دول ضمان “أستانة” و”سوتشي”.. ما الذي تضمنه في جنيف؟

ع ع ع

أسامة آغي

اجتماعات الدورة الخامسة للجنة الدستورية السورية، أثبتت من جديد وبصورة أكثر وضوحًا، أن النظام السوري ليس في وارده أي استعداد لحل سياسي، بموجب القرار الدولي “2254”، الذي تنعقد أعمال هذه اللجنة على أرضيته.

عدم استعداد النظام للحل السياسي، هو جزء من بنيته كنظام استبدادي مغلق على فكرة أنه ليس هناك معارضة، وأنه نظام شرعي أبدي.

ولهذا، لم تكن نتائج الدورة الخامسة مفاجئة للمراقبين، الذين يتابعون مجرياتها، فالنظام لا يزال يحيا انفصاله عن الواقع، متوهمًا أنه انتصر عسكريًا، فلماذا يقدّم التنازلات لقوى الثورة والمعارضة، التي لا تزال تخوض ضده معارك عسكرية وسياسية، من أجل الانتقال السياسي في البلاد، والانتهاء من حكمه الاستبدادي؟

وهم النظام، على علاقة وثقى بدور حليفيه الروسي والإيراني، وعلى علاقة غير مباشرة بالدور التركي، هذه العلاقات، تستند في أبعادها السياسية إلى طبيعة الصراع السوري، واتجاهاته، والمصالح الإقليمية والدولية التي تتصارع على التراب السوري.

الدور الروسي في فشل جلسات اللجنة الدستورية بجنيف واضح وضوح الشمس، رغم عدم التصريح الروسي بحقيقته، إذ إن الروس لا يمكن أن يدفعوا عربة التفاوض على تنفيذ القرار الدولي رقم “2254” مجانًا، رغم أنهم وقّعوا على هذا القرار، الذي نال الإجماع في التصويت عليه.

الروس لم يحصلوا من الغرب عمومًا، ومن الولايات المتحدة خصوصًا، على ضمان حقيقي، واعتراف ملموس بمصالحهم في سوريا، وهذا ما يجعلهم لا يمارسون الضغط على النظام، من أجل تقديمه تنازلات جوهرية، تتعلق بتنفيذ القرار الدولي المذكور، إضافة إلى أنهم في حالة انتظار ملامح واتجاهات السياسة الأمريكية الجديدة، التي سينتهجها جو بايدن حيال الملف السوري.

الموقف الإيراني من دعم النظام السوري، وازدواجية خطابه السياسي، الذي يُعلن من جهة تأييده للجهد الدولي لحل الصراع السوري، في حين يفعل كل ما من شأنه تعطيل هذا الحل، عبر الأذرع الداخلية للنظام السوري، الحليفة له.

فالإيرانيون لم يستثمروا في الصراع السوري ضد الثورة محبة بنظام بشار الأسد، بل إيمانًا منهم بأن هذا النظام، وفق هذه البنية والتركيبة الفاسدة، خيرُ من يقدّم لهم الخدمات الجليلة، التي تخصّ مشروعهم الإمبراطوري المتوهم، من خلال الهيمنة على جوارهم العربي في الشرق الأوسط، بالاعتماد على أسلحة المال السياسي، والأيديولوجيا الطائفية الشيعية، والقوة العسكرية.

لهذا، لا يمكن للإيرانيين القبول بتنفيذ حل سياسي بموجب القرارات الدولية، لأن حلًا كهذا سيجعل استثماراتهم في الصراع السوري في مهب الريح. وعليه، فهم يعملون من أجل ضمان هذه الاستثمارات أو على الأقل ضمان جزء منها، وهم في ذلك لا يزالون مستعدين لضربات وخسائر عسكرية تُحدثها غارات إسرائيل على مواقعهم بانتظار تفاوض دولي يضمن لهم أمرين، الأول يتعلق باستثمارهم السوري، والثاني يتعلق ببرنامجهم النووي والباليستي.

الموقف التركي موقف في حالة إشكال سياسي مع النظام السوري، وهذا الإشكال، بعد تفجّر الثورة السورية، أخذ شكل تناقض سياسي عميق، ووجود الأتراك في مسار “أستانة”، لعب دور ضامنٍ لقوى وفصائل الثورة المعارضة المسلحة، تمهيدًا لحل سياسي بموجب القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع السوري.

الأتراك، الذين انخرطوا بمسار “أستانة”، يعلمون حقّ العلم، أن هذا المسار الذي اختطه الروس، هو مسار تهدئة للعمليات العسكرية، والتقليل من حجم الخسائر بين المدنيين، لكنهم يدركون أيضًا، أن مسار “أستانة” لا يمكنه المضي قدمًا، وكأنه بديل سياسي عن مسار القرار “2254”.

الموقف التركي المحكوم بوجود قوى إقليمية ودولية عديدة في الصراع السوري، لا يمكنه التغاضي عن أثر هذا الصراع على أمنه القومي، وعلى مجاله الحيوي، في المنطقة العربية عمومًا، ومنطقة الشرق الأوسط خصوصًا، ولهذا، فحركية الموقف التركي من القضية السورية، لا يمكنها إلا إيجاد التوازن بين العناصر الفاعلة فيها، من أجل ضمان مصالح الدولة التركية من جهة، ومساعدة السوريين، الذين يقيم قرابة أربعة ملايين منهم على أرضها بصفة لاجئين.

الموقف التركي المعلَن هو مع تنفيذ القرارات الدولية وتحديدًا القرار”2254″، وبالتالي فليس من مصلحة الأتراك منح قوى دولية أو إقليمية دورًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا على حساب الدولة التركية ومصالحها الاستراتيجية الحيوية.

وفق هذه الرؤى، وفي غياب دور واضح ستنتهجه إدارة بايدن، لن يكون بوسع دول ضمان “أستانة” سوى اللقاء في “سوتشي”، كما أعلنوا في بيانهم، عشية فشل الجولة الخامسة من أعمال اللجنة الدستورية السورية، التي قام النظام السوري بإفشالها.

دول “أستانة” أعلنت في بيانها “استعدادها لدعم عمل اللجنة الدستورية من خلال مشاركتها المستمرة مع الوفود والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، كميسّر من أجل تحقيق ضمان الأداء الفعّال والمستدام للجنة”. هي تفعل ذلك من أجل عدم انفراط عقد التفاوض، واستمراره، وإن كان بصورة غير منتجة، بانتظار تبلور السياسة الأمريكية الجديدة، وليس هناك ما تضمنه سياسيًا غير هذا.

فلا يجب أن تتوهم قوى الثورة والمعارضة، وتراهن على دور فعّال بصورة حقيقية لمجموعة “أستانة”، لتحقيق اختراق جدي في مسار التفاوض، وتحديدًا ما يتعلّق بعملية إنتاج دستور جديد، يُدرك النظام السوري أنه لن يمشي في طريقه، على حساب وجوده، وبنيته، وتركيبته الفاسدة.

هذه الرؤية قد تساعد في رسم ملامح جديدة لعمل قوى الثورة والمعارضة، وبالتالي، تجبرها على شقّ طريق جديد، يغيّر من توازنات الفعل السياسي للصراع السوري، فهذا الصراع، رغم كل التدخلات الأجنبية فيه، يبقى صراعًا سوريًا– سوريًا، بين نظام قهري استبدادي دمّر البلاد وقتل وهجّر العباد، وبين ثورة وطنية تريد الحصول على كرامتها وحريتها لشعب مقهور.

فهل سيدرك الروس أن عامل الوقت في معادلة الصراع السوري لا يعمل لمصلحة استثمارهم في هذا الصراع؟ فالخسائر الروسية ستتضخم، وهذا التضخم متزامن مع الغرق البطيء لهم في الوحول السورية، الذي ترسمه وتعمل عليه المجموعة الغربية بقيادة الولايات المتحدة.

إذًا، لا مفاوضات دستورية وغير دستورية دون تغيير أنساق الصراع الحالي، وهذا يتوقف على دور وموقف الأمريكيين الجديد، وكذلك يتوقف على تغيير أدوات الصراع وأساليبه من قبل قوى الثورة والمعارضة، هذا التغيير يحتاج إلى وقت طويل، وقد آن الأوان لفهم حقيقة الصراع السوري وآفاقه.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة