بعد عشر سنوات من الحرب.. الزواج في سوريا يعوقه الغلاء والتقاليد

لوحة للفنان السوري وسام الجزائري بعنوان "الحب في مدينة الحرب" (صفحة الجزائري في فيس بوك)

ع ع ع

عنب بلدي – خاص

عند عودة محمد من الخدمة العسكرية إلى مسرابا، بداية عام 2012، لم يتزوج على عادة أهل بلدته في ريف دمشق، فعلى الرغم من أن سنوات عمره الـ23 تؤهله ليكون عريسًا حسب الأعراف، وقفت الثورة والقصف والحصار وواقع الانشقاق عن الجيش حائلًا دون تأسيسه الأسرة التي يريدها، وبعد التهجير عادت لصده المهور ونظرات الاستنكار للشاب الذي فقد يده اليسرى نتيجة الحرب.

حين منع الإمبراطور كلوديوس الثاني زواج الجنود في روما القديمة، في القرن الثالث الميلادي، بحجة أن العزّاب أفضل في الحرب والقتال ممن يفكرون في عائلاتهم ويمتنعون عن الإقدام في أرض المعركة، تحدى الشباب أمر المنع بالزواج سرًا على يد القديس فالانتاين، الذي أُعدم جزاءً لمخالفته الأوامر، وأصبحت تضحيته وكفاحه لجمع المحبين رمزًا لـ”عيد الحب”، الذي يوافق 14 من شباط كل عام.

في سوريا التي مرت عليها عشر سنوات من الحرب، لم يكن منع الزواج بقرار من إمبراطور أو مستبد، فالموت والتهجير والاعتقال ليس المسبب الوحيد في تفريق المحبين ومنع زواج الشبان والشابات، إنما بقيت العادات والتقاليد والتكاليف التي يطلبها الأهل للزواج هي العائق الأبرز، الذي إما أن ينجو منه المرء حين يجد الاستثناء، وإما أن يقع نتيجته ضحية لليأس والعزوبة المستمرة.

من يزوّج المهجّر؟

استقبل أهل الشمال المهجرين “أحسن استقبال”، على حد وصف محمد الخولي، إلا أنه عانى من نظرة العائلات التي تقدم للخطبة منها، “كان الناس ينكمشون من الأمر، يقولون هذا مصاب، فقد طرف يده، وكلام الناس كثير”، كما قال لعنب بلدي.

حين هُجّر محمد مع إخوته شمالًا، في آذار من عام 2018، كان عدد ذوي الإعاقة بسبب إصابات الحرب 1.5 مليون شخص، بينهم 86 ألفًا فقدوا أطرافهم، حسب تقديرات وكالة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، ولم يتوقع أن تكون تلك الإصابة عائقًا أمامه كما كانت.

“صدمت” طلبات سكان الشمال محمد، الذي قال إن أهالي منطقته كانوا معتادين على “تيسير أمور الزواج”، إلا أن العادات والتقاليد كانت مختلفة لدى أهالي إدلب، إذ تراوحت المهور بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار، مع طلب 150 إلى 200 غرام من الذهب من الخاطب، “لا أحد من مهجري الغوطة بإمكانه دفع تلك المهور. هنا بدأتُ أشعر باليأس”.

بعد “بحث طويل”، التقى محمد بأسرة من مهجري مسرابا في إدلب، وتقدم لخطبة ابنتهم سارة، التي تفاهم معها واتفقا على الزواج، مقدمًا لها مهرًا بقيمة تراوحت ما بين 600 و700 دولار، حسبما قال، وتزوجا بعد سبعة أشهر من الخطوبة.

بيرق العبد الله لم يكن محظوظًا بقدر محمد، فبعد أن نزح من مدينة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، في شباط من عام 2019، تقدم لخطبة زميلته التي أحبها خلال دراسة الطب في جامعة “إدلب”، لكنه صُدم بما طلبته عائلتها من مهر يتمثل بمئة غرام من الذهب (بقيمة خمسة آلاف دولار)، عجز عن تأمينها رغم محاولاته المستمرة، “وصلتُ إلى مرحلة من العجز، كنتُ على بعد خطوة واحدة من الزواج بالفتاة التي تفاهمت معها، لكن المهر أنهى كل شيء”، كما قال لعنب بلدي.

اعتاد أهل كفرنبل على دفع مهر “رمزي” عند الزواج، كما قال الشاب البالغ من العمر 26 عامًا، لا يتعدى 20 دولارًا، “حين أخبرتُ أهلي بما طلب أهل العروس استنكروا، لأن هذا زواج وليس بيعًا، ورغم ذلك حاولنا كثيرًا وبشتى الوسائل، لكننا فشلنا لضخامة المبلغ”.

عزوبة بالإجبار لا بالاختيار

“كلما مررتُ بجانب موبيليا غرفة النوم الموجودة في المستودع خلف المنزل، أشعر بضيق، لقد اشتريتها منذ عام ولم أتمكن بعد من النوم عليها”، قال الشاب حسين المحمود، شارحًا مشكلته لعنب بلدي.

ارتفعت تكاليف الزواج في ريف حمص الشمالي، بعد تداخل العادات والتقاليد بين أهل المدن والريف، نتيجة النزوح الذي كان قبل عام 2014 عند انتشار المعارك في المنطقة.

لم يعتد أهل الريف على طلب بيت مستقل كشرط لزواج العروسين، إلا أن ذاك الشرط كان من أبرز العادات الجديدة في المنطقة، وفي حين لا يقل إيجار أي منزل عن 20 ألف ليرة سورية (6.5 دولار)، ويحتاج فرشه إلى مئات الآلاف وحتى ملايين الليرات، وقفت تلك العادات حائلًا دون زواج الكثيرين.

لم يتمكن حسين، المهندس المدني، البالغ من العمر 30 عامًا، براتبه البالغ 56 ألف ليرة سورية (نحو 20 دولارًا) من تأمين ما يلزم للزواج، الذي لا تقل تكاليفه عن أربعة ملايين (1300 دولار)، حسب تقديره، لذا يستمر بعزوبيته مجبرًا.

“أبو منير”، من الشيوخ المعتمَدين لعقد القران في مدينة الرستن، قال لعنب بلدي، إن أعداد المقبلين على الزواج “في تناقص مستمر”، بسبب تغير العادات في المنطقة، فبعد أن كان متوسط عدد الأعراس ستة في الشهر تناقص إلى ثلاثة.

وأضاف “أبو منير”، أنه لا وجود لمهر ثابت في المنطقة بشكل عام، ويكون بتراضٍ ما بين العريس وأهل العروس، لكن في المتوسط تتراوح المهور ما بين مليون وعشرة ملايين للمقدم، وثلاثة ملايين و50 مليونًا للمؤجل، ويشذ عن المتوسط من يكتب المهور بغرامات الذهب والعقارات.

في مدينة حلب، واجه رائد الإبراهيم مشاكل مشابهة، واصفًا طلبات أهل العروس بـ”التعجيزية”، في حديثه إلى عنب بلدي.

قابل رائد الفتاة التي أحبها في السوق، وما إن علم مكان سكنها أرسل والدته لخطبتها، ومع الزيارة الثانية، حددت عائلتها شروط الزواج بمليونين ونصف المليون للمقدم ومثلها للمؤخر، مع ذهب بقيمة مليوني ليرة سورية، (تكلفة تعادل 2700 دولار وفق أسعار الصرف حينها).

بررت والدة الفتاة تلك الطلبات بأنها تريد ضمان مستقبل ابنتها، خاصة أن بعض الشبان الذين يتزوجون لا يعملون، ولا يستطيعون تأمين مستلزمات منازلهم بعد الزواج، وقال رائد إنه تمكن بمعونة عائلته وأصدقائه من تأمين المبلغ، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا للزواج.

فبعد الاتفاق على موعد “كتب الكتاب” والعرس، طلبت والدة الفتاة أن يكون العرس ضمن صالة “البحر” للرجال وصالة للنساء، “وطبعًا هذه طلبات تعجيزية ومصاريف ليست بالحسبان، مع أن والدتي أكدت أن العرس سيكون تقليديًا ضمن منزل كبير لأحد أقربائنا، ولكن والدة الفتاة رفضت ذلك وطلبت فسخ الخطوبة”، كما قال رائد.

حلول بديلة في زمن الغلاء و”كورونا”

قرر محمد وفريال، العروسان اللذان يعملان في تدريس المرحلة الابتدائية بمدينة الرقة، الاستغناء عن الذهب الأصلي، الذي تجاوز سعر غرامه 150 ألف ليرة سورية، بالذهب “البرازيلي” الذي يعد رخيص الثمن، ويباع بنحو خمسة آلاف ليرة للقطعة، ليستكملا مراسم الزواج ويبدآ حياتهما معًا.

محمد، البالغ من العمر 30 عامًا، قال لعنب بلدي، إن ارتفاع تكاليف الزواج هو سبب تهرب الكثير من الشباب من الزواج، لكنه وخطيبته فريال قررا الاستغناء عن كل ما هو غير ضروري لتحقيق زواجهما.

حاول أهل العروس الإكثار من الطلبات، كما قال محمد، مثل طلب مهر بقيمة مليوني ليرة سورية، إضافة إلى الذهب، ولكن فريال “أنقذت الموقف” عندما شرحت لأهلها وضعه، وأوضحت محبتها له وأنها لا تريد أن تكون النقود عائقًا أمام الزواج.

اقتصر المهر الذي تعاقد عليه العروسان على 800 ألف ليرة، مع تجهيز غرفة الزفاف، التي قاربت تكلفتها 700 ألف ليرة سورية، وهما الآن يستعدان لحفل الزفاف الذي سيعقد خلال الأيام القليلة المقبلة.

في السويداء، لم يكن التوفير دافع باسل وهديل لإلغاء حفل الزفاف، بل كانت الصحة، فبعد أن انتشرت جائحة “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) في سوريا، منذ آذار من عام 2020، وبلغ عدد المصابين نحو 14.5 ألف، تبرع الشابان بتكاليف عرسهما للجمعيات الخيرية، وللصيدليات لتوزع كمامات مجانية على السكان، بهدف “الإسهام بنشر الوعي والسلامة بما يخص الفيروس”، حسبما قال باسل أبو عاصي، خريج إدارة الأعمال، لعنب بلدي.

حرص الشاب، البالغ من العمر 28 عامًا، مع خطيبته، البالغة من العمر 27 عامًا، على صحة أهلهما وأصدقائهما، كان سبب تجنبهم إقامة الحفل والدعوة إلى الاختلاط في مكان ضيّق يسهل فيه انتقال العدوى.

وكان قرار إلغاء الحفل بالتشاور مع العائلتين وبموافقتهما، وقدّر باسل أن تصل تكاليف الزفاف إلى ثمانية ملايين ليرة سورية، وتبرع بقيمة خمسة ملايين ليرة، عقب استئجاره منزلًا مفروشًا للسكن مع عروسه، بعد 11 شهرًا من الخطوبة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة