تعا تفرج

تلقيح الشعب السوري

ع ع ع

خطيب بدلة

فرحتُ، مثلما كان أطفال سوريا في السابق يفرحون بقدوم العيد، عندما علمتُ أن وزارة الصحة السورية فيها مديرية خاصة بـ”الجاهزية والطوارئ”، وأن لها مديرًا اسمه “توفيق حسابا”، وأن للرفيق “حسابا” صلاحيات، وبإمكانه أن يطلق تصريحات تتعلق بالتصدي للأوبئة، ومنها “كورونا”، ويفهم بالقوانين والأنظمة، ويحرص على احترامها، والتقيد بها.

قال “حسابا”، بحسب خبر نشرته “عنب بلدي”، إن شراء اللقاحات يتطلب تعديل التشريعات المتعلقة بهذا الموضوع، فالقانون السوري يقضي بعدم قبول لقاح لم يمضِ على استخدامه أقل من ثلاث سنوات، وأضاف: “يجري العمل الآن على تعديل هذا الشرط بشكل استثنائي ضمن مجلس الشعب”.

حتى الآن يمكننا أن نعتبر حسابات “حسابا” جيدة، ومعقولة، ولكن كلامه عن تعديل القانون في مجلس الشعب يوحي بأنه طَشَنة (مغفل)، فهو، ومع احترامنا لشخصه الكريم، لا يعرف شيئًا عن الآليات الصعبة والمعقدة التي تُناقش فيها الأمور ضمن مجلس الشعب، ولأنني، أنا كاتب هذه الأسطر، أكبر منه سنًا، والمثل يقول: أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة، أحب أن أعلمه أن حافظ الأسد نفسه، عندما كان على سروج خيله (أي: في أوج سلطته)، وعلى الرغم من صلفه وجبروته، إذا أراد أن يصدر قانونًا، أو مرسومًا، أو تعليمات، أو توجيهات حكيمة، يقول لمستشاريه: شوفوا لنا طريقة نصدر فيها هذا الأمر دون المرور بمجلس الشعب. وحافظ كان يقول هذا بعد تجربة مريرة، إذ كان يرسل إلى مجلس الشعب مشروع قانون، ومن لحظة إرساله يبدأ بالمعاناة، وينتابه قلق من أن يرفض المجلسُ المشروع جملة وتفصيلًا، فهو خير من يعرف أن معظم الأعضاء يمتازون بيباسة الرأس، والتناحة، ولذلك كان يُرى وهو يذرع باحة القصر الجمهوري جيئة وذهابًا، ويدعو ربه قائلًا: يا رب يوافقوا. وقد نمي عنه أن ضحكته وصلت إلى أذنيه حينما أتاه، ذات يوم، خبر تبني مجلس الشعب مشروع مرسوم جمهوري بنسبة 51% من إجمالي الأعضاء، وعلى الفور أصدر قرارًا يقضي بمنح مكتب إعداد القوانين والمراسيم في وزارة المالية مكافآت مجزية، تقديرًا لذكائهم الذي تجلى بصياغة مشروع المرسوم بطريقة جعلت أكثر من نصف أعضاء المجلس يقتنعون به، ويوافقون عليه، وقد ضحك حتى ظهرت لهاته، عندما كان يخطب في مجلس الشعب، وسمع حوارًا هامسًا بين اثنين من الأعضاء، وكان أحدهما يقول المرسوم الفلاني يجب أن نوافق عليه إكرامًا لرئيس الجمهورية، فرد عليه الثاني: وإذا كان رئيس وما رئيس؟ أنا عندي مصلحة الشعب اللي انتخبني فوق كل هالعلاك، وقال حافظ، يومئذ، مخاطبًا العضو: أكثر شيء أعجبني كلمة “علاك”، بالفعل يا رفاق، لما نحط مصلحة الشعب في الميزان، كل شيء يتعارض معها يظهر على أنه: علاك.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا يحشر الأستاذ “حسابا”، مدير الجاهزية والطوارئ في وزارة الصحة، نفسَه في هذه الخانة الضيقة؟ لك خيو كلها على بعضها ثلاث سنوات، وتشترون اللقاح، ومن يكون قد بقي على قيد الحياة من الشعب تلقحونه، ومن يموت يكون قد انتهى عمره، وفضت يا عرب!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة