“السورية للتجارة”.. نهب ممنهج وإطالة في عمر الطوابير

سوريون ينتظرون في طابور للحصول على مواد غذائية من أمام أحد أفرع "المؤسسة السورية للتجارة"(انترنت)

ع ع ع

عنب بلدي – لؤي رحيباني

يتردد في الآونة الأخيرة اسم “المؤسسة السورية للتجارة” في حكومة النظام السوري، على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتداول بين الحين والآخر شكاوى وانتقادات تجار ومواطنين، لسير العمل بداخلها.

آخر هذه الانتقادات، كان في 13 من كانون الأول 2020، عندما طالبت جمعية “اللحامين” في دمشق برفع أسعار اللحوم في محال الجزارة أسوة بالأسعار المعتمدة للحوم لدى صالات “المؤسسة السورية للتجارة” التي تتبع لوزارة التجارة الداخلية في حكومة النظام السوري.

وقال رئيس الجمعية، ادموند قطيش، آنذاك، “يجب إنصاف اللحامين برفع أسعار اللحوم وفقًا للواقع، خاصة أن أسعارها في صالات (المؤسسة السورية للتجارة) تتجاوز التسعيرة المسموح للحّامين بالبيع بها”، بحسب ما نقلته صحيفة “الوطن” المحلية.

وأوضح قطيش أنه يسمح للحّام بيع كيلوغرام “هبرة الغنم” بتسعة آلاف ليرة، بينما يباع الكيلو في صالات “السورية للتجارة” بحوالي 13 ألف ليرة.

ويوجد خمس صالات لحوم فقط تابعة لـ”السورية للتجارة”، في دمشق واللاذقية وحماة وحلب وحمص، بحسب المدير العام للمؤسسة، أحمد نجم، مضيفًا أن صالات “السورية للتجارة” أصبحت تسيطر على أكثر من 60% من سوق اللحوم في دمشق.

 

استحواذ على التجارة وإطعام بالإكراه

لا تعد “السورية للتجارة” جديدة على الساحة، إذ إنها تقدم خدماتها منذ وقت طويل عبر منافذ كبيرة، ولها جمهور واسع، إلا أن صيتها ذاع في الآونة الأخيرة، بسبب نزوح التجار وارتفاع الأسعار، وفقدان المواد، كحل لا بديل عنه للمواطن.

“النظام السوري يطبق الحلول غير الجيدة دائمًا”، بحسب حديث المحلل الاقتصادي خالد تركاوي لعنب بلدي، موضحًا أن النظام “بدل من أن يتجه لتشجيع التنافس واستقطاب مزيد من التجار، يسعى لمحاربة التجار ورأس المال، وتطوير دور (السورية للتجارة) في السوق، بل وحصر الأمور بيدها”.

وتابع، “هذا يجعل الخدمة نفسها غير جيدة، ويعاب عليها أنها محتكَرة من قبل الدولة، وضمن الإمكانات الراهنة لن تكون هناك أي إمكانية لسد حاجة المواطنين”.

وفي 6 من كانون الأول 2020، قالت صحيفة “الوطن”، إن وزارتي الزراعة والصناعة وجهات عامة أخرى ترفض أخذ شاي فاسد قدمته “السورية للتجارة”، التي استوردت بدورها ألفي طن من الشاي الإيراني الفاسد.

وحينها أوضح نجم أن “الكمية مستوردة عن طريق الخط الائتماني، ولا نعرف إن دُفع ثمنها أم لا، وسط جهود لبيعها وتحقيق عائد بدلًا من خسارة ثمنها”.

وأضاف نجم أن الكمية مستوردة منذ عام 2013، وحققت الجهات الرسمية عشرات المرات في القضية، دون التوصل إلى معلومات عن المسؤول، و”لا معلومات أن أحدًا جرت محاسبته عن استيراد هذه الكمية”، وفق قوله حينها.

وليست المرة الأولى التي تعلن فيها “السورية للتجارة” عن بيع مواد فاسدة، إذ أعلن فرعها في حمص، في تموز 2020، عن مزايدة لبيع نحو 175 طنًا من المواد المنتهية الصلاحية بينها الشاي.

وبيّن تركاوي أن الفساد يدخل في أصل عمل الحكومة، وأن ما يهمها هو تقديم خدمة شكلية، مشيرًا إلى أن المعنيين يستوردون أسوأ أنواع البضائع، وليست لديهم أساليب رقابة صحية دقيقة، فضلًا عن مشكلات النقل والتخزين التي تسهم أيضًا في فساد السلع.

هيمنة واستفراد في التسعير.. “الطوابير” مستمرة

تجاوز الشكل المهيمن لهذه المؤسسة حدوده الاقتصادية، ليصل إلى حدود أبعد تطال الجانب الاجتماعي التعاملي بين المواطن والموظف، وتعد ظاهرة “المدام فاتن” التي امتنعت عن تسيير أمور أحد المراجعين في حصوله على مواد غذائية ضمن ساعات الدوام، دليلًا على الهيمنة التي وصلت إليها “السورية للتجارة”، فضلًا عن التلاعب بالأسعار.

ويرى المحلل الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، في حديث إلى عنب بلدي، أن حصر قطاع المواد الغذائية في هذه المؤسسة سيؤدي إلى الاحتكار وانخفاض العرض، بسبب عدم وجود منافذ بيع كبيرة وقلة السلع، وبالتالي سيزيد الأزمة على صعيد الطوابير والازدحام.

ولفت إلى أن النظام استنزف سوريا على جميع القطاعات، كـ”البطاقة الذكية” التي تدر الملايين، موضحًا أن ما تفعله “السورية للتجارة” أكبر بكثير من تلك البطاقة، “فهي تهيمن على قطاع الغذاء، أكثر القطاعات حيوية في البلاد، وبالتالي أي عملية استيراد لمنتج غذائي يتم من خلالها”، مرجعًا ما يجري للمستفيدين الذين يقفون وراء هذه المؤسسة ويتكسبون منها.

الهروب إلى الخصخصة

بعد اندلاع الثورة السورية، لم يعد النظام السوري قادرًا على تمويل الاحتياجات الأساسية والحفاظ على القطع الأجنبي للاستيراد، وبالتالي حصر النشاطات التجارية في “السورية للتجارة”.

وأخبر شعبو عنب بلدي عن حديث دار بينه وبين أحد وزراء المالية (لم يذكر اسمه)، وكان مفاده أنه كانت هناك مشاريع لخصخصة هذه المؤسسة، بسبب أن تكلفة عقاراتها كانت أعلى من إيراداتها.

وتكمن أهداف الخصخصة في تحقيق رفع مستوى الكفاءة الاقتصادية لإدارة الأموال داخل الدولة، وتخفيف العبء عن الموازنة العامة فيما يتعلق بالدعم الذي تقدمه الدولة للشركات العامة وتعويض خسائرها.

وأوضح شعبو أن المؤسسة تشتري المواد بسعر صرف البنك المركزي، وما يباع للمواطن أعلى من ذلك بكثير، مبينًا أن “السورية للتجارة” تبيع جزءًا من المنتجات في منافذ بيع المؤسسة “التي تمثل الجزء اليسير من التصريف، ويذهب القسم الأكبر إلى الأسواق، ويباع بأسعار مضاعفة”.

وقال شعبو، “في ظل الفساد بمؤسسات الدولة، من الطبيعي أن يتم إحضار طلبات لبضائع منتهية الصلاحية أو قاربت على الانتهاء، وهنا يحققون مكسبين، أولهما مادي، والثاني معنوي أمام الإعلام (بأننا نلبي حاجة المواطن)، وفي حال كُشف الأمر يتم إلقاء الأسباب على الرشى”.

نموذج آخر

وكان عدد من أهالي مدينة حلب وجدوا حشرات داخل أكياس الأرز التي وزعها فرع “السورية للتجارة”، في أيلول 2020، بسعر مدعوم عبر “البطاقة الذكية” للمواطنين.

وأفاد مراسل عنب بلدي في مدينة حلب، حينها، بأن كثيرًا من المدنيين، الذين قابلهم منتصف تشرين الثاني 2020، وحصلوا على مخصصاتهم من مادة الأرز، وجدوها “منتهية الصلاحية”، وباعوها كعلف لأصحاب المواشي، بينما امتنع آخرون عن أخذ مخصصاتهم، التي تبلغ كيلوغرامًا واحدًا لكل فرد من أفراد العائلة شهريًا.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة