الأغنية الثورية في سوريا.. انفراط عقد السكوت عن الاستبداد

قاسم الجاموس، عبد الباسط الساروت، سميح شقير (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

عنب بلدي – حسام المحمود

حين كان الشعب السوري يتهادى أخبار ما يجري في محافظة درعا همسًا وسرًا وخلف أبواب مغلقة، مطلع الثورة السورية التي لبست ثوب الربيع العربي في آذار 2011، ظهرت أغنية “يا حيف” لتكون نشيد ثورة يشبه نشرة أخبار موسيقية مسجلة، جرى تهريبها وتناقلها بين الناس ليفهموا ما يجري في المحافظة التي تقع جنوب العاصمة.

هذه كانت فاتحة الأغاني الثورية السورية، وحملت طابعًا عميقًا بموسيقاها وإيقاعها المتأرجح على خيطي الأسى والرفض المشبع بالغضب.

إذا ظهرت أغنية “بيلا تشاو” في إيطاليا حين كانت الفاشية تحكم أوروبا، فبعد “يا حيف” انفرط عقد الصمت الذي خيّم طويلًا على المجتمع السوري محكومًا بعوامل نفسية واجتماعية فرضت نفسها بقسوة، مستعينة بسطوة الحاكم والغرس الثقافي الذي ضرب في شخصية المواطن ونزع منه حقه في الرفض أو الاعتراض.

وما إن بدأت المظاهرات في شوارع وميادين سوريا حتى وجدت ما يغذيها ويجمع حولها الناس، من هتافات عفوية اتخذت موسيقا الكلمة والحالة المشحونة وسيلة تصل من خلالها إلى مسامع المتظاهرين قبل أن تصل عبر مكبرات الصوت.

قاشوش في حماة وساروت في حمص

مع ظهور بعض الشخصيات التي اعتلت منابر المظاهرات مستفيدة من تماسك الشخصية وحدة الصوت، تحولت المظاهرات إلى طقس يومي وأسبوعي في المناطق الثائرة، ومن بين تلك الشخصيات، الاسم الذي عرف بإبراهيم القاشوش، الذي جمع تحت راية صوته مئات الآلاف من المتظاهرين في ساحة العاصي، بقلب مدينة حماة، التي استجمعت واسترجعت أحزانها القديمة إثر ما ارتكبه فيها نظام الأسد الأب من مجازر في ثمانينيات القرن الماضي.

وتتضارب الروايات حول مصير القاشوش، الذي غاب عن مشهد المظاهرات دون إنذار، إذ أُذيع في بداية الثورة نبأ مقتله، واقتلاع حنجرته على يد قوات الأمن التابعة للنظام السوري، في حين تحدثت روايات أخرى عن لجوئه إلى ألمانيا واستقراره فيها منذ عام 2016.

عبد الباسط الساروت استطاع بدوره، بعد انتقاله من حراسة نادي الكرامة، تكوين حالة خاصة في المظاهرات السورية، استقطبت شرائح مختلفة من الشعب السوري، وأكّدت أن تبني الخطاب وحمايته والدفاع عنه لا تتطلب مواصفات خاصة، إذ يمكن للمواطن بما عاشه من استبداد ممنهج أن يحطم بلحظة جدران الصمت.

وشكلت الأغنية الثورية في سوريا حالة فريدة وجديدة على مسامع الناس، وفي الوقت نفسه حالة مختلفة، فما سبقها من أغانٍ وطنية لا تحمل صبغة “البعث” ولا ترمز للنظام الحاكم تُعد على الأصابع، إذ غلبت الأغاني التي تمتدح، وغابت الأغاني التي تدعو للتغيير وقلب الطاولة على الظلم والاستبداد عن المشهد كُليًّا.

أبرز ما ميّز الأغنية الثورية في سوريا الحالة العفوية التي خرجت بها، إذ ظهرت لتلبي حاجة وتوصل رسالة واضحة وصريحة دون تنميق، وتتعامل مع مرحلة الكلمة فيها هي القول الفصل، ما ساعد في انتشار هتافات وأناشيد الثورة السورية حتى خارج سوريا، فجاءت أغنية “ثورة في كل البلدان” التي أطلقها اللبنانيون في ثورتهم مشبعة بلحن “يلا ارحل يا بشار” الذي صدح به القاشوش في ساحة العاصي منذ بداية الثورة.

ولأن هذه الرسائل ظلت مؤجلة 40 عامًا في من حكم حزب “البعث”، ولأن الكلمة ظلت عالقة في حلق المواطن، يدفعها الخوف إلى الداخل جراء ما يُروى من قصص الاستبداد، جاء الخطاب حاد اللهجة، ولا يمكن القول إنه جامع تمامًا، رغم شموليته المناطق الثائرة.

وفي تحليل لخطاب الأغنية الثورية السورية نشره مركز “حرمون للدراسات”، بدت الأغنية الثورية الأكثر تشتتًا في الخطاب الذي تبثه، رغم تماسكها في جوانب أخرى وتفوقها على أغاني السلطة.

ظروف الأغنية الثورية

الفنان السوري سميح شقير، الذي غنّى “يا حيف”، تحدّث إلى عنب بلدي عن المتغيرات التي شهدتها الأغنية الثورية السورية، وقال شقير، إنه مع بداية الثورة كان المتوقع أن يرفد المغنون الملتزمون الثورة السورية وسائر ثورات الربيع العربي، لكن ما جرى كان العكس، إذ انسحب معظمهم من ساحات الثورة إلى ميادين الصمت، فتابعت الأغنية الثورية طريقها بما تبقى من أسماء قديمة، بالإضافة إلى أسماء جديدة ظهرت في خضم الحالة الثورية تابعت إنتاج الأغنية الثورية، قبل ظهور الانخراط بالعمل المسلح ومحاولة أسلمة الثورة.

وتكمن أهمية الأغنية الثورية، برأي شقير، بكونها ثورة بحد ذاتها، ونتاج وعي بالظلم التاريخي والقمع والاستبداد، وهي خروج عن الوظيفة المنوطة بفنون زمن الانحطاط الذي رعاه النظام والسلطة المستبدة.

وأضاف، “ليس من الضروري أن تكون لكل ثورة أغنية، بمقدار ما تحتاج كل ثورة إلى حلم”، مشيرًا إلى أن من الجميل ولادة الأغنية حاملة للحلم، وأن تتردد على الشفاه الثائرة، فالأغنية تتحول إلى نشيد أو ما يشبه النشيد، حين تكون عميقة في تعبيرها عن حال الناس وآلامهم، بالإضافة إلى حظوتها بمساحة إبداع فني مطلوبة.

ويميز شقير بين الأغاني الوطنية الحقيقية، وما هو مزيف، فما تنتجه السلطة من هذه الأغاني سيغلب عليه بالضرورة تعظيم “القائد الرمز” بما يضاهي تعظيم البلاد نفسها، على خلاف الأغنية الثورية التي تُنتج رغم المخاطر تحت ظل أنظمة قمعية، وتستطيع إكمال طريقها إلى الناس رغم الرقيب، إما بالحبكة اللغوية التي تعتمد التورية، كوسيلة تهريب للمعنى، وإما بشكل سريّ أحيانًا.

ويشكل امتداد الأغنية عبر الزمن حالة تشبه المعجزة، فالأغنية شديدة الصلة باللحظة الثورية وتفاصيلها، التي تميّز حدثًا ما، فمن الطبيعي أن تخبو وتنطفئ خارج إطارها الزمني، لكن التدفق الجديد للأحداث سيؤمّن استمرارية الأغاني الثورية، وليس أغنية بعينها، برأي شقير.

وتحتاج الأغنية الثورية إلى وضوح في المشهد السياسي، فهي تتأثر بالتحولات الجدلية في الشارع الثوري، ما يجعل التقاط نبض محدد للروح الثورية أمرًا بالغ الصعوبة، بالإضافة إلى التأثير المتبادل بينها وبين المزاج العام، فحين يصاب هذا المزاج بالخيبة يصعب الوصول إلى مسامع الثائرين، بالإضافة إلى مصاعب الإنتاج في ظل غياب أي دعم، ما يجعل الإنتاج رهين إمكانات الفنانين الثوريين المحدودة.

الأغنية والشارع

الموسيقي السوري هيثم القطريب لا يرى وجود تقاطعات في أسلوب سميح شقير وأسلوب عبد الباسط الساروت الثوريين، ويقول، في حديث إلى عنب بلدي، إن ما أنتجته الثورة هو ملامح أغنية ثورية ينقصها البعد بالمشاعر، وجعلها حالة جامعة مع تغليفها بالفردانية والذاتية.

ويعلل القطريب تحول الساروت والقاشوش إلى رموز بنظر الشعب الثائر بحاجة الناس دومًا إلى رمز يمتلك “الكاريزما” والخطاب، لا سيما أن المجتمع جاهز ومحتقن في عهد الأسدين “الأب والابن”، فالمستبد برأي القطريب، يعتقد أن الناس سكتت وانشغلت عمّا بداخلها، بيد أن الحقيقة تكمن في تصيد الناس الوقت المناسب، وبذلك استطاع الساروت والقاشوش جمع حشود غفيرة وعفوية في الساحات والشوارع.

ومن أهم ميزات الثورة السورية برأي القطريب هي الكلمة، والكلمة فقط، فالساروت والقاشوش مثلًا اعتمدا الخطاب الواضح الحاد والمشحون، لكن سيطرة النظام على مساحات واسعة من الأرض، واحتلاله الميادين بالحواجز والمتاريس، نفى الشارع، وقلّص القدرة على التظاهر، ما انعكس سلبًا على إنتاج الأغنية الثائرة التي تحتاج إلى منبر واسع لها، كالميادين والساحات.

واكتسبت الأغنية الثورية قيمتها، برأي المنشد الثوري قاسم الجاموس، من الحالة التي جاءت لتلبيها، فيرى قاسم أن تلك الأغاني والهتافات والأناشيد خرجت تناجي المحافظات وأهلها فيما يشبه “الفزعة” أي إغاثة الملهوف، بالمفهوم العشائري.

وقال قاسم، في حديث إلى عنب بلدي، إن الهتافات والأناشيد التي قُدمت خلال الثورة استطاعت تخطي حاجز اللهجات، فالشعب متعطش للأهازيج والأناشيد التي تعكس واقع الوضع المعاش، ومن الضروري هنا الإشادة بالأيادي التي كتبت تلك القصائد بأمانة وصدق.

وقدّم قاسم عام 2019 أغنية “سلام الله على إدلب”، وكانت كما يصفها محاكاة للظروف والواقع المر الذي عاشته مناطق متفرقة من المحافظة، إثر استهدافها من قبل النظام بالطائرات، ما تسبب بموجات نزوح جماعية عن تلك المناطق.

وتنوعت موارد الأغنية الثورية على مستوى الكلمة واللحن في بداية الثورة التي استعانت بموسيقا التراث الشعبي، ثم اتجهت لإنتاجها الخاص المستمد من الكلمة البسيطة، غير المتصنعة، وغير المتكلفة.

وعزا قاسم انحسار الأغنية الثورية في السنوات الأخيرة إلى غياب الرسائل المهمة التي ينتظرها الشعب السوري، وغياب التطورات على الأرض، فالواقع اليوم يعيد نفسه، وهذا ما يدفع الراغب بسماع الأغاني الثورية للعودة إلى ما أُنتج في مطلع الثورة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة