دريد لحّام.. عقدة الكتابة

ع ع ع

نبيل محمد

يتيح القدر للأحياء ما يحرم الميتين منه، فلا نهاد قلعي ولا محمد الماغوط قادران على ضبط هذيان دريد لحّام، وتحديد مكانه الحقيقي، وقد مضت به السنون، فاستكمل ما نقصه في مسيرة حياته الفنية، بعد أن غاب القادرون على قول الحقيقة، وبقيت الرقعة فارغة إلا من دريد، ليختار المكانة التي يريدها، ويستبدل الحجارة، فيصبح البيدق ملكًا، مستغلًا الظرف السياسي الذي كان ولا يزال يوفّر له البيئة الصالحة لتجاوز عقد النقص، وأخذ الثأر ممن لم يستطع أخذ ثأره منهم وهم أحياء.

لم يكن دريد لحّام يومًا كاتبًا، ولئن تضمنت بعض الشارات اسمه ككاتب. ففي تلك الأعمال الكوميدية الخالصة، وتلك التي حملت مضامين سياسية، كان دريد ممثلًا نجمًا على صعيد عربي، قلة هم الذين نافسوا مكانته، لكن شخصياته الأهم كانت مرسومة بقلم سواه، وهو تمامًا ما يؤرّق نومه، ويفقده جزءًا كبيرة من خاصية خلق شخصيته الكوميدية التاريخية في التلفزيونات والمسارح العربية، يتعِبُ سنواته التي جاوزت الـ86 أن يكون أحد سواه قد كتبه، وقد عاش عمره مؤديًا، وهو ما لا يؤرق أغلبية نجوم الفن في العالم، الذين التزموا بكونهم ممثلين، كتب حواراتهم ورسم شخصياتهم مختصون، وكتّاب مبدعون.

لم يكن جديدًا ولا مستغربًا ما قاله دريد لحّام في حوار أجري معه مؤخرًا في إذاعة محلية، تنظر إليه، كما تنظر إليه مختلف وسائل “الميديا” المحلية في بلاد “البعث”، على أنه عرّاب الفن، الذي كلما لمّعت تلك الوسائل من قدره، وبالغت في مخترته للمهنة، ظهرت بصورة الناقد المحترف، وقارئ التاريخ الفذ، ونالت رضا الأفرع المختلفة بالتأكيد، فتلك الوسائل إذ تؤلّه دريد لحّام، فإنها بطريقة ما، تقرأ الفاتحة بصوت رخيم على قبر القائد الخالد في القرداحة.

ما الجديد في أن يرى دريد لحّام نفسه على طاولة واحدة مع محمد الماغوط؟ يدقق ما يكتب، فكلما أنهى الماغوط سطرًا في مسوداته، أعطاه لدريد ليشاركه الكتابة، فيحوّل ما يُكتب إلى المبيّضة، يتشارك الاثنان كتابة النصوص، ولئن رضي عنها لحّام، وقف على المسرح مؤديًا لها، وإن ترك الماغوط وحيدًا فتلك ستكون بداية فشل الكاتب. لعل الفنان يصدّق تمامًا هذه المقولة، فتكرار زيفها بين وقت وآخر، سيحوّلها إلى حقيقة غير قابلة للنقاش في ذهن يفلتر وفق ما يخفف من أمراض صاحبه، ويستكمل رضاه عن نفسه. وهو أيضًا ما ينطبق على رؤية دريد لحّام لشراكته الفنية مع الراحل نهاد قلعي، فيصبح نهاد أيضًا شريكًا تابعًا، يعمل بإدارة غوار الذي لا يقبل رأسًا فوق رأسه. يصبح نهاد الشاب الموهوب الذي وجد في دريد من يوجّهه ويرعاه، ويدخل في شراكة فنية معه.

يختلف نقاد كثر، في مدى قيمة وأهمية المسرحيات التي كتبها الماغوط، وبعضهم لا يراه إلا شاعرًا، ولا يجد أنه قدم ما يستحق الخلود على الخشبة، ولعلّ منهم أيضًا من لا يجد في شعره أيضًا ما يستحسنه، وكذا في أعمال نهاد قلعي التلفزيونية والسينمائية، لكن لن يجرؤ ناقد محترف على أن يشركهما قلم دريد لحّام، إلا عندما شاءا ذلك، وعندما اعترفا بدور دريد لحام كمؤلف إلى جانب دوره كممثل، بل إن حضوره كمؤلف لم يكن يومًا إلا درجة ثانية، تتبع لعرّاب النص الذي يتم العمل عليه. هذه الدرجة الثانية هي تمامًا عقدة لحّام في خلواته، ومصدر كل ما يقوله ويصرّح به بين فترة وأخرى، طالت أم قصرت.

إن كلًا من عامي 1993 و2006 مفصلي في حياة دريد لحّام، ففيهما غاب الشاهدان الأساسيان على كل شيء، نهاد قلعي أولًا ومحمد الماغوط ثانيًا، مات القادران على رؤية دريد لحام بشكل مجرّد وحقيقي ومنفصل عما يقوله، وبقي غوار وحده يحاول عبثًا إعادة كتابة التاريخ دون مدقق، ليكون هذا التاريخ ممجوجًا يفتقد الحس الفني، والبناء الدرامي، الذي يحتاج إلى كاتب محترف، لا كاتب درجة ثانية.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة