أين القضاء ودور المجتمع المدني؟

سيدات تعرضن للتعنيف ولا يجدن من ينصفهن في الشمال السوري

ع ع ع

عنب بلدي – سكينة المهدي

“كان زوجي يعذب طفلتنا ويؤذيها ليزعجني، فأخذتُها هاربة إلى بيت أهلي، وطلبتُ الطلاق منه، لكن أهلي رفضوا استقبال ابنتي، وبرروا ذلك بكوني صغيرة وصالحة للزواج مرة أخرى، وأخذوها إلى والدها، ولم أرَ ابنتي منذ ذلك اليوم”، بهذه الكلمات وصفت ديمة (اسم مستعار لأسباب اجتماعية)، من جبل الزاوية شمالي إدلب، تعنيف زوجها الذي كانت تسكن معه في بلدة زيزون بمحافظة حماة.

كانت ديمة (30 عامًا) تسكن مع أهلها قبل زواجها من زوجها الذي كان يضربها ويحرمها من الطعام، وفي حديثها إلى عنب بلدي، قالت إن زوجها “كان في بداية الثورة (آذار 2011) شبيحًا للنظام، وكان يدخل العساكر من الجيش إلى البيت، ويجبرها على الطبخ لهم، وبسبب خلفيتها وخلفية أهلها الثورية من جبل الزاوية، كانت ترفض الطبخ للعساكر والترحيب بهم”.

والعنف هو الاستعمال المتعمد للقوة البدنية أو القدرة، سواء بالتهديد أو الاستعمال الفعلي لها من قبل الشخص ضد شخص آخر، أو مجموعة من الأشخاص أو مجتمع، أو حتى ضد الشخص نفسه، إذ يؤدي أي منها إلى حدوث أو احتمال حدوث إصابة أو موت أو أذى نفسي أو سوء نمو أو حرمان، بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية.

عندما تجتمع أشكال التعنيف في قصة واحدة

عندما ولدت ديمة ابنتها، بدأ زوجها بتعنيف ابنتها لتستجيب لمطالبه، إلا أنها تواصلت مع أهلها في جبل الزاوية، وخططت للهروب، لأنها لم تعد تحتمل كلام محيطها عن العساكر الذين يدخلون البيت، بحسب ما قالته لعنب بلدي، فاستقبلها أهلها ورفضوا ابنتها لأنها تضعف فرصها بالزواج، ثم طلبت الطلاق من زوجها وحصل ذلك، وأخذ الطفلة إلى حماة.

تابعت ديمة حياتها على مدى خمس سنوات، وعملت على إكمال دراستها، وتخرجت في قسم الرياضيات بمعهد “إعداد المدرّسين” في قرية البارة، التابع لجامعة “إدلب”، وحصلت على وظيفة في إحدى المدارس.

وقابلت، في أثناء عملها بالتدريس، شخصًا أُعجب بها وقرر التقدم للزواج منها على الرغم من رفضها له، لأنه متزوج من امرأتين وستكون هي الثالثة، لكن أهلها ضغطوا عليها، كما تدخّل أعمامها وأجبروها على الزواج من ذلك الشخص.

“استسلمتُ لقرار المجتمع وتزوجتُ من هذا الرجل، واعتقدتُ أن هذه الخطوة ستخلصني من ضغط والدي علي، فلم يكن يسمح لي بتدريس الذكور إلا في المرحلة الابتدائية، كما كان يدقق على موعد خروجي من المنزل”، وحملت ديمة من زوجها بثلاثة توائم.

وقالت إن زوجها بعد حملها، حاول الحصول على المهر الذي أعطاها إياه قبل الزواج، المكوّن من ذهب وقطعة أرض، فبدأ بالضغط عليها وضربها وهي في الأشهر الأخيرة من الحمل عندما رفضت التنازل عنه.

“لجأتُ إلى أهلي عندما ارتفعت وتيرة الضرب، إلا أنهم لم يكترثوا، بل ضربني والدي وأعمامي بشكل هستيري، حتى ازرقّ وجهي وجسدي من الكدمات، ولم أعد أقوى على الحركة”، قالت ديمة، موضحة أن ضعفها الجسدي والنفسي مع الحمل أجبرها على العودة إلى زوجها مرغمة.

وبحسب ما قالته لعنب بلدي، عاد زوجها لضربها وهذه المرة على بطنها حتى حصلت ولادة مبكرة، وعلى إثر العنف توفي اثنان من الأطفال، وبقيت طفلة واحدة استطاعت النجاة بعد ولادتها، لكن وبينما هي في المستشفى بعد الولادة، أخذ الأب الطفلة ولم يسمح لها برؤيتها.

مراحل العنف الأسري

تمر معظم حالات العنف الأسري بثلاث مراحل، بحسب مقال كتبه الدكتور كريم مأمون في جريدة عنب بلدي، وأول مرحلة هي بناء التوتر، وهي المرحلة التي تتميز بسوء التواصل والخوف من انفجار العلاقة بين الطرفين، لذلك تحاول الضحية تجنب إثارة المعتدي، وقد تصل مدتها إلى عدة أشهر.

والمرحلة الثانية هي مرحلة العنف، التي يعتدي فيها طرف على شريكه، وتمر خلالها مجموعة من الحوادث العنيفة والمسيئة، أو الاعتداء الجسدي أو النفسي أو الجنسي أو الحرمان.

وآخر مرحلة يشعر المعتدي بمشاعر ساحقة من الندم، وقد يبدأ بالاعتذار والتودد للضحية، لكن هذا لا ينطبق على كل حالات العنف.

وتبيّن دراسة أجرتها منظمة الأمم المتحدة على مستوى العالم، أن مصدر العنف الأسري يكون رجلًا بنسبة 99%، وتشير التقديرات إلى أن 35% من النساء في جميع أنحاء العالم تعرضن لأحد أشكال العنف الأسري في مرحلة ما من حياتهن.

ويعتبر العنف الأسري من أكثر الجرائم التي لا يتم التبليغ عنها من قبل النساء أو الرجال، على مستوى العالم، لاعتقاد كثير من الناس أن العنف الأسري مقبول به ومبرر، ويندرج تحت مفهوم “المشكلات الأسرية”، بحسب مقال الدكتور كريم مأمون.

مَن يُنصف ضحايا التعنيف؟

حاولت ديمة اللجوء إلى الجهات المعنية في منطقة جبل الزاوية الخاضعة لنفوذ حكومة “الإنقاذ”، وشرحت لعنب بلدي ما حصل معها، “تقدمتُ بشكوى للمحكمة، لكن عندما حانت جلسة المحاكمة، أسكتني القاضي ولم يسألني شيئًا ولم يسمح لي بالكلام، بحجة أنني خارجة عن طاعة زوجي، وحوّل محاكمتي إلى كفرنبل التي كانت منطقة نزاع ومحكمتها متوقفة، ووكلتُ محاميًا لكنه لم يستطع فعل شيء”.

رئيس “تجمع محامي سراقب”، محمود الفاضل، قال إن رفع دعوى من قبل المتضرر من التعنيف لا خلاف عليه لدى محاكم السلطات النافذة في الشمال السوري، سواء “الإنقاذ” أو “المؤقتة”، فجميعها تعتمد على رفع دعوى من المتضرر من الجرم للنيابة العامة التي يفترض أن تجري تحقيقًا بالموضوع، ثم تحال القضية إلى المحكمة المختصة.

بينما قال رئيس فرع حلب لـ”نقابة المحامين الأحرار”، حسن الموسى، لعنب بلدي، إن المتضرر من أي فعل بمختلف مناطق السيطرة في الشمال السوري، يستطيع مراجعة المحاكم المنتشرة في منطقته، بغض النظر عن القوانين التي تطبقها تلك المحاكم، وقد يضطر المتضرر من فعل جرمي لمراجعة أكثر من محكمة في حال تنقل الفاعل في أكثر من منطقة، لعدم التنسيق بين تلك المحاكم.

إلا أن القانون في مناطق نفوذ “الحكومة السورية المؤقتة” يختلف عن نظيره في مناطق سيطرة “الإنقاذ”، ويعتبر التعنيف من الأفعال التي تندرج تحت جرائم الإيذاء لدى محاكم “المؤقتة”، ويأخذ شكل الإيذاء الجسدي أو النفسي أو الجنسي، وبجميع الأحوال يُعاقب القانون السوري على هذه الأفعال تحت بند الإيذاء والاعتداء ضمن العقوبات التي تُفرض على الجرائم الواقعة على الأشخاص، بحسب الموسى.

ويجب أن يلجأ المتضرر إلى أقرب قسم للشرطة إذا لم تمضِ 24 ساعة على الأذى، أو إلى النيابة العامة من خلال تقديم ادعاء سواء بنفسه أو عبر وكيله القانوني (المحامي).

دور للمنظمات.. لكنه ليس كافيًا

نادين عبيدين، ناشطة في المجتمع المدني وقضايا تمكين المرأة في إدلب شمالي سوريا، أوضحت أن هناك منظمات تعنى بتوعية المرأة وتعريفها بحقها لتقديم شكوى إلى الجهات المختصة في حال تعرضها للعنف الجسدي أو الجنسي، من خلال تدريبات.

لكن نادين قالت لعنب بلدي، إن هذه التدريبات لا تكفي، لأن المنطقة تفتقر إلى وجود مراكز للسكن لتلجأ المرأة إليها عند تعرضها للعنف من أحد أفراد أسرتها.

لن تتقدم المرأة التي تتعرض للتعنيف ضمن أسرتها بشكوى، إلا إذا علمت بوجود مكان للسكن سيؤمَّن لها في حال لم يستقبلها أحد من أسرتها بعد التقدم بالشكوى، بحسب نادين، فالمراكز التي تقدم الدعم النفسي، والتي من الممكن أن تلجأ المرأة إليها، محدودة وليست خدماتها بالجودة المرجوة.

كما تخاف المرأة من رد الفعل من قبل أسرتها في حال تقدمت بشكوى ضد أحد أفرادها، ما يجعلها تحاول الحفاظ على سرية الحادثة وتخاف من انتشارها أو الإفصاح عنها.

بالإضافة إلى أن النزوح من مناطق إلى أخرى في الشمال، يزيد خوف المعنَّفة من اللجوء إلى أي جهة مختصة، إما لتقديم الدعم النفسي وإما للقضاء، بسبب غياب داعم أو معيل لها في منطقة تعتبر غريبة عنها، وعدم تعرفها إلى آلية تقديم شكوى، كما قالت نادين عبيدين.

وتعمل المنظمات والجمعيات، التي تعنى بتمكين المرأة في الشمال السوري، على توعية النساء بكيفية التقدم بشكوى للسلطات القضائية، من خلال ورشات توعوية عن ماهية المحاكم التي يمكن للمرأة أن تلجأ إليها في كل الحالات، كدعوى الطلاق والشكوى وغيرهما من القضايا.

كما تعمل المنظمات في الشمال السوري على تفعيل خدمة الخط الساخن، الذي يمكن للمرأة أن تتصل به في حال تعرضها لأي شكل من أشكال العنف الأسري، إذ يصلها بأقرب مركز للشرطة في منطقتها.

أسباب اجتماعية للإقدام على التعنيف الأسري

يعتبر الباحث الاجتماعي محمد سلوم أن النزوح ونسبة البطالة في الشمال السوري هما سببان أساسيان لازدياد ظاهرة العنف الأسري.

والمعنِّف يكون عادة بحالة فوضى، وتسهم بعض العادات والتقاليد في تجرؤه على ممارسة العنف ضد أفراد أسرته، كما قد تكون الحالة القانونية “الفوضوية” في الشمال السوري سببًا أساسيًا لإقدامه على التعنيف، بحسب سلوم.

وتُعتبر الحالة “الكارثية” التي تعيشها سوريا، من فقر وعنف، سببًا أساسيًا في محاولة الفرد استعادة سلطته بشكل فردي.

ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، تتكرر حالات العنف المنزلي في أنحاء العالم، بمعاناة واحدة من كل ثلاث نساء من العنف مرة واحدة على الأقل في حياتها من قبل شخص مقرب.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة