البداية أم استهداف للمنشقين؟

كيف كانت ردود الفعل على محاكمة الضابط إياد الغريب في “كوبلنز”

أنور رسلان وإياد الغريب في المحكمة في نيسان 2020 قبل بدء محاكمتهما غير المسبوقة المتعلقة بالتعذيب الذي ترعاه الدولة في سوريا_ نيسان 2020 (AFP)

أنور رسلان وإياد الغريب في المحكمة في نيسان 2020 قبل بدء محاكمتهما غير المسبوقة المتعلقة بالتعذيب الذي ترعاه الدولة في سوريا_ نيسان 2020 (AFP)

ع ع ع

تصاعدت ردود الفعل إثر إصدار المحكمة الإقليمية العليا في بلدة كوبلنز، جنوب غربي ألمانيا، حكمها بحق الضابط السابق في المخابرات العامة السورية إياد الغريب، بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف السنة بتهمة “جرائم ضد الإنسانية”.

واُتهم الغريب (44 عامًا) باعتقال أفراد عقب الاحتجاجات السورية في مدينة دوما السورية عام 2011، وتسليمهم إلى مراكز الاعتقال ليعذبوا.

واستندت المحكمة في حكمها، الصادر في 24 من شباط الحالي، إلى عدة أدلة، منها إفادات الشهود الذين عانوا من ظروف اعتقال “لا إنسانية ومذلة”.

واتهم ممثلو الادعاء الغريب بنقل 30 متظاهرا مناهضًا للحكومة على الأقل إلى سجن سري بالقرب من دمشق يعرف باسم “الخطيب”، أو الفرع “251”، للتعذيب عام 2011.

وكان المدعون يطالبون بالحكم على غريب بالسجن  لمدة خمس سنوات ونصف السنة.

بينما طالب الدفاع بتبرئة المتهم، بحجة أنه كان من الممكن قتل الغريب لو لم يتبع أوامر رؤسائه، ولفت إلى أنه لم ينفذ أوامر رئيسه بإطلاق النار على المعتقلين.

تأييد أممي- غربي

رحبت الأمم المتحدة بجهود المحكمة الألمانية، وأشارت إلى تقارير اللجنة الثلاثية في محاكمة “كوبلنز”، بحسب ما نشرته عبر حسابها الرسمي في “تويتر“.

 

ووصفت الخارجية الأمريكية، من جهتها، إدانة الغريب بأنها أول إدانة على الإطلاق لمسؤول سابق في النظام السوري بهذه التهمة.

وأثنت على ألمانيا لاتخاذها هذه الخطوة، واتهمت الغريب بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.

 

كما وصفت الخارجية البريطانية الحكم على الغريب بأنه “تاريخي”، وأنه أول حكم قضائي على الإطلاق بشأن التعذيب الذي ترعاه الدولة من قبل نظام الأسد في كوبلنز، لإدانته الغريب بالتواطؤ بجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

وتمنت أن يكون بداية طريق إلى العدالة للسوريين، بحسب ما نشرته عبر حسابها في “تويتر“.

منظمات حقوقية: هذه البداية

“المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” أصدر بيانًا بخصوص الحكم، وقال فيه إن قرار الإدانة “ليس إلا مجرد بداية ستؤدي في النهاية إلى الاعتراف بمعاناة الشعب السوري الطويلة، وإرساء السلام في سوريا”.

وأضاف المركز أن “ما تحقق هو سابقة لم يكن لأحد أن يتخيل إمكانية حدوثها، ولا يسعنا هنا إلا أن نعيد تأكيد دعمنا لما سيأتي بعد ذلك”.

وبحسب البيان، استندت المحكمة في قرارها إلى أقوال المتهم التي أدلى بها أمام الشرطة الجنائية الألمانية، وقالت رئيسة المحكمة، عند عرض صور “قيصر” التي سُربت كأدلة للقضية في تعليق شخصي على تلك الصور، “أنا لن أنسى هذه الصور”.

ووصف البيان الحكم ببارقة أمل للضحايا والناجين والعاملين بالمجال الحقوقي في سوريا، واعتبر أنه يشكل خطوة مهمة جدًا في محاربة الإفلات من العقاب، والوصول إلى العدالة ومحاكمة المجرمين، وأنه سيفتح الطريق أمام الكثيرين لمواصلة سعيهم حتى يتم إصدار أحكام أكثر واقعية ومنهجية، لتصور مستقبل سوريا الحقيقي.

وقال مدير المركز، مازن درويش، إن “الحكم ليس مجرد لائحة اتهام للمتهم إياد، إنما هو لائحة اتهام قضائية لجميع الأجهزة الأمنية في سوريا، وجميع الانتهاكات التي ارتكبتها، وما هذه إلا مجرد البداية”.

وأشاد البيان بشجاعة الضحايا والناجين، وتعاون الشهود والمنظمات غير الحكومية مع السلطات الألمانية.

كما شدد على ضرورة توسيع صلاحيات الأجهزة القضائية ذات الاختصاص العالمي، وعلى “أهمية بذل جهود دولية أكثر وضوحًا نحو آليات دولية لتقديم جميع مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا من قبل جميع الأطراف إلى العدالة”.

 

من جهته، أصدر “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية” بيانًا، اعتبر فيه تجريم الغريب “جزءًا من آلة جهنمية منظمة وممنهجة وبأوامر عليا لاعتقال المدنيين السلميين وإخفائهم قسرًا وتعذيبهم وقتلهم تحت التعذيب وإخفاء جثثهم بمقابر جماعية وبطريقة مهينة جدًا، وهذا المنهجية تخضع لسلسلة أوامر وقيادة تصل إلى رأس هرم الجريمة الممنهجة في سوريا مع كل أركانه”.

ووصف المركز قرار الحكم بـ”التاريخي”، وأنه نقطة مضيئة في تاريخ القضاء الألماني وتاريخ العدالة العالمية، وأنه رسالة لكل المجرمين الذين ما زالوا يرتكبون أفظع الجرائم في سوريا لتذكيرهم بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، ولا مكان آمنًا للفرار إليه، كما هو رسالة لكل المتواطئين الذين سهّلوا وساعدوا المجرمين على ارتكاب جرائمهم بأنكم لستم في مأمن من العقاب.

ودعا البيان الدول الأوروبية إلى وضع “المجرمين ومنظومة إجرامهم” خارج أي إطار سياسي أو تفاوضي أو تعامل مستقبلي، وأن تدعم ذلك بقوانين على غرار قانون “قيصر” الذي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية لتحمي قيم العدالة وحقوق الإنسان، وخاصة بعد شهادة الشاهد “Z30” أمام المحكمة حول المقابر الجماعية لمليون سوري تم قتلهم ودفنهم بمقابر جماعية بشكل سري ومهين.

كما دعا جهات الادعاء في النمسا والسويد والنرويج وفرنسا وسويسرا وإسبانيا إلى تسريع النظر بملفات الجرائم ضد الإنسانية المفتوحة لديها، وإصدار مذكرات توقيف بحق المجرمين.

ناشطون بين مؤيد ومعارض

وصفت الباحثة السورية في منظمة “هيومن رايتس ووتش” سارة الكيالي، القرار بأنه بالغ الأهمية، وأشادت بجهود السوريين الذين وصفتهم بـ”المذهلين”، وأن المحاكمة هي بداية الطريق إلى عدالة كاملة في سوريا، بحسب ما نشرته عبر حسابها في “تويتر”.

 

بينما أدان الناشط عهد الصليبي المحاكمة، وقال إن الغريب ليس “شبيح”، وهو من عائلة معارضة للنظام، وكان معارضًا من ضمن قادة “الجيش الحر” ضد النظام.

وأضاف أن “سمعة إياد جيدة في الثورة السورية”، بحسب ما نشره عبر حسابه في “تويتر“.

 

وأضاف أن مفهوم “الجرائم لا تسقط بالتقادم” يوجب على السلطات محاكمة الضابط حسين الهرموش (الذي انشق بداية الثورة وأسس أول فصائل “الجيش السوري الحر”)، لثلاثة أشهر قضاها في خدمة النظام بعد انطلاق الثورة السورية.

وقالت الناشطة لينا الشامي، عبر حسابها في “تويتر”، إن “الغريب توجه من تلقاء نفسه دون أن يطلب منه أحد إلى المحكمة، وقال إن لديه معلومات قد تفيد التحقيق وتدين النظام، رغم أنه يعلم أن انخراطه لمدة شهرين مع جهاز تابع للنظام مع بدء الثورة قد يدينه، ولكنه آثر الإدلاء بما لديه من معلومات تساعد على إدانة النظام حتى لو تقرر حكمه”.

 

بينما قال الباحث السوري عباس شريفة، إن الرسالة الوحيدة التي ترسلها المحكمة بقرار الحكم على الغريب بعد انشقاقه عن النظام منذ عام 2011، أن على أي مجرم يفكر بالانشقاق عن النظام أن يعرف أن مصيره السجن، وعليه أن يبقى مع هذا النظام المجرم، بحسب ما نشره عبر حسابه في “تويتر”.

 

بدوره، يرى الناشط السوري خالد رواس، أن الغريب كان ضابطًا متطوعًا بفرع “الخطيب”، وكان يعمل بملء إرادته ولم يكن مجبرًا، وأنه لولا وجود الثورة السورية، لكان الغريب ما زال يزاول مهمته في الفرع، التي تحددت، بحسب وصفه، “بكتابة تقارير كانت تقدم للمكتب المختص بالشؤون الدينية بالفرع”، وأن اتهام الغريب يقتصر على تسهيل جرائم التعذيب من خلال قيامه باعتقال أشخاص تم تعذيبهم لاحقًا.

ويرى رواس أن القضية تتعدى الغريب ورسلان، وأن محاضر الجلسات والتقارير التي تثبت كم المعلومات القانونية التي تصور إجرام النظام، والتي ذُكرت لأول مرة في الكلمة الافتتاحية عبر المدعي العام وبشكل قانوني، قاموا فيها فقط لفهم خلفية الثورة السورية، وأن الهدف الحقيقي للثورة هو إدانة منظومة الأسد أكثر من إدانة أي شخص آخر، فإدانة المنظومة هي الحالة الوحيدة التي تثبت وقوع جريمة بحق الإنسانية.

ماذا عن الغريب؟

بقي الغريب صامتًا خلال محاكمته التي استمرت لمدة عشرة أشهر من الجلسات، وكتب رسالة قُرئت من قبل محاميه، عبر فيها عن حزنه على الضحايا، وقال إنه من الممكن أن يُقتل هو وعائلته إذا لم ينفذ أوامر رؤسائه.

ومثل الغريب اما المحاكمة إلى جانب أنور رسلان، وهو مسؤول أعلى رتبة، في نيسان 2020، أمام المحكمة في ألمانيا.

وحصل كلا الرجلين على حق اللجوء في ألمانيا، وقُبض عليهما في عام 2019، واتهمهما المدعون بأنهم “تروس في عجلة” جهاز أمني حيث يتم التعذيب على “نطاق شبه صناعي”.

انشق الغريب عام 2012، ووصف عمله مع النظام في طلب اللجوء الذي قدمه، ووجدت المحكمة أنه ساعد في اعتقال ما لا يقل عن 30 متظاهرًا وتسليمهم إلى مركز احتجاز “الخطيب” في دمشق بعد مظاهرة حصلت في مدينة دوما عام 2011.

وطالب فريق الدفاع، في 8 من شباط الحالي، بإصدار حكم براءة بحق موكله كونه “كان مجبرًا على تنفيذ الأوامر فقط”.

وتوقع محامي الادعاء في المحاكمة، باتريك كروكر، الحكم على المتهم بالسجن أربع إلى خمس سنوات، وذلك في مؤتمر صحفي حضرته عنب بلدي بشأن الحكم الأول في محاكمة “كوبلنز”.

وفي تقرير نشرته منظمة “هيومن رايتش ووتش” في نيسان 2020، توقعت أن يواجه إياد الغريب السجن بين ثلاث و15 سنة.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة