تعرضن للعنف والاغتصاب..

تحقيق يكشف “بيع” عاملات أجنبيات اختطفن من دبي للعمل في سوريا

ساحة الأمويين في دمشق (تاس)

ع ع ع

كشف تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، أن عاملات من الجنسية الفلبينية وصلن بالإكراه من دبي إلى سوريا للعمل، وتعرضن لمآسٍ جسدية ونفسية.

وجاء في تحقيق الصحيفة، الذي نشرته الأحد 24 من كانون الثاني وترجمته عنب بلدي، أن عاملات منازل سافرن من الفلبين إلى دبي للعمل، لكنهن وجدن أنفسهن في سوريا يواجهن عنفًا واغتصابًا وحرمانًا من الرواتب.

ونقلت الصحيفة عن كانت تاوغينغ (33 سنة)، وهي مواطنة فلبينية سافرت إلى دبي للعمل، لكن وكالة التوظيف الخاصة بها احتجزتها بدلًا من ذلك في مستودع مظلم وقذر مع نساء أخريات، وسرعان ما علمن أنهن سيرسلن جميعًا إلى سوريا لبيعهن هناك.

وقالت إنها تعرضت للصفع على وجهها بعد أن اعترضت على الذهاب إلى سوريا خلال نقلها إلى مطار دبي استعدادًا لنقلها إلى دمشق.

وفي روايتها لقصتها التي جرت في 2019، قالت إنها تعرضت لتهديدات بالقتل إذا لم توافق على الذهاب إلى سوريا، التي ما زالت محاصرة فيها حتى اليوم.

وذكرت الصحيفة أن عشرات العاملات من الجنسية الفلبينية في الإمارات العربية المتحدة نُقلن إلى سوريا للعمل كعاملات خدمة، وتعرضن في بعض الأحيان لاعتداءات جسدية وجنسية من قبل أرباب عملهن، وحرمن من الرواتب التي وُعدن بها، بعد مقابلات أجريت مع 17 عاملة.

وبحسب التحقيق، غالبًا ما تسجن العاملات في منازل أصحاب العمل، واستطاع بعضهن الهرب إلى سفارة الفلبين في دمشق، حيث قالت بعضهن إن نحو 35 امرأة تبحث الآن عن مأوى، غير قادرات على العودة إلى ديارهن.

ضرب وحرمان من الرواتب

“صفعني صاحب العمل ووضع رأسي في الحائط”، تحدثت العاملة فلورديليزا أريجولا (32 سنة) التي تعيش في سوريا منذ 2018، عن سبب هروبها.

وقالت إنها هربت لأن صاحب العمل لم يعطها راتبًا لمدة تسعة أشهر، وبعدها هربت من المنزل إلى السفارة الفلبينية.

يعمل عشرات الملايين من المهاجرين في دول الخليج ومنها الإمارات، لكن عشرة أعوام من الحرب جعلت سوريا وجهة غير مفضلة للعاملين الأجانب.

وبقيت العائلات السورية الغنية مستعدة لدفع آلاف الدولارات للحصول على عاملة خدمة، وقد أدى ذلك إلى زيادة الطلب على المهاجرات المتاجَر بهن، بحسب التحقيق.

وردًا على سؤال عن تهريب العاملات إلى سوريا، قال القنصل العام للفلبين في دبي، بول ريموند كورتيس، “بالطبع نحن قلقون للغاية بشأن محنتهم”.

وأضاف أن على العمال المهاجرين تنسيق عملهم في الخارج مع الوكالات الحكومية الفلبينية، وطلب مساعدتها إذا “جرى إغراؤهم للعمل خارج الإمارات العربية المتحدة”.

تأشيرات سياحية منتهية الصلاحية

قالت العاملات، في مقابلات مع الصحيفة، إنهن وصلن إلى الشرق الأوسط بتأشيرات سياحية لمدة 30 يومًا لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتوقعن أن تكون هذه وجهتهن النهائية.

لكن وكالات التوظيف أبقتهن محتجزات حتى انتهاء صلاحية التأشيرات، ما جعل التوظيف في الإمارات العربية المتحدة غير ممكن.

في أثناء احتجازهن، أخبر موظفو الوكالة مرارًا وتكرارًا العاملات أن سوريا مكان رائع للعيش فيه، وأن الحرب قد انتهت فيها، وأنهن سيحصلن على رواتب عالية تقدر بـ500 دولار أمريكي، وسيحصلن على يوم عطلة واحد في الأسبوع.

وتحدثت النساء أنهن تعرضن للإيذاء الجسدي والتهديد عدة مرات، خاصة إذا اعترضن على الذهاب إلى سوريا.

وذكرت ست من النساء اللواتي قابلتهن الصحيفة اسم وكالتي توظيف إماراتيتين، على أنهما لعبتا دورًا في عمليات الاتجار هذه.

ولم ترد الوكالتان على طلبات معدي التحقيق للتعليق.

بعد احتجازهن في الإمارات، نُقلت السيدات في رحلات جوية إلى دمشق في مجموعات من اثنتين أو ثلاث.

عند وصولهن، قالت النساء إنهن احتُجزن في مساكن جماعية مملوكة لسماسرة محليين إلى أن وُضعن في منزل.

وتحدثن عن إجبارهن على الوقوف في الصف ليختار الزبون منهن.

وقالت إحدى العاملات، وهي جدة تبلغ من العمر 48 عامًا، “شعرت وكأنني عاهرة لأننا نقف جميعًا في طابور، ويختار أصحاب العمل من يريدون”.

كان سعر البيع عادة ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف دولار، وفقًا للعديد من النساء اللواتي قلن إن أصحاب العمل أخبروهن بمبلغ الشراء.

تعرضت النساء اللواتي لم يُبعن بسرعة لعنف متزايد من قبل السماسرة السوريين.

وقالت جويمالين دي (26 سنة)، “أخبروني أنني سأكون جيدة، لذلك لن أتعرض للاغتصاب أو الأذى، بقيت صامتة وقلت نعم (…) أراد رئيس المكتب أن ينام بجانبي ويلمسني. لحسن الحظ، أخذني صاحب العمل في اليوم التالي”.

عاملات قاصرات

ليلانيس عبد الجابر كانت تبلغ من العمر 12 سنة، عندما جرى الاتجار بها قبل ثلاث سنوات.

وقالت، “في أثناء عودتي إلى المنزل من المدرسة، كنت أفكر في طرق للهروب من الفقر، وفي الفتيات اللاتي يسافرن إلى الخارج ويتمتعن بحياة جيدة، ويمكن لأقاربهن بناء منزلهن، شعرت بالأسف لعائلتي، لذلك أردت مساعدتها”.

وجدت ليلانيس، التي تنحدر من مدينة في جنوب الفلبين، وكالة توظيف قالت إنها سترتب لها جواز سفر بسن مزوّرة وتعيّنها في وظيفة بدبي، لكن بدلًا من ذلك نُقلت إلى سوريا.

وأشارت إلى أنها عملت في البداية جيدًا مع صاحب عملها في دمشق، الذي كان يعرف أنها تبلغ من العمر 12 عامًا.

ولكن عندما تلقت ليلانيس أخبارًا بعد عدة أشهر عن وفاة شقيقها، حزنت وتأثر عملها.

وذكرت أن صاحب العمل صفعها وحرمها من الطعام إثر تراجع أدائها.

وبعدما توسلت له للسماح لها بالعودة إلى منزل عائلتها، أوصلها إلى سفارة الفلبين، متوقعًا أنها ستعيدها، لكن السفارة لم تفعل، والآن تبلغ من العمر 15 عامًا، و تعيش في السفارة منذ 20 شهرًا.

لا تعرف ليلانيس متى ستعود إلى المنزل، وقد سألها موظفو السفارة عما إذا كانت ترغب في العودة إلى العمل بدلاً من ذلك.

خوف من الهروب

تحدثت النساء المقيمات في السفارة الفلبينية بدمشق، أنهن تعرضن لاعتداءات جسدية وجنسية من قبل أصحاب العمل قبل هروبهن.

وقالت جيرالدين باهيجون (30 سنة)، إنها تعرضت لاعتداء متكرر من قبل رب عملها، وأضافت، “تعرضت للصفع والركل والعض عدة مرات، تحملت هذا لمدة أربعة أشهر”.

وأكدت أنها لم تتقاضَ أجرًا مقابل عملها أبدًا، والرواتب التي وُعدت بها بنحو 500 دولار أمريكي لم تتحقق.

وتحدثت عاملة أخرى ما زالت على رأس عملها، أنها تعمل مدة 18 ساعة، ويبدأ عملها في الخامسة صباحًا من دون أيام عطلة.

وأضافت أن صاحب عملها أحد أفراد عائلة سورية بارزة، واشتكت من أنها مجبورة على العيش في منزل مع حراس عند البوابة الأمامية، لأنها تخشى الهروب.

نفي بالفيديو من مكتب في دمشق

قالت أربع من العاملات الفلبينيات في المقابلات، إنهن عملن عن طريق مكتب الوساطة “نبلاء الشام”، الذي يعمل باستقدام عاملات المنزل.

ونفى رمضان محمد، وهو محامي الشركة الذي تواصل معه معدو التحقيق عبر “واتساب”، ادعاءات النساء، وقال إنها “غير صحيحة على الإطلاق”.

وأضاف، “النساء موافقات على القدوم للعمل في سورياـ وهذا موثق بالفيديو بصوتهن وصورهن من المكتب المرسل قبل سفرهن، ونقوم بدورنا في تأمين الكفلاء والمنازل والأشخاص الذين يعاملونهن بشكل جيد للغاية وإنساني”.

وأوضح أن المكتب يتحقق من أن العاملات يتقاضين رواتبهن بشكل دوري، ويسألن عن تواصلهن مع عائلاتهن عبر الإنترنت.

وأضاف المحامي أن الشركة تساعد أي عاملة تشعر بالخوف، وأنه لم تكن هناك شكاوى مماثلة لتلك التي قدمتها النساء.

عالقات في السفارة

بمجرد أن أُتيحت لهن الفرصة، اختارت العديد من النساء الهروب من منازل أرباب العمل والفرار إلى سفارة الفلبين، لكنهن لم يلقين الترحيب الذي كنّ يأملنه.

وقالت النساء، إن بعض موظفي السفارة صارمون، والعقوبة الشائعة للمخالفات البسيطة، مثل تسريب بعض الطعام الإضافي من المطبخ، هي الحرمان من الإفطار لمدة أسبوعين.

وتحدثن عن أن الغرف المصممة على طراز صالات النوم المشتركة باردة في الشتاء، وتُحبس النساء بالداخل كل ليلة.

ولضمان عدم تقديم شكوى لأهاليهن حول الظروف المعيشية في السفارة، صادر موظفو السفارة هواتفهن، ووصفن ظروف إقامتهن بأنها أشبه بالسجن.

وردًا على طلب الصحيفة للتعليق، قالت وزارة الخارجية الفلبينية إنها بدأت “تحقيقًا في مزاعم سوء المعاملة في أثناء الوجود في مأوى مؤقت، وتوصي بالإجراءات اللازمة وفقًا لذلك”.

وأشارت إلى أنها في سوريا تحاول تأمين تأشيرات خروج للنساء، ودفع أي رسوم وغرامات معلقة تفرضها السلطات في سوريا.

وفي كانون الأول 2020، عندما جرى الاتصال بالسفارة للتعليق، قال المسؤولون الفلبينيون إنهم بدؤوا بإعادة بعض النساء.

من بين ضحايا الاتجار البالغ عددهن 35 من النساء اللواتي كن يمكثن في السفارة في كانون الأول، قالت بعضهن إنهن عالقات هناك لمدة تصل إلى عامين، لأنهن لم يستطعن ​​الحصول على تأشيرات خروج سورية، وأموال لرحلات العودة.

ضغوط للعودة إلى العمل

أفادت عدة نساء أنهن تعرضن لضغوط من قبل موظفي السفارة للعودة إلى المنازل السورية التي هربن منها.

وقالت جوفي بالوندو (27 سنة) التي تقيم في السفارة منذ عام، “أريد أن أموت، نحن جميعًا متوترون جدًا”.

تاواجينج وهي أرملة تحدثت أنها جاءت إلى دمشق قبل عامين، وتقطعت بها السبل في السفارة بعد فرارها من صاحب عملها أوائل 2019.

وأكدت أنها هربت لأن صاحب العمل حاول اغتصابها، ما جعلها تشعر بالخوف من البقاء.

جاءت تاواجينج إلى الإمارات العربية المتحدة للعمل من أجل توفير مستقبل لأطفالها.

وختمت، “أنا أفتقدهم حقًا، ما زلنا نأمل وننتظر تحديد موعد العودة إلى المنزل”.

استقدام العاملات إلى سوريا

في 17 من كانون الأول 2020، أثارت صحيفة “البعث” الحكومية السورية الجدل حول استقدام العاملات الأجنبيات.

وذكرت الصحيفة أنه في حين يوحي المشهد العام بتردي الواقع المعيشي في ظل التضخم ومنعكساته السلبية على ارتفاع أسعار جميع السلع والمواد، نجد أن شريحة واسعة من مجتمعنا ما زالت تحافظ على “برستيجها” أمام المجتمع.

وذكرت أن أهم ما في هذا “البرستيج” وجود عاملات منزليات أجنبيات في المنزل، يتسببن بحالة ضغط على النقد الأجنبي، وحالة من عدم استقرار سعر الصرف.

وعلى الرغم من أن عدد مكاتب استقدام العاملات المنزليات من غير السوريات 20 مكتبًا منذ 2013 حتى آذار 2020، و177 عاملة مُنحن الموافقة، حسب إحصائية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فإن الواقع يكشف عن وجود عدد من المكاتب لتشغيل العاملات السوريات، لكنها “غير مرخصة” تعمل بشكل غير قانوني، ولا تقوم بتطبيق تعليمات ترخيص المكاتب الخاصة لاستقدام العاملات غير السوريات.

وتحدثت الصحيفة عن تهريب العاملات ووصولهن بطرق غير شرعية إلى سوريا، وأن راتب العاملة يتراوح بين 225 و300 دولار شهريًا.

وبحسب شروط الاستقدام التي تنشرها وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة النظام، يسمح للعاملات المنزليات غير السوريات بالدخول والإقامة إذا كنّ من رعايا: إندونيسيا، بنغلادش، سيريلانكا، نيبال، فيتنام، الفلبين.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة