تحافظ على مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم

هل سمعت بـ فرط نشاط جارات الدرق

ع ع ع

د. كريم مأمون

تعد اضطرابات مستوى الكالسيوم في الدم من المشاكل الصحية الشائعة نسبيًا بين الناس، وتؤدي إلى مضاعفات عديدة تؤثر على الجهاز العظمي والعضلي، ومع أن هذه الاضطرابات ترتبط بفرط نشاط الغدد جارات الدرق (الدريقات)، إلا أن دراسة وتقييم عمل هذه الغدد كثيرًا ما يُغفل من قبل الأطباء.

ما غدد جارات الدرق؟

هي غدد صماء صغيرة في عنق الإنسان، وعادة ما يكون لدى الشخص أربع غدد جارات الدرقية، موجودة بشكل متفاوت على الجزء الخلفي من الغدة الدرقية، إذ يوجد زوجان منها خلف كل من الفص الأيمن والفص الأيسر للغدة الدرقية، هذه الغدد غير واضحة ولا يمكن الشعور بها في أثناء فحص الرقبة.

تتخذ كل غدة شكلًا بيضاويًا مسطحًا بلون بني مصفر فيما يشبه حبة العدس، تكون عادة بطول حوالي 6 ملم وعرض 3-4 ملم، وسماكة 1-2 ملم من السطح الأمامي إلى الخلفي.

تتمثل الوظيفة الرئيسة للغدد جارات الدرق في الحفاظ على مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم، وذلك عن طريق إفرازها الهرمون الجار درقي (PTH) المعروف أيضًا باسم باراثرمون، وهو بروتين صغير يشارك في السيطرة على استتباب الكالسيوم والفوسفات في الدم والعظام والأنسجة التي تعتمد على الكالسيوم من أجل الأداء السليم، وذلك بالتشارك مع الكالسيتونين (أحد الهرمونات التي تصنعها الغدة الدرقية)، ولهرمون جارات الدرق (PTH) تأثير معاكس لذلك الخاص بالكالسيتونين.

يزيد الهرمون الجار درقي من مستويات الكالسيوم في الدم عن طريق تحفيز إطلاق الكالسيوم من العظم، كما يزيد من امتصاص الكالسيوم في الجهاز الهضمي من خلال تنشيط فيتامين “D”، ويعزز الحفاظ على الكالسيوم (إعادة امتصاصه) عن طريق الكلى.

وبالنسبة للفوسفات، فإن الهرمون الجار درقي هو المنظم الرئيس لتركيز الفوسفات في الدم عن طريق التأثير على الكلى، إذ يثبط إعادة امتصاص الفوسفور فيها، لكنه ومن خلال تنشيط فيتامين “D” يزيد امتصاص الأمعاء للفوسفات.

ما المقصود بفرط نشاط جارات الدرق؟

فرط نشاط جارات الدرق Hyperparathyroidism)) حالة مرضية تحدث حين يزيد نشاط واحدة أو أكثر من الغدد جارات الدرق فتفرز كمية كبيرة من الهرمون الجار درقي (PTH)، ما قد يسبب ألم العظام وقابلية كسرها، وارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم.

يصيب فرط جارات الدرق بين 1 و4 أشخاص من كل ألف شخص، وهو أكثر شيوعًا في النساء منه في الرجال بثلاث مرات، وتزداد الإصابات عند النساء بعد توقف الدورة الشهرية، لذلك غالبًا ما يتم تشخيصه في سن 50 إلى 60 عامًا.

ما أسباب فرط نشاط جارات الدرق؟

 يوجد نوعان من فرط نشاط جارات الدرق، هما الأولي والثانوي:

فرط نشاط جارات الدرق الأولي، فيه تنتج الغدد كميات هائلة من الهرمون عفويًا، أي دون سبب خارجي واضح، ما يسبب ارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم، وفي 80% من الحالات يرجع فرط الإفراز إلى تشكل ورم غدي حميد (غير سرطاني) في إحدى الغدد جارات الدرقية ويسبب زيادة نشاط الغدة، ومن الأسباب الأخرى للحالة التكاثر المفرط للخلايا، إذ يزداد حجم غدة أو غدتين، ونادرًا ما يكون بسبب سرطان الغدة جارة الدرق.

ولا يفهم سبب فرط نشاط جارات الدرق الأولي كليًا، ولكن يمكن أن يزيد التعرض للإشعاع من خطر الإصابة، كذلك بعض الأمراض الوراثية مثل متلازمة تكوّن الأورام الصماوية المتعددة.

فرط نشاط جارات الدرق الثانوي، وفيه تحدث زيادة إنتاج الهرمون الجار درقي ثانويًا بسبب حالة أخرى تؤدي إلى نقص كالسيوم الدم، مثل نقص فيتامين “D” أو الفشل الكلوي المزمن، فإذا كان مستوى كالسيوم الدم منخفضًا بشكل غير طبيعي تستجيب الغدد السليمة بإفراز الهرمون جار الدرقي بمعدل مرتفع بشكل ثابت.

كيف يتظاهر فرط نشاط الغدد جارات الدرق؟

تعتمد الأعراض والعلامات على كون فرط النشاط أوليًا أو ثانويًا.

ففي فرط نشاط جارات الدرق الأولي لا يشعر المرضى بأي أعراض في حوالي 75% من الحالات، ويتم اكتشاف المشكلة من خلال اكتشاف ارتفاع مستوى الكالسيوم خلال تحليل دم لأسباب أخرى. في الحالات المتبقية، تكون لدى المرضى أعراض غير محددة، أما الأعراض الناتجة بشكل مباشر عن فرط كالسيوم الدم فهي نادرة نسبيًا، وتشمل الإعياء والتعب، ألم العظام، ضعف العضلات، نقص الشهية، الاكتئاب، مشاكل بالتركيز، الشعور بالغثيان والقيء، الإمساك، فرط التبول، العطش، الضعف الإدراكي والارتباك.

ومن المشاكل الصحية الأخرى المرتبطة بالمرض: ضعف وظيفة الكليتين، والحصيات الكلوية، وهشاشة العظام، كما تزداد فرصة حدوث ارتفاع ضغط الدم لهؤلاء المرضى، وربما يحتاجون إلى العلاج بغض النظر عن علاج حالة فرط نشاط جارات الدرق نفسه.

أما في فرط جارات الدرق الثانوي فتعمل الغدد جارات الدرق بشكل طبيعي، وتحدث الأعراض والمشاكل بسبب سحب الكلس من العظم، فيظهر في صورة متلازمات متعلقة بالعظام مثل كساح الأطفال، وتليّن العظام، والضمور العظمي كلوي المنشأ.

كيف يتم التشخيص؟

يتم تأكيد التشخيص عن طريق معايرة مستوى الهرمون الجار درقي PTH)) في الدم، حيث يكون مرتفعًا، وبمجرد تأكيد ارتفاع مستواه يصبح الهدف تحديد إذا كان فرط نشاط جارات الدرق أوليًا أم ثانويًا، ويتم ذلك عن طريق تحديد مستوى كالسيوم الدم، ففي فرط النشاط الأولي يكون هناك ارتفاع بمستوى كالسيوم الدم عن المستوى الطبيعي، أما في فرط النشاط الثانوي فيكون هناك نقص بمستوى كالسيوم الدم عن الطبيعي.

ويكون مستوى الفوسفات في مصل الدم عادة منخفضًا في فرط النشاط الأولي نتيجة نقص إعادة امتصاص الفوسفات في الأنابيب الكلوية، ويختلف ذلك عن فرط النشاط الثانوي، الذي يكون فيه مستوى الفوسفات مرتفعًا بسبب مرض الكلى.

وتكون مستويات الفوسفاتاز القلوية عادة مرتفعة في فرط نشاط جارات الدرقية الأولي والثانوي.

وقد يطلب الطبيب اختبار كثافة العظم لنفي وجود هشاشة عظام، كذلك قد يطلب تصوير الكلى لنفي وجود حصيات كلوية، وقد يطلب جمع بول 24 ساعة وقياس مقدار الكلس المطروح فيه.

كيف يتم علاج فرط نشاط جارات الدرق؟

في فرط النشاط الأولي الخفيف:

· لا توجد أعراض.

· مستوى الكالسيوم مرتفع بشكل طفيف فقط.

· وظيفة الكلى طبيعية، دون حصيات.

· كثافة العظم طبيعية أو أقل قليلًا من المعدل الطبيعي.

قد لا ينصح الطبيب بأي علاج، لكن سيتابع الطبيب مستوى الكالسيوم في الدم وضغط الدم كل ستة أشهر، ووظائف الكلى كل عام، وكثافة العظام كل 1- 3 أعوام.

مع التأكيد على بعض الإجراءات مثل:

· شرب المزيد من المياه.

· الحفاظ على النشاط وإجراء التمرينات الرياضية.

· عدم تناول مدرات البول من نوع الثيازيد أو الليثيوم، لأن هذه الأدوية تزيد من مستوى الكالسيوم في الدم.

في فرط النشاط الأولي الشديد:

· مصحوب بأعراض.

· غير مصحوب بأعراض ولكن مصحوب بأي مما يلي:

– مستوى الكالسيوم في البول على مدار 24 ساعة > 400 ملغ.

– كالسيوم الدم > 1 ملغ/دل فوق الحد الأعلى للمستوى الطبيعي.

– تصفية الكرياتينين > 30% أقل من الطبيعي بالنسبة لعمر المريض.

– كثافة العظام > 2.5 الانحراف المعياري للقمة السفلى (كثافة العظم = -2.5).

– السن > 50

هنا سيوصي الطبيب بإجراء جراحة لإزالة الغدة المتضخمة، وتعالج الجراحة نسبة 95% من الحالات، ويجب فحص مستوى الكالسيوم وهرمون “PTH” بعد العملية بستة أسابيع، ثم كل عام، وكذلك اختبار كثافة العظام كل عام.

في فرط نشاط جارات الدرق الثانوي، يمثل المستوى المرتفع للهرمون جار الدرقي استجابة طبيعية لانخفاض مستوى الكالسيوم، ويجب توجيه العلاج نحو سبب انخفاض مستوى الكالسيوم (عادة نقص فيتامين D أو مرض الكلى المزمن)، فإذا نجح ذلك ينبغي أن يعود مستوى الهرمون طبيعيًا، إلا إذا أصبح إفرازه تلقائيًا (وتسمى هذه الحالة فرط نشاط جارات الدرق الثالثي).

محاكي الكالسيوم (يباع باسم سيناكالست): عبارة عن دواء يقلد الكالسيوم الذي يدور في الدم، وبالتالي قد يخدع هذا الدواء الغدد جارات الدرق ويجعلها تفرز كمية أقل من الهرمون. وهو علاج محتمل لبعض الأشخاص الذين لديهم فرط شديد في كالسيوم الدم، وفرط جارات الدرقية الأولي غير القادرين على إجراء جراحة، وللأشخاص المصابين بفرط جارات الدرقية الثانوي الذين يقومون بغسيل كلوي.

الفسفونات الثنائية: تمنع فقدان الكالسيوم من العظام، وقد تقلل من هشاشة العظام الناجمة عن فرط نشاط الدريقات، ولكن لا تعالج المشاكل الأساسية في الغدد جارات الدرق.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة