ألمانيا الشرقية في “حياة الآخرين”.. عندما يصبح العدو حليفًا

مشهد من فيلم The lives of others

ع ع ع

ما بين الحرب العالمية الثانية وسقوط جدار برلين، تقع أحداث الفيلم الألماني “The lives of others” (حياة الآخرين) في ألمانيا الشرقية التي كانت تعرف بـ”جمهورية ألمانيا الديمقراطية” بين عامي 1949-1990 حيث كانت تتبع ألمانيا الشرقية للاتحاد السوفييتي، وتخضع لجهاز أمني واستخباراتي محكم وشامل يدعى “شتازي” (وكالة الأمن القومي).

في نوفمبر 1984، يُفتتح الفيلم باقتياد شرطي مواطنًا ألمانيًا إلى مركز الحجز المؤقت في وكالة الأمن القومي (شتازي)، ليحقق معه رجل الاستخبارات المخضرم ومُدرّس أساليب التجسس والاستخبارات الضابط “جيرد فيزلر”، حول قضية هروب أحد أصدقائه إلى ألمانيا الغربية.

بعد عدّة مشاهد، يحضر “فيزلر” مع رئيسه عرضًا مسرحيًا للكاتب “جورج دريمان” والممثلة المشهورة “كريستا ماريا سيلاند”، وتراود “فيزلر” شكوك أن “دريمان” لا يكنّ ولاء للحزب “الشيوعي”، ومن الممكن أن ينشر أفكارًا مناهضة للحزب بين الشريحة المثقفة من أصدقائه، ويُكلف وزير الثقافة الذي يدعى “برونو هيمف” “فيزلر” بالتجسس ومراقبة منزل الكاتب، عبر زرع أجهزة تنصت في كامل شقته.

إن ثقة رؤساء “فيزلر” بحدسه الصائب وولائه المطلق تجعله مؤهلًا لهذه المهمة، ويتمثل ذلك في نجاحه بالعديد من مهمات المراقبة والاستجواب، ويتجلى ذلك واضحًا عندما كان يعطي محاضرة لطلابه، قائلًا “الأشخاص الذين تستجوبونهم هم أعداء الاشتراكية”، وعندما اعترض أحد الطلاب على الطريقة غير الإنسانية في أسلوب التحقيق الذي يمارسه “فيزلر”، أدرج اسم الطالب في القائمة السوداء خاصته.

يبدأ “فيزلر” بمراقبة كل من “دريمان” وحبيبته “كريستا ماريا”، ويتغلغل يومًا بعد يوم في تفاصيل حياتهما الاجتماعية والثقافية والحميمية.

كما يتعاطف “فيزلر” مع “كريستا ماريا” التي يبتزها وزير الثقافة “هيمف” صاحب النفوذ الكبير، فهو يريد إبعاد حبيبها “دريمان” عن طريقه بأي وسيلة كانت، إذ يدّعي أنه سيضمن لـ”كريستا ماريا” مسيرة مهنية جيدة في مجال الفن، الذي كانت تسيطر عليه الدولة حينها، إضافة إلى تغطيته على إدمانها للحبوب المخدرة.

يصف الناقد السينمائي الإنجليزي بيتر برادشو، التحول والتطور الدرامي الذي تشهده شخصية “فيزلر” في الفيلم بـ“الذوبان”، إذ تذوب الشخصية المحترفة التي تتسم بالشر، وتتحول إلى شخصية “منخرطة في العاطفة والمعاناة والشبق في علاقة الحبيبين، كما يزداد وعي (فيزلر) بعدم وجود أي قيمة مهمة لحياته الشخصية”، برأي الناقد برادشو.

ففي أحد المشاهد التي تمثل نقطة التحول في شخصية “فيزلر”، يعلم “دريمان” بتورط حبيبته مع وزير الثقافة، وتبع ذلك خبر صادم حول انتحار صديقه المقرب والمخرج المسرحي “ألبيرت يرسكا”، الذي وضعته الحكومة على “اللائحة السوداء” ومنعته من ممارسة مهنته لسنوات بسبب آرائه المناهضة.

يتجه “دريمان” إلى البيانو ويبدأ بعزف مقطوعة موسيقية كان “يرسكا” أهداها له.

خلال استماع “فيزلر” للمقطوعة الموسيقية يتأثر ويبدأ بالبكاء، ثم يطرح “دريمان” تساؤلًا على “كريستا ماريا” أنه “هل يمكن لأي شخص سمع هذه الموسيقى، أعني سمعها حقًا، أن يكون شخصًا سيئًا؟”.

خضعت شخصية “فيزلر” للتحول من العدو إلى الحليف، تحت عدّة عوامل طرأت على شخصيته، منها الجانب الإنساني والعاطفي، وبعد هذا الانعطاف يبدأ “فيزلر” بحماية ضحاياه بتصديره تقارير كاذبة لرؤسائه حول ممارسات “دريمان” ضد الحكومة.

وحول هذا التحول الدرامي في شخصية “فيزلر”، ذكر مخرج وكاتب الفيلم فلوريان هينكل فون دونرسمارك، في مقابلة تحت عنوان “كيف صنعنا حياة الآخرين” كيف جاءته فكرة الفيلم.

وذكر في الحوار مع صحيفة “الجارديان” أنه “في شتاء 1997، خلال سنتي الأولى بمدرسة السينما في ميونيخ، كنت مستلقيًا على الأرض أستمع إلى الموسيقى، وبدأت أفكر في الطريقة التي أخبر بها (لينين) ذات مرة أفضل أصدقائه أنه لا يستطيع الاستماع إلى سوناتا البيانو المفضلة لديه بقدر ما يشاء، لأن سماعها يجعله رقيقًا وقد يمنعه من الرغبة في إيذاء الأشخاص الذين يحتاج إلى إيذائهم”.

وتابع، “فجأة خطر ببالي صورة رجل يرتدي سماعات رأس في عليّة قاتمة وكئيبة، يستمع سرًا إلى أعدائه، لكنه يسمع قسريًا نوع الموسيقى التي كان يتجنبها طوال حياته. فتحت جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي، وبدأت بالكتابة، وفي غضون ساعة تقريبًا كتبت الخطوط العريضة للفيلم”.

لعب دور “جيرد فيزلر” في فيلم “حياة الآخرين” الممثل الألماني أولريش موه، وأدى دور الكاتب المسرحي “جورج دريمان” الممثل الألماني سيباستيان كوخ، كما أدت شخصية الممثلة المسرحية “كريستا ماريا سيلاند” الممثلة الألمانية مارتينا غيدك.

صدر الفيلم عام 2006، وحصل على جائزة “الأوسكار” لأفضل فيلم بلغة أجنبية، كما رُشح لجائزة “الغولدن غلوب” لأفضل فيلم بلغة أجنبية، وحصل على العشرات من الجوائز العالمية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة