تعا تفرج

العَلمانية المتطرفة كلام دهب

ع ع ع

خطيب بدلة

من كثرة ما وُجهت اتهامات بالتطرف إلى “الإخوان المسلمون” ومشتقاتهم، وما قيل عن الإسلام الجهادي أنه يشكل للمجتمعات الأوروبية هلعًا، جراء عمليات إرهابية يُقتل فيها مدنيون أوروبيون لا ناقة لهم في هذه المساجلات ولا جمل، أعمل “الإخوان المسلمون” تفكيرهم طويلًا، وتوصلوا إلى صيغة من شأنها تمييع الموضوع بطريقة تبدو منطقية، إذ صار ردهم على هذه التهمة يبدأ بالقول: ولَكْ خيو، التطرف تطرف، إن كان إسلامي ولا علماني!

يذكرني هذا العمل باجتماعات الصلح التي تُعقد في المجتمعات المتعايشة ظاهريًا، المتناحرة واقعيًا، التي يتصادم فيها الناس على أمور تافهة، ويبدأ الضرب والخبيط، والترفيس، أو الضرب بالأوزان الحديدية وخشبات القبان، وأحيانًا يلجأ المتناحرون إلى السلاح الأبيض، موس كباس، سكينة قندرجية، شنتيانة، بوكس حديد، أو يتطور إلى إطلاق النار بالمسدسات، أو بالبواريد الروسية، وقد حدث في إدلب، بعد انتشار السلاح بين الناس، أن عائلتين اقتتلتا، وكان في إحداهما مجاهد خرج إلى ساحِ الوغى ساحبًا الرشاش “البي كي سي”، وأطلق منه رشة في الهواء، فذعر أفراد العائلة الأخرى، وافرنقعوا معلنين الاندحار دون قيد أو شرط.

وبعد نقل جثث القتلى إلى المقبرة، ونقل المكسرين والمرضوضين والجرحى إلى المستشفيات، يبدأ عمل المصلحين، بجمع الطرفين المتشاجرين في مكان تقام فيه وليمة قوامُها الأطعمة الدسمة والحلويات (القَشَاطي)، ويبدأ الشخص المصلح بالقول:

– الحمد لله أن القصة انتهت هيك، ولا غير شي (يعني هذه الخسائر، برأيه، ليست محرزة!)، وإنتوا بيت فلان وبيت علان أهل (أهل ولكنهم تذابحوا!)، والظفر يا جماعة ما بيطلع من اللحم، واللي صار كله ساعة شيطان، الله يلعن الشيطان، (علمًا أن معظم المشكلات تحصل حينما يكون الشيطان في إجازة).

على هذا المنوال التصالحي، القائم على تمييع المفاهيم، يجري نقل تهمة التطرف من خانة الدواعش (وحباشاتهم) إلى خانة العَلمانيين، فإذا تورطت ودخلت معهم في نقاش، لتثبت لهم أن كل شيء في الدول التي تتبنى العلمانية واضح، فالقانون قانون، ولا يسمح لأحد أن يعتدي على حرية أحد من معتنقي الأديان، فالدولة تحمي الجميع، وتؤمّن لهم الحد الأدنى من المعيشة، والطبابة، وتعتني بشؤونهم، والشرطة تقوم بخدمة الشعب فعلًا، دون أن يكون هذا الشعار مكتوبًا على حيطان مدنهم، ينط واحد ويكتب لك: لا تنسَ أن نظام حافظ الأسد البعثي علماني، ومتطرف، ووقتها تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتقول له إن حافظ الأسد هو وريث اللجنة العسكرية التي أسسها حزب “البعث”، يقوم على المخابرات، وقانون الطوارئ، والأحكام العرفية، ومحاكم أمن الدولة، وسرايا الدفاع، والفرقة الرابعة، اذكر لي اسم دولة واحدة تتبنى العلمانية والديمقراطية وفيها شيء من هذا القبيل.

لا تتوقع من محاورك أن يقبل هذا الكلام، وسرعان ما يستعرض أمامك أسماء طغاة قتلوا شعوبهم وهم علمانيون، من هتلر إلى ستالين إلى موسوليني (ولا يذكر صدام حسين طبعًا لأنه أسد السنة)، وفي هذه الأثناء، وبعد 50 تعليقًا، يدخل واحد مناضل مجاهد ويقول: أي نعم، التطرف تطرف، إسلامي أو علماني، أحييك.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة