حملات الصحفيين ضد “التسيب الأمني” في الشمال.. هل تحقق الغرض؟

وقفة احتجاجية على الاعتداءات المتكررة من قبل الجهات العسكرية على الصحفيين والمصورين في الشمال السوري - 10 حزيران 2020 (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

إدلب – يوسف غريبي

تداول ناشطون رسمًا لزجاج اخترقته رصاصة، وضعوه فوق صور صفحاتهم الشخصية في “فيسبوك”، يعلوه سؤال “مَن المسؤول؟”.

في شمال غربي سوريا، ضمن ما تبقى بيد المعارضة من إدلب وريف حلب الشمالي، تتوزع الفصائل العسكرية السيطرة فيما بينها، لكنها لا تحقق الأمن للسكان، إذ تتوالى يوميًا أخبار القصف أو التفجير أو الاعتقال.

بعد أسابيع على اغتيال الصحفي حسين خطاب، بخمس رصاصات، في 12 من كانون الأول 2020، في مدينة الباب، تعرض الصحفي بهاء الحلبي، في المدينة أيضًا، لثلاث رصاصات أطلقها مجهولون عليه وهو يتجهز للظهور المباشر عبر تلفزيون “سوريا”، في 6 من كانون الثاني الحالي.

حملة “مَن المسؤول؟” التي انتشرت بين ناشطي مدينة الباب، سبقها إطلاق حملة “أوقفوا قتل الصحفيين“، في 14 من كانون الأول 2020، التي تضمنت نشر مقاطع فيديو لناشطين أدانوا استهداف الإعلاميين، وتبعتها حملة “ضد الفلتان الأمني“، تمثلت بتداول بيان وجه اللوم للجهات المسيطرة على المنطقة لحالة “التراخي الأمني”، مع عدم تخصيص فصيل أو جهة بعينها.

ضغط على جهات لا تنوي الضبط

نجا بهاء الحلبي من محاولة اغتياله، واستقبله زملاؤه بالاحتفال والتهليل عند مغادرته المستشفى بعد أيام قليلة على استهدافه.

لا يعلم بهاء من كان وراء محاولة اغتياله، كما قال لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن الوضع الأمني في المنطقة “سيئ جدًا”، ولا توجد “نية فعلية” لضبطه، برأيه، معولًا على الضغط الذي تؤديه الحملات الإعلامية على
“المؤسسات التي تحكم البلد” لتأخذ دورها في ضبط الأمن.

تمثل الحملات الإعلامية “رسالة للداخل وليس للخارج”، حسبما قال الإعلامي عمار الفج، الذي تحدث لعنب بلدي عن مشاركته بحملة “أوقفوا قتل الصحفيين”، لأن “الإهمال” برأيه هو سبب انتشار المفخخات والتفجيرات وعمليات الاغتيال. “اُستهدف الإعلامي حين كان النظام مسيطرًا، ثم اُستهدف عند سيطرة تنظيم (الدولة الإسلامية)، والآن أقل ما هو معرض له هو الاعتقال، إن تحدث بأمر ضدهم”، أضاف عمار.

وصل تردي الوضع الأمني في ريف حلب الشمالي إلى درجة “سيئة للغاية”، حسب تقييم الناشط الإعلامي المقيم في مدينة الباب عمار نصار، إلا أن الاستنفار الذي قامت به الشرطة المدنية خلال الأيام التي تلت محاولة اغتيال بهاء كان كفيلًا بضبط التجاوزات الأمنية التي صارت شبه يومية، حسبما قال لعنب بلدي.

“اعتدنا كل يوم على خرق أمني على مستوى استهداف صحفيين أو ثوار أو ناشطين، بكل المجالات لا بالإعلام فقط”، قال عمار، مشيرًا إلى أن الإجراءات الاعتيادية للشرطتين المدنية والعسكرية، والمكاتب الأمنية التابعة للفصائل المسيطرة، ليست كافية لضبط الأمن، مع نقص التنسيق بينها، إضافة إلى غياب الدور التركي بضبط التجاوزات الأمنية، “نعرف قوة الأمن عند الأتراك، لكن للأسف نحن لا نشهدها في المناطق المحررة”.

يتكرر نمط الانتهاكات الأمنية في المدينة، كما أوضح عمار، من الاغتيال المباشر برصاص من مجهولين يستخدمون الدراجات النارية للفرار من موقع الحدث، إلى العبوات الناسفة التي تستهدف القادة عادة، أو السيارات المفخخة، التي تترك أكبر أعداد من الضحايا، بين قتلى وجرحى.

وأشار عمار إلى أن استمرار التهريب، بين مناطق المعارضة ومناطق النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، يسمح بمرور الألغام والعبوات والمفخخات، وكذلك فإن نقص القدرة على التفتيش الدقيق عند الحواجز، لنقص الأجهزة الضرورية، يمنع التحقق من خلو السيارات الداخلة إلى المدينة من المتفجرات، وبرأيه فإن “انعدام الرادع للمجرمين” يسمح باستمرار الخروقات الأمنية، لأن أحكام الإعدام لا تطبق بحق القتلة، مع إمكانية هروب الجناة أو دفعهم الرشى حتى يتمكنوا من النجاة دون محاسبة.

وبحسب ما وثقته إحصائية فرق “الدفاع المدني”، فإن عدد التفجيرات في مناطق ريف حلب الشمالي خلال عام 2020، وصلت إلى 219 تفجيرًا، سببت مقتل 160 شخصًا وإصابة 608 آخرين.

على الإعلاميين حماية أنفسهم

تتقاسم منطقة شمال غربي سوريا عدة فصائل عسكرية، منها فصائل “الجيش الوطني” المدعومة من تركيا في مناطق ريف حلب الشمالي، و”هيئة تحرير الشام” في محافظة إدلب.

المتحدث الرسمي باسم “الجيش الوطني”، النقيب يوسف حمود، قال لعنب بلدي، إن على الوكالات الإعلامية التي يعمل معها الصحفيون توفير الحماية اللازمة لهم، “لا يقع على عاتق الجيش الوطني تأمين حماية لكل صحفي”.

وأشار حمود إلى أن الصحفي في المنطقة مثل أي مدني آخر يعاني من الوضع الأمني في المنطقة بشكل دائم، ولكنه يتعرض للاستهداف خاصة، “الصحفي هو دائمًا العين الناقدة للحقيقة، والمطلع على الخفايا بحكم عمله وآلية عمله، فهو يطلع على أمور ومعلومات تجعله تحت الخطر وعرضة للاستهداف، من قبل أي جهة يمكن أن يؤثر على عملها”.

دور الفصائل المسيطرة على المنطقة يقتصر على “تسهيل” عمل الصحفيين، “بحسب تقديرنا، يجب أن يتمتع الصحفي بنوع من الحماية، وهي محققة بالنسبة للصحفيين والإعلاميين، كل حسب مكان عمله”، حسبما قال حمود، مشيرًا إلى أن الفصائل تؤمّن الحماية لإعلامييها.

وتواصلت عنب بلدي مع “هيئة تحرير الشام”، عبر مراسلة إلكترونية، للوقوف على الوضع الأمني الحالي، والإجراءات اللازمة لحماية الصحفيين، لكن “الهيئة” لم ترد حتى ساعة إعداد التقرير.

لمَ يُستهدف الصحفيون؟

حصلت مجموعة من الناشطين الإعلاميين والصحفيين على حق اللجوء في أوروبا، بمساعدة “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” وبالتنسيق مع منظمة “مراسلون بلا حدود”.

وغادروا من شمال غربي سوريا خلال كانون الأول 2020، ليواجَهوا بسيل من الانتقادات الشعبية التي تساءلت عن حق الصحفيين بالحماية دونًا عن غيرهم من سكان المنطقة.

حين طلب الصحفي قصي خطيب اللجوء إلى ألمانيا، كانت الحملة العسكرية التي شنها النظام السوري وحليفته روسيا على ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي في بدايتها عام 2019، “نحن من الأشخاص الذين سنتعرض للإعدام في حال قبض علينا النظام”.

برأي قصي، فإن النظام السوري كان يمثل التهديد الوحيد لعمله الإعلامي، خاصة بعد تقدمه وسيطرته على مدينة كفرنبل في شباط من عام 2020، ووصف منحه اللجوء “كخروج شخص من تحت الأنقاض. عدتُ للحياة من جديد”.

الصحفية المسؤولة عن قسم الدعم في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” إباء المنذر، قالت لعنب بلدي، إن الصحفيين في سوريا مستهدفون بوصفهم ناقلين للخبر وراصدين للانتهاكات بعملهم المهني، “كما قال الشاعر اليوناني أسخيلوس، قبل أكثر من ألفي عام، في الحرب، الحقيقة هي الضحية الأولى”.

وأشارت إباء إلى أن الإعلاميين لم يملكوا ملاذًا آمنًا عند تقدم النظام السوري في ريف إدلب الجنوبي، ووفق تقييم المنظمات المعنية بدعم حرية الرأي والتعبير، فإن سوريا “من أكثر بلدان العالم خطرًا على العمل الصحفي”، وفقد العشرات من الصحفيين حياتهم فيها، إما اغتيالًا وإما بالاستهداف المباشر من مجموعات مسلحة، وإما تحت التعذيب في المعتقلات السرية والعلنية للحكومة السورية، وبأحكام استثنائية وغير قانونية، على حد تعبيرها.

ينقل الإعلاميون “صوت الحقيقة”، حسب قول الإعلامي بهاء السويد، مشيرًا إلى أن الصحفيين معرضون للاغتيال والاستهداف من الخلايا التابعة للنظام وروسيا في المنطقة، “للصحفي دور كبير بنقل معاناة النازحين وإجرام الأسد والنظام الروسي وقصفهما المدنيين وقتلهما الأطفال”.

إلا أن التهديد الذي يواجهه الصحفيون ليس متعلقًا بالنظام وحلفائه فقط، حسبما قال بهاء، الذي شارك بالحملة التي نددت باعتداء عناصر من “هيئة تحرير الشام” بالضرب على إعلاميين في أثناء تغطيتهم تسيير الدوريات الروسية المشتركة على الطريق الدولي (M4)، في حزيران 2020.

من جهة أخرى، يرى الصحفي معتز خطاب أن “سلبيات” العمل الصحفي في المنطقة، أسهمت في زيادة المخاطر على العاملين في المجال الإعلامي، “العديد من العاملين بهذا المجال يمارسونه كعمل مجرد منزوع من القيم السامية المطلوبة، فهو وسيلة للتحشيد والتوعية لفكرة ما، وقد يستعمل الإعلام الثوري بما يضر الثورة، نتيجة قلة ثقافة أو فهم الإعلامي لأبجديات عمله”، حسبما قال لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن نقص المهنية الصحفية يقود بعض العاملين في الإعلام للتصادم مع جهات متضررة.

وأضاف معتز أن المخاطر لا تفارق الصحفي، “خاصة إن كان مميزًا وجريئًا”، في ظل فوضى الحرب، وغياب السلطات الأمنية والقضائية الفاعلة، وتعدد الأطراف المتنازعة، وبرأيه، فإن حوادث الاغتيال التي حصلت “تنشر الذعر والإرهاب في أوساط الناشطين، ومن يحتك بهم من شرائح مجتمعية”.

حملات بلا تنسيق.. كيف يكون الحل؟

شارك معتز في حملة “مَن المسؤول”، بهدف تسليط الضوء على “التسيب الأمني” في مدينة الباب، “وسبب مشاركتي هو الواجب الديني والوطني والأخلاقي تجاه أهلي في المدينة من ساكنين أصليين ومهجرين”، حسبما قال.

وبرأي الناشط الإعلامي، فإن أنفع الحلول لضبط الأمن هو “تفعيل عقوبة القصاص من المجرمين الذين ثبت تورطهم بالدماء ومن ساعدهم”، والخطوة التالية هي “مكافحة الأمراض المجتمعية”، من الفقر والجهل الذي يدفع البعض لارتكاب تلك الجرائم.

لم يشارك عمار نصار بحملة “ضد الفلتان الأمني” التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنه لم يعلم مَن الجهة التي أطلقتها، ولم يكن فيها “تنسيق” مع إعلاميي مدينة الباب، على حد قوله، “رغم أهمية الموضوع وضرورة توحد الجهود، لكننا نخاف من التسييس الفصائلي”، كما قال لعنب بلدي.

إنشاء رابطة للإعلاميين، تنظم جهودهم وتحمي حقوقهم، هو الخطوة الأولى للحل برأي بهاء السويد، الذي طالب حكومتي “الإنقاذ” و”المؤقتة” بتأمين حماية للإعلاميين وضمان حريتهم عند نقلهم الحقيقة.

أما برأي إباء المنذر، فإن تحمّل سلطات الأمر الواقع “مسؤوليتها” تجاه حماية المدنيين المقيمين في مناطق سيطرتها، بمن فيهم الإعلاميون، والحفاظ على سلامة الكوادر الصحفية وضمان عدم استهدافهم بسبب عملهم الصحفي، هو الحل بالدرجة الأولى، مع ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت بحق الإعلاميين، لضمان حرية الرأي والتعبير في هذه المناطق.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة