الأغنية التراثية السورية.. رسول اللاجئين إلى المواطن الأوروبي

أوركسترا اورنينا

ع ع ع

عنب بلدي – حسام محمود

“هالأسمر اللون هالأسمراني”، بمجرد رؤية القارئ السوري لهذه الكلمات، سيضفي عليها موسيقاها التي حفظها عن ظهر قلب، فهي واحدة من أغنيات التراث العربي العتيقة.

وتعرضت هذه الأغنية عبر الزمن لتعديل وتغيير وانزياح في كلماتها، لكنها حافظت على مطلعها، ويُعتقد أنها نتاج التقاء ثقافة العموريين بالسومريين.

يتفق المؤرخون على أسبقية سوريا في تكوين إرث موسيقي، إذ عثر علماء في خمسينيات القرن الماضي على ألواح ورقم فخارية ترجع إلى نحو 3400 عام قبل الميلاد، في منطقة أوغاريت السورية، على ساحل المتوسط، وعلى هذه الألواح أبيات شعرية، وهو ما يعتقد بعض علماء الآثار أنه أول نموذج لكتابة موسيقية في العالم.

ومع تغيرات الزمن والأحداث، تنوع دور الأغنية، وتعددت أشكال تقديمها، ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وبدء لجوء السوريين إلى أوروبا ومناطق مختلفة من العالم بحثًا عن حياة لا يعتريها القلق من الموت تحت وطأة القصف، حمل السوريون أغنيتهم أيضًا إلى أوروبا والعالم، كما حملوا حقائبهم وآمالهم بجرعة من الفرح بعد تعب طويل.

الأغنية تروي فضول الآخر

الأغنية التراثية تمثيل مكثف لثقافة شعب ما، فعندما ينتقل الإنسان من مكان إلى آخر يحمل معه لغته الأولى ووصفات الطعام، والأغنيات التي حفظها أبًا عن جد، فلكل شعب ثقافته الموسيقية وطرائق التعبير الصوتية الخاصة به، وأهمية الأغنية في الحالة السورية تكمن في كونها الحامل للثقافة العربية التي تعيش محنة من العيار الثقيل في الوقت الراهن، بحسب علي أسعد، وهو مغنٍّ سوري منفرد في “أوركسترا أورنينا”، حاصل على دبلوم علوم الموسيقى من جامعة “جراتس” في النمسا.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أوضح علي أن ما يحوّل الأغنية إلى تراث هو تداولها واستخدامها على فترات زمنية طويلة، وارتباطها بالطقوس والعادات، والأعمال الموسمية واليومية، كأهازيج المناسبات الاجتماعية، والأغنيات المحفزة التي تترافق مع جهود كبيرة كالصيد والحصاد.

والسبب في انتشار التراث المشرقي الموسيقي في الغرب، كما يراه علي، يعود لأزمة هوية يعيشها السوريون في العقد الأخير، فحالة الشتات الجغرافي الكبيرة ولّدت صدامًا ثقافيًا واجتماعيًا أفضى إلى الكثير من الأسئلة الوجودية الموجهة للناجين من المذبحة، وبحث طويل عن أجوبة لهذه الأسئلة، فكانت حفلات التراث السوري بمثابة أجوبة عن الكثير من هذه الأسئلة، ربما دون وعي بذلك، وهذا ما يفسر انتشار الأعمال التراثية على حساب الأعمال الموسيقية الخاصة لنفس المغني.

يسعى علي مع رفاقه الموسيقيين لخلق نوع من التوازن في تناول الموروث الموسيقي والغنائي المشرقي الغني، عبر تقديم رؤيتهم الخاصة كمنتجي ثقافة موسيقية في وقت تتداخل فيه طرائق التعبير والحضارات، وعبر تأليف أغنيات ومؤلفات موسيقية أصيلة كلامًا ولحنًا وتوزيعًا.

وتترك الأعمال التراثية بصمتها في الأعمال الموسيقية الغربية أيضًا، فالألمان في عصر الباروك، وبيتهوفن في العصر الكلاسيكي الرومانسي، وغيرهم، استفادوا من التراث والثقافة الأم في مواضع لحنية عديدة.

وشكّل غناء التراث على مسارح عالمية حالة أصابت السوريين بالدهشة والاعتزاز، بحسب علي أسعد، وكأنها مصدر قوة أو وسيلة لرد الاعتبار والقول إننا ما زلنا أحياء، وقادرين على مخاطبة العالم مثل أي شعب متحضر على الأرض.

ولا تشكّل عملية تجديد الأغنية طعنًا بالأغنية الأصلية، فالأغنية التراثية لها خصائصها وآلاتها، ونمطها الصوتي، والتجديد هنا عبارة عن وضع الأغنية العربية أو الموسيقى المقامية في سياقات صوتية عالمية (كالأوركسترا مثلًا)، لتخاطب مستمعًا جديدًا قد يكون غربي الثقافة، أو عربيًا مطّلعًا على ثقافات موسيقية متنوعة حول العالم، لكنه لم يتقبل الأغنية التراثية القديمة بسبب إمعانها في المحلية.

ويعتبر علي هذه العملية أشبه بإعادة بناء واعٍ ومقصود، على بناء موجود ومحكم أصلًا، وفك شيفرات ثقافية وكشفها أمام جمهور أعرض يبحث عن معرفة الآخر، فعلى الإنتاج الموسيقي الأصيل أن يتحاور مع معطيات العصر عبر إعادة التوزيع على آلات جديدة، واختيار الشكل المناسب للعرض بما يتوافق مع معايير العصر من الناحية الصوتية والتقنية.

وأقام علي مع رفاقه في “أوركسترا أورنينا” حفلات موسيقية في مختلف البلدان الأوروبية، وقدّموا الموسيقى والتراث السوريين بما يعكس قدرة السوريين على الحوار مع العالم، والمشاركة في بناء الحضارة الحديثة، فالنظرة الغربية للإنسان العربي مليئة بالشك، والموسيقى بالضرورة تكسر صناديق التعصب والجهل بالآخر.

وهو ما يتكرر مع تجارب سورية، إذ تُقام حفلات في أوروبا لفنانين سوريين منفردين أو بالتعاون مع فرق موسيقية عربية وأجنبية.

الأغنية بوابة القبول الاجتماعي

تنوعت أساليب التواصل بين البشر منذ بدء الحياة بين الصفير وقرع الطبول وغيرها، ثم قدّمت اللغة أسلوبًا أعمق في تفصيل الرسالة وتوضيح القصد، وأصبح التواصل الإنساني مرهونًا بفحوى الرسالة التي تحملها اللغة، وطريقة نطقها.

ويرى الباحث الاجتماعي صفوان موشلي، في حديث إلى عنب بلدي، أن الجالية العربية في أوروبا بمهاجريها ولاجئيها، تعاني مشكلة في القبول الاجتماعي، فالعرب في أوروبا يدركون أنهم قد لا يعودون إلى أوطانهم، وهذا ما يفسر سعيهم للاندماج في المجتمعات المضيفة بشكل جدي، ولا يكون هذا الاندماج حقيقيًا ما لم يلتزم المهاجرون بالأسبقية الثقافية الحاضنة، مع الاحتفاظ بخصوصيتهم الثقافية.

ويسعى المهاجرون عادة لنيل مكانة اجتماعية في البلدان المضيفة، وذلك بجعل المواطن الأصلي يحترم ثقافتهم، ما يتطلب بطبيعة الحال عرض مكوناتها والسعي لإبرازها، والاهتمام بما يحظى بإجماع بشري، كالرقص والموسيقى وفنون الطبخ.

وإذا كانت الجالية السورية في أوروبا ترغب بحماية نفسها من الاعتداءات العنصرية، واكتساب حماية وتعاطف المجتمع المضيف، فالموسيقى تستطيع خلق نوع من الاحترام والقبول الاجتماعي، إذ تشكّل الفنون وسيلة للتعريف بالذات وتقدير الآخر، والموسيقى من أسرع أبواب الفنون قدرة على إقامة جسور التفاهم بين الثقافات.

ويدعو موشلي الجالية السورية في البلدان المضيفة إلى مضاعفة جهودها الثقافية والموسيقية، فهناك من يحاول باستمرار تشويه صورة اللاجئ، وتصويره على أنه يشكل خطرًا على نمط الحياة الأوروبي.

وأوضح الباحث أن اللغة العربية بمنتجاتها الموسيقية القديمة والحديثة لا تقسم اللغة إلى نصفين، أو لغتين، قديمة وحديثة، على خلاف اللغة الإنجليزية مثلًا، التي تشهد تطورًا مستمرًا قد يخلق قطيعة بين المفردات، يضطر أمامها الشخص للعودة إلى القواميس لفهم مصطلحات لغته.

وهناك محاولات مستمرة لتفسير قدرة اللغة (التي لا يجيدها الشخص) على إطرابه، فيرى النظّام (ينظم الأغنية) العباسي إبراهيم بن سيّار البلخي، أن العبارة اللغوية، بما فيها الأغنية، تنظّم الأصوات وتحيل بعضها إلى بعض، فالناس بحسب النظّام العباسي يفكرون بأسلوب لغتهم، أي بموسيقى العبارة الداخلية للأغنية، ثم تأتي الموسيقى لتجعل من العبارة صوتًا، كما يسميها الأصفهاني.

وتبرز قيمة الأغنية التراثية والطربية من تفردها وخروجها عن الأنساق الموسيقية المعاصرة، فالمتعة الموسيقية برأي تيودور أدورنو، وهو أحد أبرز فلاسفة الموسيقى المعاصرة، تكمن في إحالة المستمع إلى دهشة الفردانية.

وإذا استطاعت الموسيقى خلق فضول لدى الآخر، يدفعه للتساؤل عما جرى للسوريين، ولماذا بلغوا كل هذه المعاناة، فإن الغرض منها يكون قد وصل، وعلى السوريين، برأي موشلي، أن يكونوا جاهزين لتقديم الإجابات عن مثل هذه الأسئلة التي قد يثيرها التواصل الإنساني.



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة