قبلت المجلة أن تكون "كبش الفداء" لكنها لم تفقد الأمل بالتغيير

حوار مع أسامة نصار: “طلعنا عالحرية” طالما يوجد ظلم ومظلومون

رئيس تحرير مجلة "طلعنا عالحرية"، أسامة نصار- (تعديل عنب بلدي)

رئيس تحرير مجلة "طلعنا عالحرية"، أسامة نصار- (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

حوار: صالح ملص

في بعض الأحيان تتناقض مشاعر الكتّاب في أوقات النزاع المسلح بشأن ضرورة الكتابة من عدمها أمام انتهاكات حقوق الإنسان المتكررة في سوريا، التي تحوّل الكتابة إلى ممارسة تفقد جدواها في إخراج الناس من مشكلاتهم المصيرية.

افتتحت مجلة “طلعنا عالحرية” عودتها الجديدة، في 15 من كانون الثاني الحالي، بعد توقفها لعام، وسط تساؤل عن جدوى هذه العودة والجدوى من تكرار نشر الحقائق حول الانتهاكات وهي لا تتوقف داخل سوريا، ليجيب رئيس تحرير المجلة، أسامة نصار، ضمن الافتتاحية ببساطة عن سؤال الجدوى بأن “الاستمرار ضرورة طالما أن هناك ظلمًا ومظلومين”.

وليستطيع نصار الإجابة عن هذا السؤال، خرج من إطار الكتابة ليطرح السؤال نفسه بشكل أوسع، وهو ما الجدوى من أي عمل في وقت “تحوّل العالم كله إلى آلة انتهاك”؟

ومهما كان هذا العمل الذي يشرع فيه أي شخص، إلا أن الذي يعمل في الكتابة عن التغيير من أجل التغيير يجد نفسه دائمًا في تأملات حول معنى ما يعمل فيه وأثره على مجتمعه، والوصول إلى نتيجة لهذه التأملات مرهون بوجود إمكانية حدوث أي تغيير في أي جانب من جوانب المجتمع والدولة داخل سوريا، ومن أبرز عناصر هذه الإمكانية هو توفر حرية التعبير في المقام الأول.

“إنجازات مهمة وواقع بائس”

صدر العدد الأول من مجلة “طلعنا عالحرية”، في شباط عام 2012، عن “لجان التنسيق المحلية”، وهي مجلة سورية نصف شهرية، ومستقلة، ومسجلة في كندا كمنظمة غير ربحية، توقفت منذ انطلاقتها أربع مرات، ودام أحد التوقفات سنتين.

يقول أسامة نصار لعنب بلدي، إن “المجلة أُسست في بداية الثورة، وكان الحراك الثوري غير المسلح لا يزال في زخمه، والتفاؤل بالتغيير يملأ الجميع في بلدان الربيع العربي”.

ومن غير المنصف برأيه التحديد بشكل مباشر ما إذا كان المجتمع السوري قد أخذ نصيبه من اسم المجلة (طلعنا عالحرية) أم لا، “فلا شك أن هناك تغييرًا جذريًا حصل في سوريا، وهناك إنجازات مهمة. وللأسف هناك واقع بائس بالمقابل”، وفق ما تابع نصار في حديثه.

“بالنسبة لنا في المجلة، نحاول أن يكون جوابنا نعم: طلعنا عالحرية، عندما نستمر في الصدور، وتقديم محتوى نافع”، وفق نصار.

في آب عام 2017، أصدرت محكمة “بداية الجزاء الثانية” بمدينة دوما في الغوطة الشرقية بريف دمشق، قرارها بشأن قضية مجلة “طلعنا عالحرية”، المتعلقة بنشرها مقالًا بعنوان “يا بابا شيلني” للكاتب شوكت غرز الدين، الذي على خلفيته أغلقت النيابة العامة التابعة لمؤسسة القضاء في مدينة دوما، التابعة فعليًا لـ”جيش الإسلام” وقتها، أحد فصائل المعارضة، في آذار من العام نفسه، مكاتب “طلعنا عالحرية”، و”شبكة حراس”، و”مركز توثيق الانتهاكات” (VDC)، ومكتب “لجان التنسيق المحلية”.

ونص القرار على تبرئة معاون رئيس تحرير المجلة حينها، أسامة نصار، المقيم في مدينة دوما، بينما أُدينت رئيسة التحرير المستقيلة، ليلى الصفدي، والكاتب غرز الدين، بسبب اعتبار المدعي العام أن المقال يتضمن “ألفاظًا مسيئة للذات الإلهية”، كما تمت إدانة المجلة ذاتها كشخصية اعتبارية.

وسعت المجلة لاحتواء الأزمة بعد انتقادات أخذت منحى تصاعديًا، فحذفت المقال من موقعها الإلكتروني، وأصدر نصار وقتها بيانًا توضيحيًا قال فيه، “كمسلم، مؤمن بالله الواحد القادر، أعتقد أن لا أحد ولا شيء في العالم باستطاعته أن يسيء لله تعالى، وإن ظن أنه يفعل (…) وأشعر أن على الداعين إلى الله أن يطمئنوا طالما كانت الطروحات المضادة زبدًا على هذا القدر أو ذاك من الرداءة”.

مقاومة تغلبها الظروف

تعددت أسباب انقطاع إصدارات “طلعنا عالحرية”، “في كل التوقفات كنا نقاوم ونكابر لنتابع الإصدار لمدة، ثم تغلبنا الظروف”، بحسب نصار.

وكان أصعب تلك الظروف برأي رئيس تحرير المجلة هو “اختطاف زملائنا من مكتب المجلة في الغوطة الشرقية في 2013، سميرة الخليل ووائل حمادة ورزان زيتونة وناظم الحمادي”، خاصة أن الأخيرين من مؤسسي المجلة ومن فريق التحرير.

وفي نفس المكان تعرض مكتب المجلة للقصف المتكرر والاقتحام، بحسب ما سرده نصار عن أسباب انقطاع المجلة عن نشاطها.

“في أوقات سابقة كنا نعاني من مشاكل داخلية إدارية أو تتعلق بتوزيع الأدوار والتفرغ للعمل، بالإضافة إلى مشاكل في التمويل”، وفق نصار، وكان أطول توقف في فترة ما بعد الصدام مع سلطات الأمر الواقع في الغوطة الشرقية وخاصة “جيش الإسلام”.

“ورغم أنه تمت تسوية المشكلة، واستمرت المؤسسات والأشخاص المراد قمعهم بالعمل، ولكن قبلت (طلعنا عالحرية) أن تحقن الدم وتكون هي كبش الفداء”، وفق تعبير نصار.

محاولة للاستمرار برؤية جديدة

وفي وقت سابق، خطر في بال أسامة نصار بأن المجلة بحاجة إلى “مآل لائق” (نهاية لائقة)، حتى ولو كان على شكل إعلان نهاية المشروع، بحسب قوله.

“ولكن لم نجد أن البت في قضية عامة مثل هذه من حقنا كفريق عمل صغير، لذلك قمنا بإجراء استطلاع رأي لجميع من شارك بأي عمل للمجلة في مسيرتها، وكانت النتيجة تدعم استمرار الرحلة”، وفق نصار.

و”حاولنا في هذه المرة أن نأخذ بالأسباب الموجبة للاستمرار. قمنا باستشارات وإجراءات كثيرة قبل إعادة الإصدار، ونعمل الآن على تثبيت أنفسنا وتطوير العمل وإدارته، وسيكون هناك تطوير للمحتوى في المستقبل”، وفق ما يتطلع إليه أسامة نصار في حديثه.

إعلام بديل يعاني من “بلاوي”

كان أسامة نصار مدير مكتب “طلعنا عالحرية” في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وهو حاصل على إجازة في الآداب من جامعة دمشق قسم اللغة الإنجليزية، وكان يشغل حينها مدير مكتب “الحراك السلمي السوري” في ريف دمشق.

“رغم النقلة الكبيرة التي حققتها الصحافة السورية في السنوات الأخيرة، ما زال أمامنا الكثير للعمل عليه”، ويشير أسامة نصار إلى أن معيار قياس حجم الإنجاز الذي حققته الصحافة السورية سيختلف باختلاف شكل المقارنة.

فإذا قورنت صحافة حكومة النظام السوري وصحافة المعارضة السورية، “فستصبح أمور المحسوبين على المعارضة معقولة”، و”قد نقتنع بأن إنجازنا كبير”، وفق هذه “المقارنة المختزلة”، “ولكن هذا بالطبع لا يكفي، ومن الأفضل ألا نستغرق الآن في تعداد البلاوي التي نعاني منها كإعلام بديل”، بحسب تعبير أسامة نصار.

ويتابع نصار، “إذا نظرنا إلى حرية الصحافة كجزء من حرية المجتمع وحقوق الإنسان والحرية السياسية، يصبح نضال الشعوب لتحقيق حقوقها متضمنًا الحق في التعبير ووجود صحافة حرة. كما أنه من المفيد أن نستفيد من تجارب أخرى من أجل صناعة حرية التعبير والصحافة”.

وأوصى نصار بتفعيل وظيفة روابط الصحفيين والإعلاميين السورية في حماية المهنة والعاملين بها، “فكثيرًا ما يحدث العكس للأسف”، وفق تعبيره.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة