عمر أميرالاي.. الوثيقة اللازمة

ع ع ع

نبيل محمد

من محض فقر سوريا المدقع بالوثيقة التاريخية، والصورة، التي تعرّي بلاد “البعث”، ينال شخص ومنجز الراحل عمر أميرالاي، الذي تصادف الذكرى العاشرة لوفاته خلال أيام، أهمية فائقة، بل ومختلفة عن كل أبناء جيله من السينمائيين السوريين، الذي كان لبعضهم بصمة حقيقية في هذا الفن، أو لنقل الذين لولاهم، وهم قلة، لما كان هناك في سوريا أصلًا سينما حقيقية ذات أثر وقادرة على أن تصمد في الأرشيف والذاكرة. اختلاف أميرالاي عنهم جميعًا، وفرادته، هو إدراكه التام لخلو هذه البلاد من كاميرا وثائقية تلاحق تفاصيلها الحقيقية، وترصد واقعها كما هو تمامًا، بحرفية سينمائية قادرة على بث الرسائل الرمزية من الصور الواقعية البسيطة، والقصص والتفاصيل التي تحكي سوريا ككل في ظل حافظ الأسد، القائد المؤسس للمحرقة الكبرى.

“عندما استوطن الإنسان وحاول الزراعة وجني ثمار تعبه، وتحوّل من صياد إلى مزارع ودجّن الحيوانات، كان ذلك في هذه المنطقة بالذات، فالمنطقة قدمها قدم التاريخ”، الحديث هنا كان لأحد السكان الذين يروون الحكاية في فيلم “طوفان في بلاد البعث” المنتج سنة 2003، أما المنطقة المقصودة فهي المكان الذي غمرته مياه بحيرة “الأسد”، خلف سد “الفرات”، ومحت وجوده عن الأرض، وهو المعنى الذي كرره الفيلم بين مشهد وآخر، مقدّمًا جريمة “البعث” في اجتياحه السياسي لسوريا ككل، من خلال مشاريعه التي كان يعطيها صورة المشاريع التنموية التقدميّة، ويمارس في ظلها جرائم طمس الهوية والثقافة، ومحو الأثر، وإفقار الجموع. يتبدى ذلك من المشاهد الأولى للأقدام المتشققة، والأيدي اليابسة، لأولئك الريفيين الذين من المفترض أن مشروع السد جاء لإروائهم، والقضاء على يباس أراضيهم لا العكس.

كان “طوفان في بلاد البعث” بمثابة اعتذار قدّمه مخرجه، لأنه قبل أكثر من 30 سنة من إنتاجه، كان قد جاء إلى سوريا ليرصد التغير الإيجابي فيها على يد “البعث”، ولينجز فيلمه “محاولة عن سد الفرات” 1970 عن المشروع ذاته، مقدّمًا إياه كمنجز حضاري. إلا أن بقية أفلام أميرالاي، وخاصة تلك التي جابت في الأرياف والقرى النائية بحثًا عن القصص التي تحمل في عمقها حكاية البلاد الحقيقية والتي يمكن تصنيفها وثيقة تاريخية، كانت ببطء وقعها، وسيطرة الصورة فيها على كل شيء، تحفًا بصرية بما حملته من مدلولات، وبكثافة الحقيقة والصدق فيها.

“الحياة اليومية لقرية سورية” 1972 الذي أنجزه أميرالاي بصحبة سعد الله ونوس، هو واحد من تلك الوثائق التي تتعقّب مظاهر صناعة الكذب اليومي على الشعب الذي يعتاده النظام السوري بكل مؤسساته، فالحصّادة الحديثة التي تسكن كتب القراءة ويحفظ الأطفال درسها عن ظهر قلب، هي في أراضيهم مجموعة حمير تعاندهم في العمل. ويتوضّح الراهن الصحي والتعليمي في الريف السوري بشكل جلي، ودقيق، وبشكل يظهر فيه الفيلم ببعض تفاصيله وكأنه “ريبورتاج” صحفي يرصد واقع القرية، لكن الأسلوب السينمائي الذي اتبعه أميرالاي في الفيلم، وجولة الكاميرا في تفاصيل ومكونات ريفية في القرية، أعطت مجمل تلك الشهادات والأحاديث والحوارات التي تدور في الشريط بعدًا عامًّا، ليجعل كل ما في الفيلم يقول “إن البعث كاذب”.

أغلبنا لم يعرف أهم أفلام أميرالاي إلا بعد أن أصبحت متاحة عبر الشبكة، وقلّة قليلة من كانت تتداول تلك الأفلام بسرية في مرحلة ما، عندما كانت تلك الأفلام محظورة في سوريا، ثم أصبحت فيها بعد ذلك، خاصة في السنوات اللاحقة لاندلاع الثورة السورية، إحدى الحجج على كل من يقول “كنّا عايشين”، وعلى كل من رفض محاولة أي تغيير في سوريا، متمسّكًا بأن سوريا على علاتها أفضل من الكثير من البلدان. إن ما تركه أميرالاي الذي غادر الحياة قبل شهر من اندلاع الثورة السورية، هو واحد من أكثر الأدلة صدقًا على أن اجتثاث هذه المنظومة التي تحكم هذه البلاد بأي طريقة كانت، هو فعل ضروري وواجب وحق لكل من يعيش في مقبرة “البعث” المتسعة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة