التجنيد الإجباري في صفوف “قسد” يقلق أبناء الرقة

مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية على أطراف مدينة الحسكة - 2017 (رويترز)

ع ع ع

الرقة – حسام العمر

لم يستطع الشاب جابر، العامل في إصلاح إطارات السيارات، مغادرة مدينة الرقة منذ سنتين، خشية من حواجز التجنيد التي تنتشر على أطرافها.

جابر محمد (28 عامًا)، من سكان حي الدرعية في أطراف مدينة الرقة الغربية، يعول عائلة تتكون من خمسة أفراد، وصف، في حديثه إلى عنب بلدي، مسألة التجنيد الإجباري في صفوف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بـ”الكابوس الذي يهدد حياته”، ويتجدد مع كل حملة تجنيد جديدة تطلق في الرقة.

أحدث كوابيس جابر كان في 26 من كانون الثاني الماضي، حين أصدر “مكتب الدفاع”، التابع لـ”الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا”، تعميمًا يدعو فيه جميع المطلوبين إلى ما أسماه “واجب الدفاع الذاتي” لـ”تسوية أوضاعهم وقطع دفاتر الخدمة”.

وأعطى التعميم، الذي نُشر عبر المعرفات الرسمية لـ”الإدارة الذاتية”، مهلة للمكلفين أقصاها 30 يومًا للقاطنين داخل مناطق سيطرة “الإدارة”، و90 يومًا للموجودين خارجها.

جابر أكد أنه لن يسلّم نفسه حتى آخر لحظة يستطيع فيها تجنب المرور على الحواجز، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من أصدقائه وأقربائه هجروا الرقة باتجاه تركيا، ليس فقط للعمل، وإنما هربًا من التجنيد الإجباري الذي تفرضه “قسد”.

دفاع برواتب زهيدة

هرب باسل الجاسم، البالغ من العمر 25 عامًا، من معسكر التدريب في “الفرقة 17″، الخاص بالمجندين إجباريًا شمال الرقة، لأن مسؤولية العائلة “لا تسمح له بالخدمة العسكرية لدى أي طرف كان”، حسبما قال لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن الراتب المقدم للمجندين هو 35 ألف ليرة سورية (11 دولارًا)، لا يقدم لهم أو لعائلاتهم شيئًا يُذكر، حسب تعبيره.

رغم تشديد الحواجز والدعوة المستمرة للمجندين إلى الالتحاق بصفوف “الدفاع الذاتي”، لا يخشى باسل تبعات هروبه من التجنيد الإجباري، حسب قوله، مشيرًا إلى أنه في أسوأ الأحوال سيتم القبض عليه وإعادته لاستكمال الخدمة المفروضة، التي تكون في أغلبيتها إما في معسكرات للتدريب أو لحراسة منشآت تتبع لـ”قسد”.

بينما اضطر خالد الحسين (27 عامًا) لترك عمله كمدرّس للمرحلة الابتدائية، في مدارس قرية طاوي رمان بريف الرقة الشرقي، بعد أن فرضت “لجنة التربية والتعليم” في “مجلس الرقة المدني” على العاملين فيها الالتزام بتأدية خدمة “الدفاع الذاتي”.

خالد يعمل الآن في حقول قريته الزراعية، ويتجنب كذلك الخروج من القرية إلا في الحالات الاضطرارية خشية أن يتم تجنيده في صفوف “قسد”، وهو يرى أنه لم يعد هناك سبب لفرض هذا التجنيد، خصوصًا أن “الإدارة” صارت تسيطر على جغرافيا واسعة من سوريا، وتضم آلاف المقاتلين المتطوعين في صفوفها.

وطُبّق التجنيد الإجباري من قبل “وحدات حماية الشعب” (الكردية) لأول مرة عقب”اتفاق “دهوك” الذي وقّعت عليه “حركة المجتمع الديمقراطي” و”المجلس الوطني الكردي” في عام 2014.

وصدّقت “الإدارة الذاتية”، في حزيران من عام 2019، على قانون التجنيد الإجباري في المناطق التي تسيطر عليها، ويتضمن قانون “الدفاع الذاتي” 35 مادة، حُددت فيها شروط الخدمة والإعفاء والتأجيل وجميع القوانين الخاصة بالمكلفين والمشمولين بالتجنيد.

واعتُبر إلغاء التجنيد الإجباري المفروض من قبل “قسد” من أبرز الشروط التي وضعها “المجلس الوطني الكردي”، في جولات المفاوضات بين الأحزاب الكردية التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 2020.

وتواجه “قسد” حتى الآن خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” بمساعدة “التحالف الدولي”، في معارك كر وفر شبيهة بحرب العصابات، إضافة إلى مناوشاتها المتفرقة مع فصائل “الجيش الوطني” على حدود المناطق التي تقدمت إليها تركيا خلال عام 2019، عند الحدود السورية- التركية، بينما تبقي على علاقات نفعية متوترة أحيانًا مع قوات النظام السوري.

تجنيد للقتال أم للطاعة؟

يرى علي الصالح (40 عامًا)، وهو مدرّس لغة عربية من ريف دير الزور الشرقي، أن التجنيد في صفوف “قسد” لا يتناسب أبدًا مع أهالي منطقته، لا سيما أن القوات ذات القيادة الكردية لا تملك موقفًا واضحًا من الوجود الإيراني “الذي أنهك سوريا”، إلى جانب موقفها “الغامض” من النظام السوري.

وقال علي لعنب بلدي، إن “قسد” لا تهدف من خلال التجنيد إلى زيادة عدد مقاتليها، وإنما الهدف الأساسي لها هو انخراط جميع شرائح المجتمع في صفوفها إن كانوا مدنيين أو عسكريين، لتبيّن للعالم أنها تحمل مشروعًا ذا طابع سوري وليس دخيلًا، كما يتهمها البعض، على حد قوله.

وخرجت قرى ومدن دير الزور الخاضعة لسيطرة “قسد”، نهاية عام 2020، في مظاهرات رفض فيها الأهالي التجنيد الإجباري.

ووفقًا لقانون “الدفاع الذاتي”، تُفرض الخدمة العسكرية الإجبارية على من أتم 18 عامًا، من سكان المنطقة والمقيمين فيها لأكثر من خمس سنوات من خارج مناطق شمالي وشرقي سوريا من حاملي الجنسية السورية، ومن في حكمهم من الأجانب ومكتومي القيد.

ويعفى من التجنيد الإجباري سكان مدينة رأس العين، في ريف الحسكة الشمالي الغربي، ومدينة تل أبيض، في ريف الرقة الشمالي، الذين نزحوا إلى المناطق التي تحكمها “الإدارة الذاتية”، بعد سيطرة “الجيش الوطني”، المدعوم تركيًا، على تلك المناطق، في تشرين الأول من عام 2019.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة