مأكولات فصل الشتاء.. تقاليد وعادات شعبية لم يمحها الغلاء في درعا

نساء يعددن أكلة الششبرك التي تسمى بآذان الشائب في درعا - 29 كانون الثاني 2021 (عنب بلدي حليم محمد)

ع ع ع

درعا – حليم محمد

في فناء غرفة “المونة”، التي يتوسطها فرن الغاز، وعلى جوانبها رفوف المطربانات المليئة بـ”المكدوس” والزيتون والمربيات وأكياس معبأة بالملوخية الناشفة وقلادات البامية المجففة، تقف “أم وسيم” وأمامها مكونات “الرقاقة” التي تشتهيها عائلتها مع قدوم الشتاء.

تحتل بعض المأكولات الشعبية في درعا مكانتها في نفوس الأهالي، الذين يربطون تناولها بفصل الشتاء وبرودة الأجواء، مثل “الرقاقة” و”آذان الشائب” وفطائر “الكشك”، إلا أن غلاء أسعار مكوناتها أجبرتهم على الاقتصاد في تحضيرها خلال سنوات الحرب.

“الرقاقة” أو “مكمورة اللحم”

“ساخنة من الفرن مباشرة”، وصف “أبو مصطفى”، من سكان درعا، لعنب بلدي كيف يفضل “الرقاقة”، التي قال إنها ألذ في “فصل الشتاء”.

وأضاف الأربعيني، الذي تحفظ على ذكر اسمه الصريح، أنه يستذكر “الرقاقة” التي كانت تصنعها أمه، ويطلبها من عائلته كل فصل شتاء، رغم غلاء مكوناتها.

“الرقاقة” أو “المكمورة” أو “المكامير”، تسميات مختلفة لطبق مكوّن من رقاقات عجين وفروج وبصل.

يرق العجين في قاع الصينية، حسبما قالت “أم وسيم” لعنب بلدي، متحفظة على ذكر اسمها الصريح، وتتكون من الطحين وقطع الفروج والبصل وزيت الزيتون، وتقدم كوجبة للغداء.

تحضر العجينة من الطحين والملح وحبة البركة المطحونة، دون أن تضاف إليها الخميرة، وتُترك مدة ساعة، حسبما قالت ربة المنزل لعنب بلدي.

تدهن “أم وسيم” قاع الصينية بزيت الزيتون، لتمنع التصاق العجين، الذي تفرد قطعة منه في قاعها وتدهنها بالزيت وهي ترقها بيدها، ومن بعدها تضع شرائح البصل والفروج، وقالت “بعض العائلات تفضل لحم الدجاج وبعضها تفضل قطع لحم الخروف أو العجل”، ثم تتابع بطبقات العجين واللحم، مشكلة ثلاث طبقات.

بعد إتمامها للطبق، أشعلت “أم وسيم” الفرن، وانتظرت وصوله لدرجة الحرارة المطلوبة ثم أدخلت الطبق لينضج، “تسلق بعض النساء الدجاج قبل إعداد طبق الرقاقة، وهذا لا يحتاج إلى طهو بالفرن أكثر من نصف ساعة، والبعض الآخر، وأنا منهن، أضع الدجاج مباشرة في العجين، ولكن علينا الانتظار حتى ينضج ويستغرق ذلك ساعة ونصفًا”، حسبما أوضحت لعنب بلدي.

يعتمد الفرن على الغاز المنزلي، الذي يوزع عبر “البطاقة الذكية”، بمعدل جرة للأسرة كل 23 يومًا، ولكن نقص توريدات الغاز يسبب تأخير تسلّم السكان مخصصاتهم لأكثر من شهرين أحيانًا، ولذا تلجأ أغلبية الأسر للاقتصاد بالغاز، عن طريق تجنب صناعة المأكولات التي تحتاج إلى الشوي بالفرن، مثل “الرقاقة” والفطائر.

وقالت “أم وسيم”، إنها كانت تعد “الرقاقة”، “أكثر من أربع مرات خلال فصل الشتاء، وكان أفراد أسرتي يلحون في طلبها، أما الآن فلم أصنعها هذا العام سوى مرة واحدة، وبكميات قليلة”.

ووصل سعر كيلو لحم الفروج في درعا إلى 4500 ليرة سورية (1.5 دولار)، في حين كان موسم زيت الزيتون “مخيبًا” للمزارعين، وارتفعت أسعاره لمستويات “قياسية”.

“آذان الشائب” سمعت بالغلاء

من الأكلات المشهورة في سوريا باسم “الششبرك”، تطهى حبات العجين المحشوة باللحم والبصل المفروم في اللبن، وهي تحمل اسم “آذان الشائب” في درعا، التي يعتبرها أهالي المحافظة الجنوبية من ألذ الأطباق الشتوية.

“أم محمود”، ربة منزل لعائلة مكونة من خمسة أفراد، تحفظت على ذكر اسمها الصريح لعنب بلدي، تحدثت عن طريقة صناعتها، “أقطع العجين إلى دوائر ثم أرقها، وأفرد عليها الحشوة (اللحم والبصل) ثم ألفها”.

شكل قطع العجين المطوية منحها لقب “الآذان”، ولونها الأبيض بعد طهوها باللبن منحها صفة “الشيب”، لكن غلاء أسعار اللحوم منحها صفة البعد عن الموائد غير المعتاد.

تحتاج المرأة الخمسينية إلى كيلو من لحم الخروف لإعداد الوجبة لعائلتها، حسبما قالت لعنب بلدي، ووصل سعر الكيلو من لحم الخروف إلى 17 ألف ليرة سورية (نحو ستة دولارات)، وسعر كيلو لحم العجل إلى 15 ألفًا، في حين وصل سعر كيلو البصل إلى ألف ليرة، وكذلك سعر كيلو اللبن الرائب، ولذلك تتجنب “أم محمود” طهوها لعائلتها، حسبما قالت لعنب بلدي.

فطائر “الكشك” صالحة لكل وقت

لا تملك فطائر “الكشك” موعدًا محددًا للأكل، لكن الكثيرين يفضلونها في الشتاء، وهي عبارة عن عجين محشو بالبندورة المفرومة أو السبانخ مع الكشك.

ولا تخلو بيوت أهل حوران من الكشك، الذي يعد في فصل الصيف ويستهلك في فصل الشتاء، وهو عبارة عن برغل منقوع باللبن الحامض، يجفف تحت أشعة الشمس قرابة 15 يومًا، حسبما قالت “أم وسيم” لعنب بلدي، قبل حفظه ليفرد فوق عجينة الفطائر، مع البندورة أو السبانخ، ويشوى في الفرن على شكل أرغفة.

وتمتاز محافظة درعا الجنوبية بمأكولات عدة، أشهرها “المنسف الحوراني”، و”الراحة الدرعاوية”، تملك نسخًا معدلة عن مأكولات شهيرة في سوريا، تحمل أيضًا أسماء محلية مميزة.

ويعاني سكان المحافظة من آثار ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية والوقود، الذي كان انعكاسه واضحًا على حياتهم، بعد أن ارتفع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، منذ حزيران عام 2020، ليصل إلى ثلاثة آلاف مقابل الدولار الواحد مع نهاية كانون الثاني الحالي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة