرين على أن يصبحوا نجومًا تلفزيونيين، هي شخصيات نحتها حاتم علي، حين برع في قراءتها بنصوص كتبتها كوكبة من الكتّاب الذين انتقاهم وانتقوه للعمل معًا، من ممدوح عدوان إلى وليد سيف، وصولًا إلى أمل حنا ويم مشهدي، وفي الإخراج أيضًا، فأسماء مثل الليث حجو والمثنى صبح، أولى وقفاتها كانت خلف الكاميرا بإدارته.

ليس غريبًا جو الحزن الجمعي المعلن هذا، الذي نقلته صفحات “السوشيال ميديا” برحيل المخرج، هو وفاء لذاكرة أجيال سورية، رأت أنفسها وبلادها بشخوص وقصص صانعٍ تلفزيوني فذّ، كانت تنتظر شارة الختام عند انتهاء كل حلقة، لأنها كلما قرأت اسم حاتم علي في الختام، تشعر بأن بهذا الاسم هناك قيمة ما تضاف إلى تجربة المشاهد ككل.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة