مهنة شتم أمريكا

ع ع ع

إبراهيم العلوش

أخيرًا تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية، الأربعاء الماضي، من الخلاص من كابوس ترامب، وأعادت مؤسساتها تثبيت الرئيس الجديد جو بايدن، والانتظام بشكل قانوني وديمقراطي، وبدأت بغسيل آثار الرئيس دونالد ترامب الذي حاول يائسًا أن يفرض نفسه كديكتاتور مثل حكّام روسيا والصين والعالم العربي وغيرهم من الأنظمة التي تمتص دماء شعوبها وتحرم شبابها من حرية القول والإبداع!

اتفق القوميون والشيوعيون والإسلاميون في سوريا وفي العالم العربي منذ ستينيات القرن الـ20 على شتم أمريكا، واعتاشت الأطراف الثلاثة على مهنة شتم أمريكا، ولكن أمريكا ظلت تزدهر وتمد العالم بالأداء السياسي أو الدبلوماسي المتفوق والاختراعات والتكنولوجيا الحديثة، مثل الكمبيوتر و”الموبايل” والسيارات والطائرات والأدوية…، بينما كانت القوى الثلاث تتدهور سنة بعد سنة.

وقد أنتج القوميون بعد جمال عبد الناصر أشباح صدام حسين، ومعمر القذافي، وحافظ الأسد، حتى وصلوا إلى حكم بشار الأسد الذي لا يزال يردد نفس الشتائم القومية التي كان يكررها أبوه. وانهار الاتحاد السوفييتي بكل شعاراته الرنانة، ووصل الشيوعيون العرب إلى التحالف مع إيران الطائفية تحت مسمّى جبهة الممانعة التي تقوم بتدمير سوريا والمنطقة العربية بحجة التصدي لأمريكا والغرب الغاشم، أما الإسلاميون فقد وصلوا إلى امتشاق سيف التاريخ الصدئ محاولين إعادة الحياة للأموات وللإمبراطوريات المنقرضة، كالدولة العثمانية والمملوكية، أو إعادة الخلافة على يد “داعش” و”جبهة النصرة”!

ليست أمريكا بلدًا مثاليًا وبلا نقائص فاحشة، ولا تدّعي “اليوتوبيا” التي تبشر بها الأنظمة الاستبدادية في ظل الديكتاتور، أو الرفيق الأمين العام، أو الخليفة الداعشي، ولكنها استطاعت أن تتجنب تلك الأوبئة الثلاثة، وأن تحافظ على مستوى معقول من الحرية لشعبها، وحمت اقتصادها وطوّرته، بدلًا من أن تقصفه بالبراميل المتفجرة كما فعل نظام بشار الأسد، أو كما يفعل نظام الملالي بالشعب الإيراني وهو يجرّه من حرب إلى حرب، ومن أكذوبة إلى أخرى، وينشر الخراب والبؤس من طهران وصولًا إلى دمشق عاصمة قاسم سليماني الذي حقق باحتلالها اكتمال الهلال الشيعي الذي نذر ثروة إيران وقدراتها من أجله!

قد يردّ أحد المتنغصين ممن قطعنا شتائمه ضد الغرب وأمريكا وضد المؤامرة الاستعمارية، بأن أمريكا دولة متطورة ولا تُقارن بإيران ولا بسوريا ولا بروسيا ولا بالصين، نعم هذا الكلام صحيح، ولكن البشر في سوريا وفي غيرها لديهم مثل الأمريكيين كرامتهم وأحلامهم، ولديهم القدرات العقلية نفسها، فلماذا يحق للأمريكيين الحرية والكرامة والاقتصاد الحديث ومحاسبة الحاكم، بينما تهيمن الأفكار الطوباوية والأكاذيب والاستبداد على حكام سوريا الذين وصلوا ببلادنا إلى هذا الخراب؟

لدينا عشرات آلاف الكتب والمؤلفات التي امتهنت شتم أمريكا، فأمريكا هي التي تعرقل الوحدة العربية وليس المخابرات، وهي التي تحارب الاشتراكية وليس اللصوص والمخبرين، وهي التي تحارب الإسلام والمسلمين وليس مشايخ النفاق ولا شرعيي الهوس بالعودة إلى مقابر التاريخ والإصرار على إحياء الموتى. ورغم كل هذه الكتب، ورغم عشرات آلاف الفتاوى والخطابات الحماسية التي تكوي أمريكا بالجحيم، فإننا نستعمل الكمبيوتر ونستمتع بنظام “ويندوز” و”آبل”، ونستعمل “الموبايل” ونستمتع بنظام التشغيل “أندرويد” وغيره من الأنظمة التي اخترعتها أمريكا والغرب.

إجراءات انتزاع الحكم من ترامب وإجباره على تسليم عهدته، وتوحد النخب السياسية الأمريكية خلف قرارات المحاكم والقوانين الدستورية، أعادت أمريكا شابة بنظر العالم تمامًا، مثلما أعادها اختراع الكمبيوتر الشخصي، متألقة ومزدهرة أيام بيل كلنتون، في التسعينيات من القرن الماضي بعد إطلاق نظام “ويندوز”، ومثلما كانت إبّان تدخلها في الحرب العالمية الثانية قوية وناهضة، لأنها استطاعت القضاء على النازية وأسهمت بالقطيعة مع عصر الاستعمار الأوروبي.

وفي المقابل، فإن ما حصل ويحصل في سوريا يوجب علينا وعلى النخب السياسية الجديدة أن نجد أهدافنا خارج سوق الشتائم لأمريكا وللغرب، وسواء أعجبنا ذلك أم لا، فنحن بحاجة إلى أمريكا وإلى الغرب، ولا نستطيع الاستغناء عن علومهم ولا عن اختراعاتهم، ولا نستطيع أن نستغني عن قيم حقوق الإنسان التي اعتمدوها لشعوبهم، ومكّنت تلك الشعوب من وضع حد لكل حاكم يحاول اختطاف الدولة والمجتمع والدين ليصير نصف إله ويحوّل الناس إلى عبيد في مزرعته!



مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة