مرض يصيب مختلف الفئات العمرية.. قصور الغدة الدرقية

ع ع ع

د. كريم مأمون

قد تصاب الغدة الدرقية بالعديد من الاضطرابات، ولعل أشيَعها هو قصور الغدة الدرقية، وهو مرض قد يصيب الأشخاص من مختلف الفئات العمرية، من حديثي الولادة وحتى المسنين، ومع أن علاجه بسيط جدًا، إلا أن إهمال العلاج قد يؤدي إلى عواقب خطيرة ربما تصل إلى الموت في الحالات الشديدة.

ما المقصود بقصور الغدة الدرقية؟

الغدة الدرقية (Thyroid gland) هي غدة صغيرة صماء (ليست لها قناة وإنما تفرز هرموناتها إلى الدم مباشرة)، خفيفة الوزن، على شكل جناحي فراشة، تقع في مقدمة الرقبة أسفل الحنجرة، وتحيط بالقصبة الهوائية من الأمام.

تقوم الغدة الدرقية بإفراز هرمونين هما الثيروكسين (T4) وثلاثي يودوثيرونين (T3)، وهذان الهرمونان يفرزان تحت إشراف مباشر من الغدة النخامية عن طريق إفرازها الهرمون المحفز للغدة الدرقية (TSH)، وهرمونات الغدة الدرقية أساسية وحيوية في جسم الإنسان، فهي المسؤولة عن وظيفة الاستقلاب في الجسم أو ما يسمى بالأيض (metabolism).

ويقصد بقصور الغدة الدرقية (Hypothyroidism) نقص إفراز هرمونيّ الغدة الدرقية إلى الدم وأنسجة الجسم، وهو مرض شائع نسبيًا، إذ يعاني منه نحو 3% من الناس حول العالم.

ويكمن المسبب لقصور الغدة الدرقية لدى 95% من المرضى في الغدة الدرقية نفسها (ويسمى قصور الدرق الأولي)، وفي أقل من 5% من الحالات يكمن السبب بمشكلة في الغدة النخامية (قصور الدرق الثانوي) أو مشكلة دماغية (قصور الدرق الثالثي):

قصور الغدة الدرقية الأولي: حين تعجز الغدة الدرقية عن إنتاج الهرمونات بسبب عوامل ما أصابت الغدة بضرر.

قصور الغدة الدرقية الثانوي: حين يتضرر إنتاج هرمون الموجّهة الدرقيةTSH) ) في الغدة النخامية، وهو هرمون المراقبة الخاص بالغدة الدرقية.

قصور الغدة الدرقية الثالثي: حين يتضرر إنتاج الهرمون المطلق لموجهة الدرقية (TRH) في الوِطاء (هيبوثالامُس)، وهو هرمون المراقبة الخاص بالغدة النخامية.

ما أسباب قصور الغدة الدرقية؟

قصور الدرقية الأولي هو السبب الأكثر انتشارًا، ويحدث في عدد متنوع من الحالات:

1- التهاب الدرق المناعي الذاتي المعروف بداء هاشيموتو (Hashimoto’s thyroiditis)، هو أكثر أسباب قصور الدرق شيوعًا، وهو التهاب لمفاوي مزمن في الغدة الدرقية يؤذي مبنى الغدة وأداءها الوظيفي، وينشأ هذا الالتهاب بفعل أجسام مضادة يتم إنتاجها في الجهاز المناعي لدى المريض، تهاجم هذه الأضداد الغدة وتؤدي إلى إتلافها بشكل تدريجي لا يمكن منعه أو وقفه، حيث تكتشف في دماء المصابين نسبة مرتفعة جدًا من المضادات التي تهاجم البروتين الأساسي الذي تنتجه خلايا الغدة الدرقية، الغلوبين الدرقي، كما تهاجم أيضًا إنزيم بيروكسيداز الضروري لإنتاج الهرمونين “T3″ و”T4”.

هذا المرض وراثي يصيب، أحيانًا، أكثر من فرد واحد من أبناء العائلة نفسها، وهو يصيب النساء أكثر من الرجال (بنسبة 4ـ 1 ولدى المسنين بنسبة 8ـ 1)، وقد يظهر هذا المرض في أي مرحلة من العمر، لكن احتمال ظهوره يزداد مع التقدم في السن.

2- رد فعل مبالغ فيه على علاج فرط نشاط الغدة الدرقية: يعالَج الأشخاص المصابون بفرط نشاط الغدة الدرقية باليود المشع أو الأدوية المضادة لهرمون الغدة الدرقية، وهدف هذه العلاجات هو استعادة نشاط الغدة الدرقية الطبيعي، لكن في بعض الأحيان فإن تصحيح الهرمون الدرقي ينتج عنه تخفيض إنتاجه بنسبة كبيرة، ما يتسبب في قصور دائم في الهرمون الدرقي.

3- تلف الغدة الدرقية من جراء اليود المشع الذي يستخدم في معالجة أورام سرطانية في الغدة الدرقية.

4- جراحة الغدة الدرقية: استئصال كل أو جزء كبير من الغدة يمكنه إنهاء أو إيقاف إنتاج الهرمون.

5- العلاج الإشعاعي: الإشعاع المستخدم لعلاج سرطانات الرأس والرقبة يمكنه التأثير على الغدة الدرقية، وقد يقود إلى قصورها.

6-      الأدوية: قد تسهم بعض الأدوية في حدوث قصور الدرق، مثل الليثيوم الذي يستخدم لعلاج اضطرابات نفسية معينة، والدوبامين، والأميودارون.

7- تلف الغدة الدرقية نتيجة لالتهاب الدرقية تحت الحاد (Subacute thyroiditis).

8- نقص اليود، علمًا أن اليود يوجد في المأكولات البحرية وأعشاب البحر والنباتات النامية في تربة غنية باليود، وقد أدت إضافة اليود إلى ملح المائدة في البلدان التي يشيع فيها نقص اليود إلى التخلص من هذه المشكلة.

9- تناول اليود بكميات كبيرة.

10-  أسباب نادرة:

· القصور الخلقي، يتلخص بأن الطفل يولد من دون غدة درقية أو بغدة درقية معطلة نتيجة فشل في تكوين هرموناتها، أو عدم فاعلية مستقبلات هذه الهرمونات، ولأن الرضع المصابين بقصور الدرقية الولادي يبدون طبيعيين عند الولادة، فإن بعض الدول أصبحت حاليًا تطلب فحص الغدة الدرقية لحديثي الولادة بشكل روتيني.

· قصور الدرق بعد الولادة، تطور بعض النساء قصور الغدة الدرقية  في أثناء أو بعد الحمل بسبب إنتاجهن أجسامًا مضادة لغدتهن الدرقية نفسها، وإذا تُركت الحالة في أثناء الحمل دون علاج، يزيد قصور الدرقية من خطر الإجهاض والولادة المبكرة ومقدمات الارتعاج، ولكن يزول القصور تلقائيًا عادة.

· قصور الغدة النخامية، سبب نادر نسبيًا لقصور الدرقية، وفيه تفشل الغدة النخامية في إنتاج قدر كافٍ من الهرمون المحفز للغدة الدرقية (TSH) بسبب ورم في الغدة النخامية.

ما أعراض قصور الغدة الدرقية؟

يتظاهر قصور الدرق عند الرضع بطول فترة الاصفرار بلون الجلد وبياض العينين، النعاس الزائد، رفض الرضاعة أو عدم الرضاعة بشكل طبيعي، ارتخاء العضلات، البكاء بصوت أجش (مبحوح)، الإمساك، انخفاض درجة حرارة الجسم، جفاف وتقشر الجلد، وفي الحالات الشديدة قد يكون هناك بعض التشوهات الجسدية، مثل فتق السرة وكبر حجم اللسان، وعندما يولد الطفل وعنده نقص في هرمون الغدة الدرقية، ولا يكتشف هذا النقص في الأشهر الأولى بعد الولادة، فإنه يؤدي إلى إصابة الطفل بالتخلف العقلي مع نقص النمو، وقد تحدث بعض التشوهات الجسدية ككبر حجم اللسان.

أما بالنسبة للأطفال الأكبر والمراهقين، فتكون الأعراض متفاوتة، ومنها تضخم الغدة، الإجهاد والتعب المفرط، النعاس، تأخر ظهور الأسنان، قصر القامة، زيادة في الوزن رغم ضعف الشهية، جفاف في الجلد ،عدم تحمل البرد، خدر في الأطراف، النسيان وعدم التركيز، تراجع الأداء المدرسي، تأخر النضج الجنسي وعلامات البلوغ.

وعند البالغين كثيرًا ما ترتبط الأعراض والعلامات الخاصة بقصور الغدة الدرقية بالمسبب الأساسي في قصور الغدة، فمثلًا، قد نجد ضخامة بحجم الغدة في داء هاشيموتو، ومن أشيَع الأعراض والعلامات بطء نبضات القلب، ضعف المنعكسات، ارتفاع ضغط الدم، الشعور بالتعب، عدم القدرة على تحمل البرد، وذمات مخاطية (غير انطباعية)، زيادة بسيطة بالوزن، الاكتئاب، الشعور بالنعاس حتى بعد النوم طوال الليل، الحيض الحاد أو غير المنتظم (لدى النساء قبل سن الضهي)، تقلص العضلات، الإمساك، تساقط الشعر، جفاف الجلد، ضعف الذاكرة، بحة الصوت، تورم الوجه وخاصة حول العينين (يشكل هذا العرَض مؤشرًا على أن الحالة أصبحت خطيرة)، فقر دم، ارتفاع مستويات الشحوم الثلاثية والكوليسترول.

قد تظهر لدى المسنين المصابين بقصور الغدة الدرقية أعراض أخرى إضافية، مثل انخفاض في الأداء الوظيفي للدماغ، حالة تشبه كثيرًا داء الخرف (Dementia)، وفي العديد من الحالات قد يخطئ الطبيب تشخيص المرض لدى المسنين نظرًا إلى اعتقاده، خطأ، بأن هذه الأعراض هي جزء من عملية الشيخوخة.

كيف يشخَّص قصور الغدة الدرقية؟

يعتمد تشخيص قصور الغدة الدرقية على الأعراض والعلامات السريرية ونتائج اختبارات الدم.

يتم تشخيص قصور الدرق الأولي عند وجود مستوى مرتفع من الهرمون المنبه للغدة الدرقية (TSH) في الدم، بينما المستويات الطبيعية منه تنفي التشخيص، وذلك لأن الغدة النخامية تنتج المزيد من “TSH” عند نقص مستوى هرمون الغدة الدرقية في محاولة لتحفيز الغدة الدرقية لإنتاج المزيد منه، ويعتبر قياس مستوى “TSH” هو المفضل عند الشك باضطرابات الغدة الدرقية، لأن مستوياته ترتفع أو تنخفض حتى في الحالات الخفيفة من قصور أو فرط نشاط الدرق.

كما يعتمد الأطباء على مستوى الهرمون المنبه للغدة الدرقية لتحديد جرعة الدواء الصحيحة عند علاج قصور الغدة الدرقية في البداية وعلى مَرّ الزمن.

بالإضافة إلى ذلك، يستخدم اختبار الهرمون المنبه للغدة الدرقية للمساعدة في تشخيص حالة قصور الغدة الدرقية دون علامات أو أعراض خارجية (قصور درق تحت سريري)، وفي هذه الحالة تكون مستويات هرمونات الغدة الدرقية في الدم طبيعية، ولكن مستويات أعلى من المستويات العادية من الهرمون المنبه للغدة الدرقية.

ولأن اختبار مستويات الهرمون المنبه للغدة الدرقية (TSH) هو المفضل، فمن المرجح أن يقوم الطبيب بفحصها أولًا ويتبعه باختبار هرمون الغدة الدرقية الحر (Ft4) في حال دعت الحاجة إلى ذلك، وعند الاشتباه بداء هاشيموتو يطلب اختبار الأجسام المضادة لإنزيم بيروكسيداز الدرقي Antithyreoperoxidase Antibodies -ATPO))، إذ قد يؤكد اختبار الدم وجود الأجسام المضادة لإنزيم بيروكسيداز الدرقي، ولكن لا يعطي اختبار الأجسام المضادة لإنزيم بيروكسيداز الدرقي نتيجة نوعية لهاشيموتو، فلدى كثير من الأشخاص أجسام مضادة لإنزيم بيروكسيداز الدرقي ولكنهم غير مصابين بتضخم في الغدة الدرقية أو قصور الدرقية، أو غيرها من المشكلات.

أما في قصور الدرق الثانوي والثالثي فإن مستويات “TSH” تكون ضمن الحدود الطبيعية، ويجب عندها قياس مستويات “T4” الحر، ويتم التشخيص بناء على معلومات عن أمراض سابقة أصابت الغدة النخامية والوطاء، وبمساعدة فحوصات خاصة معدة لتقييم رد فعل هرمون “TSH” على تحفيز بواسطة “TRH”.

كيف يعالَج قصور الغدة الدرقية؟

علاج قصور الغدة الدرقية سهل نسبيًا، ويتم عن طريق تناول أقراص ليفوثيروكسين (Levothyroxine) التي تحتوي على الهرمون “T4″، مرة واحدة كل يوم، وتحدد الجرعة الدوائية المناسبة بناء على نتائج فحوصات المختبر وشعور المصاب، إذ يتم البدء بجرعة أولية ثم يراقب مستوى “TSH” بعد 6- 8 أسابيع، وتعدل الجرعة بحسب التحاليل، ثم تراقب مستويات “TSH” بشكل دوري كل 6- 12 شهرًا.

من المرجح أن يبدأ الشعور بالتحسن بُعَيْد بدء العلاج، ويقلل الدواء تدريجيًا من مستويات الكوليسترول المرتفعة في الدم من جراء المرض، ويستمر العلاج على الأرجح مدى الحياة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة