fbpx

قمة “العُلا” الخليجية.. وتصحيح المسارات الإقليمية سوريًّا

ع ع ع

أسامة آغي

يأتي رأب صدع العلاقات البينية لدول مجلس التعاون الخليجي كضرورة، تسبق تحولات محتملة في المعادلات السياسية وغير السياسية، في المنطقة عمومًا، وفي منطقة الخليج خصوصًا. ولعل هذا الرأب ينعكس بصورة ما على وضع الصراع السوري، الذي شهد اختراقات لغير مصلحة التحول السياسي في هذا البلد، ما أطال من زمن الصراع ونتائجه اللاحقة على المشهد السياسي في المنطقة ككل.

ولعلّ جهود الولايات المتحدة في هذا الشأن لعبت دورًا حاسمًا، حيث حضر القمة جاريد كوشنر صهر الرئيس الحالي، دونالد ترامب، ما يعني أن الدفع الأمريكي لإجراء المصالحة الخليجية يتناول أكثر من ملف، منها ضرورة توحيد الموقف الخليجي بحده الأدنى من إيران، وعدم السماح لها بالتسلل عبر نقاط الضعف في هذا الموقف، من خلال خاصرة الخلافات البينية الخليجية.

كذلك، فإن توحيد الموقف الخليجي من الصراع السوري هو الآخر أتى على قاعدة الرؤية الأمريكية للحل السياسي، وفق قرارات الأمم المتحدة وتحديدًا بيان “جنيف1” والقرارين “2118” و”2254″، وهذا يعني قطع الطريق الخليجي أمام التسلل الروسي، الذي لا يزال يشتغل على قاعدة إعادة إنتاج النظام الاستبدادي، وتفريغ محتويات القرارات الدولية من مضمونها.

إن إدانة قمة مجلس التعاون الخليجي الوجود الإيراني في الأراضي السورية، وتدخلات إيران في الشأن السوري، والمطالبة بخروج جميع القوات الإيرانية وميليشيات “حزب الله” والميليشيات الطائفية كافة، التي جندتها إيران للعمل في سوريا، يسمح بالإشارة إلى أن العمل جارٍ على حصار المشروع الإيراني في المنطقة كلها، وتحديدًا في نقطة ارتكازه السورية، التي تشكل خطرًا جوهريًا على دول الشرق الأوسط برمتها.

إن انعقاد قمة “العلا” الخليجية، وتجاوز الخلافات بين دولها، يأتي استجابة لتوجهات سياسة ترامب بشكل خاص، وسياسة الدولة العميقة في الولايات المتحدة، التي تريد إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط خارج أي نفوذ فعلي روسي وإيراني وصيني محتمل، وهذا يتطلب صياغة تحالفات جديدة في المنطقة، تخدم هذا التوجه الأمريكي، ما يسهّل لاحقًا إدارة الصراعات الأمريكية مع محاولات الروس تثبيت نفوذهم في منطقة الشرق الأوسط، ومع حيتان آسيا مثل الصين والهند، الذين بدؤوا يرسمون خارطة انتزاع أدوار سياسية واقتصادية لهم خارج السيطرة الأمريكية على الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي.

هذا التوجه الأمريكي الجديد، الذي مارس الأمريكيون فيه ضغوطًا كبيرة على الدول الدائرة بحلفهم، يفسّر لنا سبب زيارة جويل رايبورن لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية، فهاتان الزيارتان، اللتان تمتا من تاريخ 4 من كانون الثاني الحالي وحتى 7 منه، كانت الغاية منهما قطع النسغ الاقتصادي، الذي يمكن أن يطيل من قدرة النظام على مقاومة العقوبات الأمريكية والأوروبية عليه، وحصاره سياسيًا، قطعًا لأي محاولة اختراق روسية تريد فرض رؤيتها بالحل السياسي في سوريا، خارج القرارات الدولية التي وقعت عليها، ثم لحست هذا التوقيع.

إذًا نحن أمام استراتيجية أمريكية جديدة، لن يستطيع أحد تغيير توجهاتها، لأنها تتعلق بجوهر المصالح الأمريكية الاستراتيجية، وكيفية إدارة الصراعات بشأنها، وهذا يفترض تذويب أقصى ما يمكن من التناقضات الأمريكية مع حلفائها التقليديين، وهذا يشمل الخلافات الأمريكية مع تركيا، ويشمل تذويب الخلافات بين حلفاء الولايات المتحدة، وتحديدًا بين كل من تركيا من جهة، والسعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر من جهة أخرى.

هذه الاستراتيجية الأمريكية ستنعكس على وضع الصراع السوري لغير مصلحة التوجه الروسي، ولغير بقاء النظام في السلطة بالمرحلة القريبة المقبلة، فالنظام الذي وضع كل بيوضه في السلتين الإيرانية والروسية منذ زمن بعيد، لن يستطيع الفكاك عن هذين الحليفين المستهدفين أمريكيًا في المنطقة، ولن يستطيع أن يحجز لنفسه موقعًا في معادلات الصراع الأمريكية، باعتباره لا يملك قرار نفسه.

الاستراتيجية الأمريكية لا يناسبها بقاء الوضع داخل المعارضة السورية على حاله، فهذه الاستراتيجية تريد أن تحوّل المناطق الواقعة خارج نفوذ نظام دمشق إلى مناطق أكثر استقرارًا سياسيًا، وهذا يحتاج إلى صياغة جديدة لمعادلة التحكم بهذه المناطق.

لهذا لن تستمر جهود بقاء النفوذ الأولى التي سادت قوى الثورة والمعارضة السورية، أي بصورة واضحة، لن يستمر وضع الفصائلية كما هي الحال عليه حتى الآن، بل سيتجه بعمق وشدة وسرعة كبيرة لإنتاج أداة عسكرية موحدة، لا تتدخل بقضايا وحياة المدنيين في مناطق نفوذها.

كذلك الأمر، لن يبقى الوضع السياسي لقوى الثورة والمعارضة على حالته المتشظية السابقة، وهذا يتطلب إعادة إنتاج إطار سياسي واحد، بأذرع متعددة فاعلة، يقود قوى الثورة والمعارضة، وينسجم مع معادلات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

هذا الإطار السياسي الجديد، ينبغي أن يتجاوز البنية السياسية السابقة للمعارضة السورية، المتمثلة بـ”ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”، وأن يتجاوز دورها وآليات عملها، بحيث تكون البنية الجديدة لإطار المعارضة بنية حركية فعالة، تتوافق مع خطين رئيسين، هما الانتقال السياسي خارج منظومة الأسد الحاكمة، والانسجام مع حركية التوجه الاستراتيجي الجديد في المنطقة، الذي رسمته الولايات المتحدة بما يتفق مع استراتيجية صراعاتها المقبلة في آسيا أو مع روسيا.

الإطار السياسي المعارض الجديد، لن يبقى أسير التحالفات والتموضعات الميدانية السابقة، بل سيجري العمل على إدخال تعديلات عميقة في بنية “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وإضعاف نفوذ حزب “العمال الكردستاني” (PKK)، ما سيسمح بتذويب التناقضات بنسبة ما بين مشروع حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) وبقية قوى المعارضة الرئيسة، ويسمح لها بنوع من التنسيق برعاية أمريكية وإقليمية، لمواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سوريا، وبالتالي منع إعادة إنتاج النظام وفق الوصفة الروسية.

لهذا، من المتوقع تمامًا رأب الصدع البيني بين مكونات “هيئة التفاوض السورية”، وإعادة إنتاج رؤيتها وسياساتها بما يتفق وتطورات المنطقة، وأثر هذه التطورات على الملف السياسي السوري، وهذا ستتضح مدلولاته قريبًا، فالخلافات بين مكونات “هيئة التفاوض” كانت على علاقة وثيقة بالصراع الإقليمي بين تركيا وقطر من جهة، وبين محور السعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى.

هذه الخلافات سيتم تذويبها على قاعدة التوافقات الجديدة في مجال التحالفات الاستراتيجية الجديدة، التي بدأت تتشكل في المنطقة بمواجهة مشروع روسي- صيني- إيراني، يتعدى حدود سوريا، ويشمل المنطقة برمتها.

فهل تتجه التحركات السورية الخاصة بالمعارضة إلى التقاط هذا التغيير في الاستراتيجيات، أم تبقى أسيرة رهاناتها السابقة، التي كانت ترتكز على قاعدة التحاصص الضيّق لبعض مكوناتها؟ ننتظر أيامًا مقبلة تحمل الإجابات.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة