“هيئة التنسيق الوطنية” و”مسد”.. تفاوضٌ بلا آفاق

ع ع ع

أسامة آغي

يبدو أن التفاوض بين “هيئة التنسيق الوطنية” السورية المعارضة، و”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، لا يزال بعيدًا عن التوصل إلى مخرجات قابلة للحياة، فالمقدمات التي ينطلق منها الطرفان، من أجل تحالف سياسي بينهما، تقع في دائرة تناقض أيديولوجي وسياسي يحاول كلٌ منهما عدم الاقتراب منه.

فلو تفحّصنا مشروع “مسد” السوري، فالحديث عن الأمة الديمقراطية ينطلق من أيديولوجيا حزب “العمال الكردستاني” (PKK)، وهذا المشروع يحمله “مسد”، باعتباره الذراع السياسية لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردستاني” (PYD).

مشروع الأمة الديمقراطية لا يتفق مع مفهوم الديمقراطية، المعمول به في الدول الرأسمالية ذات النمط الليبرالي، فهذا المشروع لا يحتمل التعدد السياسي في منطقة سلطة الأمر الواقع بمناطق الجزيرة والفرات في سوريا، والدليل على ذلك هو منع أحزاب كردية أو غير كردية من العمل السياسي في هذه المناطق، على أرضية خلافات في الرؤية السياسية مع سلطة الأمر الواقع، ولعل ما جرى من اعتقالات ومطاردات ومصادرة أملاك لمعارضي سلطة “PYD” خير دليل على ذلك.

أما مشروع “هيئة التنسيق الوطنية” المعارضة، فهو يختلف في الجوهر والمنطلق مع مشروع “مسد”، فالقوى التي تتشكّل منها هذه الهيئة هي قوى ذات مرجعية فكرية قومية عربية، بمسحة يسارية ديمقراطية وطنية، وهي قوى لا تؤمن سوى بالنضال السياسي السلمي، من أجل قيام دولة وطنية ديمقراطية مدنية تعددية، ودولة كهذه هي غير ما تؤمن به سلطة الأمر الواقع لحزب “PYD”، التي يتناقض مشروعها السياسي في سوريا مع مشروع “هيئة التنسيق”.

ولعل من مصلحة الطرفين المتفاوضين أن يلتقيا على مبادئ مشتركة، كرفض الاحتلالات الأجنبية للبلاد دون استثناءات، لكن “مسد” يريد فقط أن يعتبر الوجود التركي هو الاحتلال الوحيد، وهذا أمر غير موضوعي وغير واقعي، ولا يكفي قوله إنه ضد الفيدرالية، حتى يشكّل ذلك قاعدة للتفاهم مع “هيئة التنسيق الوطنية”، فالفيدرالية أساسًا لا تجد أرضًا لها في سوريا، وهي أمر غير قابل للحياة.

إن مناقشة بنود بروتوكول بينهما ذهبت إلى قضايا خلافية عميقة، فلا تزال سلطة الأمر الواقع في مناطق الجزيرة والفرات السورية تضع يدها بصورة غير مشروعة على ثروات المنطقة البترولية والزراعية، وتدير ذلك لمصلحتها الحزبوية، ما يعني أنها نهب علني لثروات السوريين، وهذا النهب بماذا يختلف عما سبقه من نهب مارسته سلطة النظام في دمشق؟

وليس طبيعيًا البتة أن تفرض سلطة الأمر الواقع منهاجًا دراسيًا خارج المنهاج الدراسي السوري بشقه العلمي أو الثقافي أو التاريخي، فتزوير التاريخ، واختراع أسماء لأمكنة وأحداث لا يعني أن ذلك يعطيها مشروعية في فرض رؤيتها التعليمية، فهذه السلطة رغم أنها لا تمثّل المكون الكردي بمفردها، لا بل تشكّل خطرًا على وجود هذا المكوّن، نتيجة تناقض رؤيتها ومشروعها السياسي مع المشروع الوطني السوري، ومع مصالح دول الجوار.

إن سلطة الأمر الواقع في الجزيرة والفرات لا تزال تمارس انتهاكات بحق القانون الدولي الانساني، فهي تعتقل كثيرًا من الأشخاص دون محاكمات حقيقية، وتعمل على فرض التجنيد الإجباري على السكان عمومًا، وعلى الأطفال خصوصًا.

سلطة الأمر الواقع هذه لا تزال تمنع حرية النشاط السياسي والإعلامي، وتمنع عمل منظمات المجتمع المدني بصورة مستقلة، لهذا تمارس ـتدخلاتها غير المشروعة في هذه الأمور، وإن ما يسمى أحزاب الوحدة الوطنية، لا تختلف عن مثيلاتها من أحزاب الجبهة الوطنية لدى النظام السوري.

إن “هيئة التنسيق الوطنية” المعارضة لا ينبغي عليها أن تذهب إلى دعم سلطة أمر واقع، تديرها قوى ميليشياوية قادمة من جبال قنديل، وهي قوى غير سورية، ومشروعها يهدّد الوحدة الوطنية والتراب الوطني السوري.

وهذا يتطلب أن يكون هذا التفاوض علنيًا، وعلى قاعدة الوطنية السورية، لا غيرها. وهو يعني أن تصرّ “هيئة التنسيق الوطنية” المعارضة على انفكاك صريح وملموس بين حزب “PYD” وحزب “PKK”، سياسيًا وتنظيميًا وأيديولوجيًا، وأن يوافق “مسد” على تسمية الوجود الأمريكي في البلاد على أنه مثل وجود كل القوى العسكرية غير السورية، مجرد قوات محتلة.

إن ذهاب “هيئة التنسيق” إلى التفاوض، ومحاولة إيجاد مربعات تحالف مع “مسد”، يُفهم منه أنه ذهاب إلى تقوية أوراق الهيئة أمام القوى الوطنية السورية الأخرى، المختلفة بنسبة ما مع رؤى هذه الهيئة. ولعلّ توقيع “مسد” اتفاقًا مع حزب “الإرادة الشعبية”، المحسوب على موسكو، شجّع بعض جهات “هيئة التنسيق” على المطالبة بتحالف كهذا.

إن البعد القومي والديمقراطي، الذي تتحلى به “هيئة التنسيق الوطنية” المعارضة، هو على المحك الآن، فليس مقنعًا ولا واقعيًا أن تتم عملية تحالف بين رؤيتين متناقضتين في الجوهر، بين رؤية “هيئة التنسيق” ذات البعد العربي والديمقراطي، ورؤية مجلس سياسي يمثل فصيلًا يستقوي بالأمريكيين وبحزب خارجي مصنّف إرهابيًا، مشروعه عابر للوطنية.

هذا التحالف يمكن تسميته تحالف مصالح على حساب المبادئ، وهو لا يمكن أن يشكّل بالمعنى السياسي العميق حالة ثبات وديمومة، لأن العناصر المتحكمة به هي في حالة تناقض وصراع.

إن احتمال انفكاك حزب “PYD” و”مسد” عن دور وحضور حزب “PKK” يحتاج إلى تدخلات وضغوط كبيرة تفرضها قوى إقليمية أو دولية، ولعل مسار المحادثات الكردية- الكردية، الذي ترعاه الولايات المتحدة، يأتي في هذا الإطار، فهذا الانفكاك، يعني تخلّص حزب “PYD” من أي تناقض له مع الجانب التركي، ويعني اقترابه بصورة أكبر من المربع الوطني السوري، الذي يتأطر بوحدة تراب سوريا، وبنظام وطني ديمقراطي تعددي، يأخذ صورة اللامركزية الإدارية.

فهل تدفع حاجة “هيئة التنسيق” إلى تقوية أوراقها لتنازلات جوهرية، تتناقض مع جوهرها الأيديولوجي والسياسي، وتأخذ شكل النفعية السياسية؟

هذا احتمال ضعيف، ولكن، يحتاج تمتين وتقوية موقف “هيئة التنسيق الوطنية” إلى ثبات وطني عميق، لا تزال هذه الهيئة تحافظ عليه، رغم جنوحها وتأثراتها الإقليمية أحيانًا، كما حدث لها مع موقفها في تأييد التدخل السعودي السافر بانتخاب أعضاء مستقلين في “هيئة التفاوض السورية” بدلًا من أعضاء موجودين.

الشفافية مطلوبة، و”هيئة التنسيق” معنية بالأخذ بها، وليس الأخذ بطابع السرّية في تفاوضات تخصّ مستقبل السوريين، الذين هم مصدر كل شرعية القرارات والاتفاقات.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة