لسد العجز أم لسداد الدين.. منشآت اقتصادية سورية بأيادٍ أجنبية

القوات الروسية في ميناء طرطوس في سوريا - 28 من حزيران 2019 - (الشرق الأوسط)

ع ع ع

عنب بلدي – سكينة المهدي

تعزز روسيا وإيران، الحليفتان للنظام السوري، تموضعهما الاقتصادي في سوريا إلى جانب تعزيز وجودهما العسكري، من خلال الاستحواذ على موارد الطاقة والمنشآت الاقتصادية والصناعية المهمة في البلاد بعقود طويلة الأمد، ما يضمن مصالح تلك الدول في سوريا سياسيًا واقتصاديًا، ويسد بعض التكاليف التي تكبدتها خلال سنوات الحرب.

وتتعارض أهداف إيران الاقتصادية في سوريا مع السياسات الاقتصادية الروسية، التي تحاول الاستئثار بالقسم الأكبر من الاستثمارات في العديد من القطاعات، كالنفط والغاز وإعادة الإعمار، بينما يتطلع المسؤولون السوريون إلى الدعم والمساعدات العسكرية والسياسية من هاتين الدولتين، اللتين قد تتحكمان من خلال هذا الدعم بخيارات سوريا الاقتصادية.

انعكاس الاستثمارات لمصلحة الحلفاء

لم تتغير سياسة النظام السوري الاقتصادية والمالية طول سنوات النزاع في سوريا، فالقرارات المالية التي يتخذها تثبت عدم قدرته على سد العجز المالي، ما جعله يلجأ إلى دول حليفة قد تجد في استثمار ثروات سوريا ومرافقها، أكثر منفعة سياسيًا واقتصاديًا من الامتثال للقانون الدولي الذي منع التعامل مع النظام السوري، وفرض عقوبات على من يدعمه.

ولم يحقق النظام السوري مكاسب اقتصادية من الاستثمارات التي منحها لروسيا وإيران، فالاستثمار اصطلاحًا هو تعظيم المال، كما قال المحلل الاقتصادي مناف قومان، لعنب بلدي.

ولم يُلمَس أي تطور في المرافق المستثمرة، كالموانئ وحقول الغاز، والمشكلات الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها سوريا مستمرة ولم تُحل بعد.

ويعتقد قومان أن الاستفادة من هذه العقود والاستثمارات هي مسألة مؤجلة بالنسبة للنظام، حتى يستقر حال الاقتصاد والوضع السياسي، ولن تختلف الحال كثيرًا فيما لو كانت هذه المرافق بيده.

ولن يتمكن النظام السوري من التخلص من الأزمات الاقتصادية، لأن قوام هذه الأزمات لم يكن بالموارد أو بالعرض والطلب، بحسب مناف قومان، بل يوجد خلل هيكلي يعود جزء منه إلى العقوبات الاقتصادية، وآخر إلى الإغداق بالأموال على الآلة العسكرية، الذي أدى إلى إرهاق الموارد الاقتصادية وخزينة الدولة ومؤسساتها.

المحلل الاقتصادي خالد تركاوي يعتقد، في حديث إلى عنب بلدي، أن انعكاسات الاستثمارات على النظام بتشغيلها من الروس، أكثر فائدة للنظام من تشغيلها بنفسه، إلا أن سيطرة روسيا وإيران على هذه المرافق ليس أمرًا جيدًا للشعب السوري، فالشركات الأجنبية تعمل على تحقيق أرباحها من خلال الاستثمار.

عجز في الموازنة يتكئ على مشاريع خاسرة

بلغ عجز الموازنة المالية في سوريا لعام 2020 ألفًا و455 مليار ليرة، ويقدر العجز في عام 2021 بثلاثة آلاف و484 مليار ليرة سورية، وهي نسبة زيادة تُقدّر بـ71%، بحسب صحيفة “الوطن” المقربة من الحكومة السورية.

وفي 23 من كانون الأول 2020، اعتمد رئيس النظام السوري الموازنة العامة لعام 2021، التي أقرها مجلس الشعب بمبلغ 8500 مليار ليرة، بزيادة 4500 مليار ليرة على عام 2020، إلا أن قيمة موازنة 2021 بلغت حوالي 2.9 مليار دولار بسعر 2850 للدولار الواحد حينها، حسب موقع “الليرة اليوم” المتخصص بأسعار العملات، أي تقريبًا نصف موازنة عام 2020 التي بلغت 5.7 مليار دولار، بسعر صرف 700 ليرة مقابل الدولار الواحد وهو سعر صرف السوق في تشرين الثاني 2019.

والعجز في الميزانية هو الفارق بين ما للحكومة وما عليها، وكم أنفقت وكم كسبت، ولا يمكن أن تسهم شركة مستثمرة واحدة بسد العجز، خاصة أن العجز يقدر بعشرات المليارات، وكما يرى المحلل الاقتصادي مناف قومان، فإن معظم تلك المشاريع خاسرة أساسًا.

ولا يعتقد قومان أن النظام سيستفيد من عرض مرافق عامة جديدة للاستثمار لسد عجز الموازنة، حتى وإن عرض كل مرافق سوريا للاستثمار، فالمعادلة التي يقوم بها النظام اليوم بعرض مرافق استراتيجية للاستثمار خاسرة، ولا تلبي الغرض في سد العجز أو تنويع وتحريك الاستثمارات، لأن عقودًا كهذه مرهونة لروسيا وإيران بالضرورة.

بالإضافة إلى أن النظام لا يزال يعتمد على التمويل بالعجز، والاستدانة المحلية والخارجية، وأخذ الأموال من التجار والمقربين لسد العجز، ولا يرى قومان أي منافذ أخرى مجدية غير تلك الطرق لسد العجز.

ويعتقد وزير الاقتصاد في “الحكومة السورية المؤقتة”، عبد الحكيم المصري، أن النظام قد يعرض مشاريع كثيرة للاستثمار كمشاريع الاتصالات، بالإضافة إلى مطار “دمشق الدولي” الذي قد يوقع عقدًا باستثماره لمصلحة روسيا مدة 50 سنة، ويرى المصري أن هذا سيفتح المجال لروسيا وإيران للتحكم باقتصاد سوريا والقرارات المالية، ما سيؤثر سلبًا على الوضع الاقتصادي.

أبرز الاستثمارات لمرافق سورية

وكان النظام السوري وقّع اتفاقية مع حليفته روسيا حول توسيع قاعدة “طرطوس” البحرية في سوريا، واستخدامها مدة 49 عامًا، في كانون الثاني من عام 2017.

ونصت الاتفاقية حينها على توسيع مركز الإمداد المادي والتقني التابع للأسطول الحربي الروسي في طرطوس، كما تسمح بوجود 11 سفينة حربية روسية بالميناء في آن واحد.

وتعاظم الدور الإيراني اقتصاديًا في سوريا أواخر عام 2011، بعد مقاطعة دول عربية وأجنبية للنظام السوري جراء سياساته الأمنية، وفرض عقوبات على النظام شملت وقف التعامل مع المصرف المركزي السوري، ووقف المشاريع التجارية، وتجميد أرصدة مسؤولين سوريين.

ووقّعت إيران عام 2017 خمس مذكرات تفاهم بينها وبين سوريا، تضمنت العديد من الاستثمارات السيادية في الطاقة والاتصالات والزراعة والثروة الحيوانية، بالإضافة إلى الحصول على استثمارات سيادية عبر توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات صناعية وزراعية، بحسب دراسة أجراها مركز “عمران للدراسات والأبحاث الاستراتيجية“.

استثمار دول أجنبية في سوريا.. قانونيًا

يعتبر مصطلح الأملاك العامة مرادفًا لمصطلح الأموال العامة، وعرفها القانون المدني السوري في مادته رقم “90”، بأنها “العقارات والمنقولات التي تعود للدولة أو الشخصيات الاعتبارية العامة، والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل، أو بمقتضى قانون أو مرسوم”، وبذلك فإن الأموال العامة تُحدد من خلال تخصيصها للمنفعة العامة، ويكون العقار مخصصًا بطبيعته لاستعمال الناس كما هو مثل الأنهار والشواطئ، أو مخصصًا بإرادة الدولة مثل الطرق العامة والمؤسسات الحكومية.

ويُخصص المال للمنفعة العامة بموجب قانون أو مرسوم، يكتسب من خلاله العقار صفة الأملاك العامة، مثل قانون الآثار أو قانون الأملاك العامة البحرية.

ويفقد المال العام هذه الصفة بانتهاء غاية التخصيص للمنفعة العامة، وينتهي هذا التخصيص بمقتضى قانون أو مرسوم، أو بانتهاء الغرض الذي خُصصت لأجله تلك الأموال للمنفعة العامة.

ولم يتضمن القانون المدني السوري نصًا صريحًا حول طبيعة حق الدولة بالأملاك العامة، ولكن الدستور السوري لعام 2012، وفي سياق حديثه عن تنظيم ملكية الموارد الطبيعية، اعتبر أن الثروات الطبيعية والمنشآت والمرافق العامة هي ملكية عامة، تتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لمصلحة الشعب.

وذكرت المادة رقم “8” من الدستور السوري، عدم جواز تسخير المال العام لمصلحة سياسية أو حزبية أو انتخابية، وبالتالي فإن طبيعة حق الدولة على الأموال العامة من متعلقات النظام العام، ويترتب على ذلك أنه منع التصرف بأموال الدولة العامة، وكل تصرف يقع كالبيع أو الهبة باطل.

ومفهوم الأموال العامة يتسع كلما ازداد تدخل الدولة بالنشاط الاقتصادي في المجتمع، ويتجلى ذلك من خلال إحداث المؤسسات والهيئات العامة، بينما يتضاءل مفهوم الأموال العامة في الدول ذات الاقتصاد الحر.

التشاركية الوطنية.. مفتاح للتعاقد

في شباط عام 2016، أعلنت حكومة النظام السوري عن خطة “التشاركية الوطنية” بوصفها استراتيجية جديدة للاقتصاد السياسي التي جاءت محل نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي” المطروح للعمل فيه عام 2005.

وأصدر رئيس النظام السوري، بشار الأسد، قانونًا لخطة “التشاركية الوطنية” حول “التشاركية بين القطاعين العام والخاص” في كانون الثاني عام 2016، وسمح هذا القانون للقطاع الخاص بإدارة وتطوير الأصول الحكومية في جميع قطاعات الاقتصاد بوصفه الشريك أو المالك الرئيس، باستثناء قطاع استخراج النفط.

وعرّف المرسوم “التشاركية” بأنها علاقة تعاقدية لمدة زمنية متفق عليها، بين جهة عامة وشريك من القطاع الخاص، ويستثمر بموجبها الشريك الخاص في أعمال تصميم أو إنشاء أو بناء، أو تنفيذ أو صيانة أو إعادة تأهيل أو تطوير، أو إدارة أو تشغيل مرفق عام أو مشروع لدى الجهة العامة، وذلك بهدف الإسهام في تقديم خدمة عامة، أو أي خدمة تتوخى المصلحة العامة مباشرة إلى الجهة العامة المتعاقدة أو نيابة عنها إلى المستفيد النهائي.

سد العجز أم سداد الدين

في 27 من آذار عام 2018، صدّق “مجلس الشعب السوري” على العقد رقم “66” بين “المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية” التابعة لوزارة النفط السورية من جهة، والشركة الروسية “ستروي ترانس جاز” من جهة أخرى، ونص العقد على إعطاء الشركة الروسية حق استثمار واستخراج الفوسفات في منطقة مناجم الشرقية جنوبي تدمر، وبحسب العقد، تكون نسبة الجانب السوري 30% فقط من الإنتاج، بالإضافة إلى 2% لأجرة الأرض والتراخيص ونفقات أخرى، بحسب مركز “الجزيرة للدراسات“.

وهذا العقد نموذج لاستخدام النظام السوري الموارد والثروات كأداة لتسديد ديون الحلفاء عبر توزيعها بعقود استثمار طويلة الأمد، وشروطها مجحفة بحق سوريا، خاصة بعد أن سيطر على البادية السورية وأجزاء من دير الزور عام 2017، وتلك المناطق تحتوي على نسبة كبيرة من الثروة الباطنية في البلاد، من غاز ونفط وفوسفات.

ويعتقد المحلل الاقتصادي مناف قومان أن النظام السوري لم يستخدم الموارد والمرافق لسد عجز الميزانية، بل لسد المديونية العامة التي يدينها لروسيا وإيران، ولقاء مساعدتهما له خلال السنوات الماضية، إذ إنه يتبع استراتيجية واضحة في سد العجز غير التمويل بالعجز.

ويرى المحلل الاقتصادي خالد تركاوي أن النظام لا يملك سوى رهن أو بيع ممتلكات الدولة لروسيا وإيران، اللتين استولتا عمليًا على جزء واسع من الاقتصاد السوري، وتطالبان الأسد بديونه، وهو بدوره لا ينظر إلا إلى الفائدة السياسية التي يحققها منهما، على الرغم من العقوبات الأمريكية على النظام التي يفترض أن تطال كل من يستثمر معه في قطاع الطاقة والحرب والمسائل الأمنية والاتصالات والتقنيات حتى لو كان أمريكيًا.

ويعتبر وزير الاقتصاد في “الحكومة السورية المؤقتة”، عبد الحكيم المصري، أن العقود التي يوقعها النظام مع الحلفاء هي عقود “إذعان”، ولن يستفيد البلد منها إطلاقًا، فعقد “عمريت” للفوسفات بين النظام وروسيا، يستفيد منه النظام بنسبة 30% فقط، ما ينعكس سلبًا على سوريا، لأن الفوسفات سيكون بيد روسيا، وتصبح سوريا بلدًا مستوردًا للفوسفات بعد أن كانت مصدّرة.

بالإضافة إلى أن الاستثمار يجري بعد تسريح العمال في المنشآت المتفق عليها، كما حدث في ميناء “طرطوس” الذي كان يعمل فيه قرابة الخمسة آلاف موظف وسُرّح نصفهم تقريبًا، وبالتالي فالطريقة الحالية للاستثمارات لها انعكاسات سلبية، برأي المصري، إذ سترفع مستوى البطالة وتزيد حالات تسريح اليد العاملة السورية.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة