اقتتال العشائر في المنطقة الشرقية.. آثار اجتماعية وسياسية

منطقة غرانيج في دير الزور- 25 كانون الأول 2020 - (صفحة ملتقى شباب غرانيج)

ع ع ع

عنب بلدي – سكينة مهدي

تشكل القبائل العربية أغلبية التعداد السكاني شرقي وشمال شرقي سوريا، وتنتشر على طول نهر “الفرات”، وفي الجزيرة السورية ومدن ومناطق أخرى من سوريا، لكن على الرغم من هذا الانتشار، فإنهم لا ينضوون تحت تنظيم عسكري أو زعامة واحدة، إذ تفرق رأيهم خلال سنوات الصراع الماضية في سوريا، في ظل انقسام بالآراء السياسية والمنافع.

تُعتبر الخلافات وقضايا الثأر وغيرها، مقومات تؤدي إلى الاقتتال العشائري الذي ينشب في مناطق وجود القبائل العربية وخاصة في المنطقة الشرقية بسوريا.

وكان اقتتال حصل شرقي دير الزور، بين أبناء عشيرة “الشعيطات”، مطلع كانون الأول 2020، رفضوا ذكر أسبابه على أنه شأن خاص بهم، واستمر 72 ساعة، وفرضت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي الذراع العسكرية لـ”الإدارة الذاتية” التي تسيطر على تلك المنطقة، حظر تجول على خلفية الاقتتال، ونفذت حملة مداهمات ونشرت حواجز داخل البلدة، ثم تدخل بعض وجهاء العشيرة حتى فُضّ الاقتتال، بحسب ما أكده أحد أبناء المنطقة لعنب بلدي ونشرته وسائل إعلام محلية.

الآثار السياسية لاقتتال العشائر

تتبع “قسد” في أغلب الاقتتالات العشائرية سياسة النأي بالنفس، إذ تمثل هذه العشائر مراكز قوة قد تكون منافسًا مستقبليًا لـ”قسد” على المنطقة، وبالتالي يرى الباحث السياسي المختص بشؤون منطقة شرق الفرات أنس شواخ، أن هذه المناحرات والاقتتالات القائمة تقوّض أي عمل مشترك بين هذه العشائر، وتلغي احتمال جعلها قوة منافسة في وقت ما.

كما تخشى “قسد” تدخلها لحل النزاعات، خوفًا من أن تُحسب على طرف من الأطراف المتناحرة وتخسر الطرف الآخر، إذ إن أغلب المناطق التي تسيطر عليها هي مناطق عشائرية، سواء عربية أو كردية، بحسب ما أوضحه أنس شواخ لعنب بلدي.

ويعوّل النظام السوري على هذه الحوادث المستمرة بين العشائر، وتأجيج الاقتتالات لإحداث شرخ أمني، وتشويه صورة الاستقرار التي تحاول “قسد” رسمها لتلك المنطقة.

وعلى الرغم من أن النظام يطمع باستعادة تلك المناطق للاستفادة من ثرواتها الزراعية والباطنية من نفط وغاز، فإنه يعلم جيدًا أن لا عودة له إلى منطقة شرق الفرات مع استمرار الدعم من القوات الأمريكية والتحالف الدولي لـ”قسد”، بحسب ما يراه شواخ.

وتقدم القوى المسيطرة في مناطق وجود القبائل العربية قبيلة على أخرى، بشكل مباشر أو غير مباشر، للاستفادة من وقوف تلك القبائل في صفها، بتصدير القبائل التي تذعن الولاء لها وتدعمها من خلال تعيينات غير عادلة أو التمييز بمستوى الخدمات المقدمة لمناطق هذه العشائر أو القبائل، ما يؤجج النزاعات أكثر فأكثر.

وبرأي الباحث السياسي أنس شواخ، يحقق كل من النظام السوري و”قسد” وتنظيم “الدولة الإسلامية” فوائد مختلفة من الاقتتال العشائري، لكن المستفيد الأكبر هو النظام السوري، لضرب الصورة المثالية التي تحاول قسد تصديرها في مناطق سيطرتها.

وفي 23 من أيار 2020، حدث اقتتال في دير الزور بين أبناء عشيرتي “البوفريو” و”البكير”، أدى إلى عدد من القتلى والجرحى من أبناء العشيرتين، بسبب خلاف تضاربت الأنباء حول صحته، وكان مراسل عنب بلدي في دير الزور أفاد حينها أن عائلة العفيف وهي من عشيرة “البكير”، هاجمت أفراد عشيرة “البوفريو” بعد اتهامهم بقتل أحد أبنائها.

وأشار المراسل حينها إلى وجود ثأر قديم بين عائلة العفيف من “البكير” وبين أفراد عشيرة “البوفريو” في قرية ماشخ، كما أكد المراسل حينها أن “قسد” لم تتدخل طوال فترة الاقتتال.

تضاؤل دور العشائر العربية من العهد العثماني حتى اليوم

لا بد من العودة إلى تاريخ سوريا المعاصر، لمعرفة الدور الاجتماعي والسياسي الذي كانت تلعبه العشائر العربية في سوريا، إذ كانت تلعب العشيرة دورًا فاعلًا بشكل دائم منذ فترة حكم الدولة العثمانية لسوريا حتى اليوم.

وكانت أهمية دور العشائر في منطقة الجزيرة بعهد الدولة العثمانية تظهر من خلال إمداد الدولة لبعض العشائر بالنفوذ والسلاح والدعم المادي، لتتمكن الدولة من السيطرة المركزية على تلك المناطق، وأيضًا من خلال إرسال شباب من أبناء العشائر للتطوع في صف الجيش العثماني، بحسب ما قاله الباحث الاجتماعي طلال مصطفى، لعنب بلدي.

وكان للعشائر دور سياسي وعسكري في مرحلة الدولة العثمانية، من خلال العلاقة ما بين ولاة بعض المناطق في سوريا حينها وبين شيوخ بعض العشائر، كما يوجد شكل من أشكال العلاقة التنظيمية بين ولاة الدولة آنذاك والشيوخ.

وفي فترة الانتداب الفرنسي على سوريا بين عامي 1920 و1946، تراجع دور العشائر ونفوذهم مقارنة بفترة الحكم العثماني، بسبب التوجه نحو إقامة دولة حديثة عصرية، ويمكن الاستدلال على هذا التراجع من خلال تناقص عدد ممثلي العشائر في البرلمان من تسعة إلى ستة نواب حينها، بحسب ما قاله طلال مصطفى.

وفي أثناء حكم جمال عبد الناصر (فترة الوحدة بين سوريا ومصر)، أُلغي قانون العشائر الذي كان يمنحهم بعض الامتيازات الانتخابية والاقتصادية، وكان يهدف لكسب العشائر إلى صف السلطة في عهد الانتداب الفرنسي.

أما في المرحلة التي كانت بعد تسلّم الرئيس حافظ الأسد السلطة في سوريا، فعمل الأسد على نقطتين، هما تقليص نفوذ شيوخ العشائر في الحياة السياسية، وخلق قيادات عشائرية ضعيفة ومهزوزة ولا تملك زعامة حقيقية، وربط علاقتهم بالمؤسسات الأمنية مباشرة، وبالتالي رُبط وصولهم إلى البرلمان بموافقات أمنية، وكانوا كما وصفهم الباحث طلال مصطفى، “شخصيات مهزوزة وضعيفة”، واستخدمهم للسيطرة على العشائر وكسب ودهم.

وتابع الأسد الابن هذه الخطة كما كانت، ففي بداية الحراك الثوري عام 2011، زار بشار الأسد الشيوخ والشخصيات العشائرية في مدينة الرقة السورية، لكسب تأييدهم، وكان ولاؤهم حينها للنظام السوري واضحًا.

لكن غالبًا ما يكون ولاء هؤلاء الشيوخ للقوى النافذة المسيطرة على مناطقهم، وهذا التقلب الولائي يعتبر خطيرًا، ما يولد الاقتتال بين العشائر، بناء على القوة التي تسيطر في مناطقها، إما “قسد” وإما بعض الفصائل الإيرانية وتنظيم “الدولة” سابقًا أو النظام السوري، بحسب مصطفى.

تأثير الاقتتالات العشائرية على التكوين البنيوي للعشيرة

تكمن خصوصية الاقتتال العشائري في أن قرار بدء القتال يحصل على مستوى العشيرة ككل، وليس على أساس فردي، بناء على الولاء السياسي، وهذا يؤدي إلى مخاطر اجتماعية حقيقية من تفكك وتصدع هذه البنى الاجتماعية، التي لا يمكن إنكار وجودها قبل وجود دولة عصرية، بحسب رأي الباحث طلال مصطفى.

وما يحصل الآن بالنسبة للقوى المسيطرة على الأرض، هو دفع العشائر لمزيد من الاقتتال والتفتت، وستكون النتيجة مزيدًا من تصدع بنية العشيرة، إذ توزع ولاء أبناء العشيرة الواحدة بحسب مكان وجودهم، ومنهم موجودن الآن في الدول المجاورة وأوروبا، ولم يعد ممكنًا حصر ولائهم لشيخ العشيرة أو قرار العشيرة، وبالتالي أثر هذا التصدع على البنية الاجتماعية لتكوين العشيرة نفسها.

وتفقد الزعامات العشائرية مصداقيتها وكلمتها أمام السوريين وأمام أبنائها اليوم، بسبب التنازع والتشظي بالولاء السياسي، الذي يخلق اقتتالًا دائمًا، بسبب ثقافة الثأر التي تختص بها العشائر، خاصة بمنطقة الجزيرة في سوريا.

وفي حال استمرار وجود قوى الأمر الواقع المتعددة المختلفة في مناطق سورية، ستستمر “التخندقات” العشائرية، وسيكون الاقتتال موجودًا بشكل دائم بين القبائل والعشائر، وحتى في حال توقفه سيكون لفترة مؤقتة، ثم سرعان ما يعود للاشتعال مجددًا، برأي الباحث طلال مصطفى.

لكن الحل الجذري يمكن تطبيقه من خلال تغيير سياسي شامل في سوريا، مقبول لكل فئات الشعب السوري، وأيضًا تغيير في بنية النظام ومحاكمة عادلة للمتسببين بهذا الاقتتال، وإقامة دولة القانون والمواطنة، ولا يمنع هذا وجود بنى عشائرية قبلية تقليدية، كجزء من الهوية الوطنية السورية، أما الهدن وتدخل الشخصيات العشائرية الكبيرة فهي حلول مؤقتة لن تنهي الخلافات.

وشهدت مدينة دير الزور مؤخرًا توترًا على خلفية اغتيال كبار وجهاء العشائر السورية وشيوخها، وسط اتهامات لـ”قسد” بالوقوف وراء الاغتيالات، إلا أن “قسد” التي تسيطر على المنطقة، نفت ضلوعها في تلك الحوادث، وحمّلت المسؤولية لخلايا نائمة تتبع لتنظيم “الدولة الإسلامية” في المنطقة.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة