ع ع ع

توجهت أنظار السوريين إلى مدينة كوبلنز الألمانية لمراقبة نتيجة المحاكمات التي تجريها “المحكمة الإقليمية العليا” بالاستناد إلى “الولاية القضائية العالمية”، ضد العنصر السابق في المخابرات العامة إياد الغريب، والتي أصدرت حكمها بحقه في 24 من شباط الماضي، بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف السنة (قابلة للاستئناف)، لإدانته بالتواطؤ في ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.

نتيجة الحكم التي انتظرها كثيرون جاءت مخيّبة لآمال البعض الذين اعتبروا أن الحكم مخفف، وأن إياد الغريب يستحق السجن مدة أطول لكونه جزءًا من المنظومة الأمنية التابعة للنظام السوري الضالعة باعتقال وتعذيب مدنيين ومتظاهرين سلميين.

بينما رأى آخرون أن الحكم تعسفي، لأن إياد انشقّ عن النظام منذ بداية الثورة السورية، وساعد معتقلين خلال الفترة التي قضاها في الفرع “40” قبل انشقاقه.

أما الفريق الثالث فرحب بالحكم الذي وصفه بـ”المنصف”، لأنه يشكل إدانة لجرائم النظام السوري ككل بحق المعتقلين، وليس فقط لشخص إياد، ولكون المحكمة راعت جميع إجراءات المحاكمة العادلة.

تستعرض عنب بلدي في هذا الملف وجهات نظر مختلفة لحقوقيين سوريين قريبين من أوساط المحاكمة، وقانونيين، وعاملين مع مجتمعات الناجين والناجيات من سجون النظام، حول الحكم الصادر بحق إياد الغريب في محكمة “كوبلنز”، وتناقش معهم الأثر الذي يمكن أن تتركه المحاكمة على مسارات العدالة المستقبلية في سوريا. 

المتهم إياد الغريب خلال جلسة في محكمة “كوبلنز” بألمانيا (DW)

أُدين إياد (44 عامًا) لمشاركته في اعتقال 30 متظاهرًا على الأقل في أثناء احتجاجات بمدينة دوما بريف دمشق عام 2011، وتسليمهم إلى الفرع “251” المعروف بـ”الخطيب” حيث تعرضوا للتعذيب.

وطالب المدعون بالحكم على إياد بالسجن لمدة خمس سنوات ونصف السنة، وفقًا للمادة “7” الفقرة “1” الرقم “5” و”9″ من “القانون الجنائي الدولي”، بينما طلب محامي الدفاع إخلاء سبيل موكله ورفع الأمر بالحبس الاحتياطي، بحجة أنه كان مجبرًا على تنفيذ الأوامر.

عائلة إياد: سنطعن بالحكم

ابن عم إياد الغريب وشقيق زوجته مهدي الناصر، 2021، تعديل عنب بلدي.

مهدي الناصر ابن عم إياد الغريب وشقيق زوجته

ابن عم إياد وشقيق زوجته مهدي الناصر، عبّر عن صدمة العائلة بالقرار الصادر، الذي وجدته غير عادل و لا يستند إلى أدلة واقعية.

وقال، في حديث إلى عنب بلدي، “لدينا إيمان أن انشقاق هذا الرجل من بدايات الثورة يعني أنه لم يقبل بجرائم النظام، أو أن يكون محسوبًا عليها، بالتالي نحن نرفض الحكم الصادر بحقه، ولدينا إيمان بأنه بريء”.

ولفت إلى أن تعليل الحكم ليس منطقيًا، لأنه لم يستند إلى شهود ضده، أو فيديوهات وصور تثبت تورطه، بل تمت إدانته بناء على شهادته، التي تم أخذ جزء منها فقط، لعدم تمكن المحققين من إثبات الجزء الآخر، بحسب قولهم.

وأكد مهدي أن العائلة ستواصل المحاولة قانونيًا للدفاع عن فكرة أن إياد رفض أن يكون محسوبًا على النظام منذ عام 2011، وستحاول من خلال محامي الدفاع الاستئناف والنقض، وتقديم أدلة جديدة على أمل أن تتمكن من إثبات براءته. 

ولد إياد الغريب عام 1976 في مدينة موحسن بمحافظة دير الزور، وتلقى فيها تعليمه حتى المرحلة الثانوية.

تطوع في المخابرات السورية عام 1996، وتنقل بين عدد من الأفرع الأمنية، كان أولها الفرع “295” التابع لإدارة المخابرات العامة، بمنطقة نجها في ريف دمشق، وبقي فيه حتى عام 2010، بصفة مدرب رياضة. 

نُقل عام 2010 إلى الفرع “251”، وبقي فيه حتى انشقاقه في تشرين الثاني من عام 2011، انتقل بعدها إلى دير الزور ومنها إلى تركيا في عام 2013 ليقيم في أحد المخيمات حتى عام 2016.

وفي عام 2018، لجأ إلى ألمانيا، وحصل على حق اللجوء فيها عام 2019، وهو نفس العام الذي أُلقي فيه القبض عليه، ومثل أمام المحكمة في  نيسان 2020.

 

غياب نظرة استراتيجية للتقاضي

الحقوقي السوري، حسام القطلبي، 2021، تعديل عنب بلدي.

الحقوقي السوري حسام القطلبي

الحقوقي السوري حسام القطلبي، لديه مآخذ على ما تقوم به محكمة “كوبلنز” من تحقيقات في السياق السوري بغض النظر عن الحكم الصادر بحق إياد، ولا يرى في هذا المسار خطوة باتجاه العدالة المرجوة لضحايا إجرام النظام، وفق حديث إلى عنب بلدي. 

إذ يعتبر أن “كوبلنز” محكمة محلية في مدينة غربي ألمانيا، ربما لم تنظر أو تعالج سابقًا قضايا مماثلة، وليس لديها اطلاع واسع على السياق السوري قبل الثورة وبعدها، وهي لا تملك وصولًا إلى بيانات رسمية خاصة بالدولة والأجهزة السورية، والتي من المفترض أن يكون لها دور رئيس في تدقيق الأدلة وادعاءات الشهود، إنما استندت إلى أقوال الشهود، وتوثيقات منظمات سورية ودولية، “هي على أهميتها شديدة الضحالة بالمقارنة مع أدلة وسجلات الدولة الرسمية”، بحسب تعبيره. 

وأضاف أنه لا ملكية سورية لمسار كهذا، ولا سلطة لأي جهة وطنية سورية على ملفات القضية التي تُدار كليًا من قبل جهات ألمانية، ويقتصر دور السوريين فيها على جمع الشهود المحتملين، ووضعهم على تواصل مع المنظمة الدولية المعنية أو الادعاء الألماني.

وعلاوة على ذلك، لا يأتي سياق الدعوى ضمن نظرة استراتيجية متكاملة للعدالة، من شأنها تعريف المجرم والضحية، وتحديد العقوبات والتعويضات المناسبة التي تنصف الضحايا وذويهم وتقتص من المجرمين، مع إلحاق أقل أذى ممكن بالمستقبل وحياة الأجيال المقبلة في سوريا بهدف تشكيل قطيعة إيجابية مع الماضي الدموي، وفق القطلبي. 

إذ يجب أن تتضمن هذه النظرة الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف سنتعامل مع المنشقين؟ هل ستتم محاكمة المنشق بغض النظر عن رتبته أو دوره داخل أجهزة النظام؟ هل سيتم التساهل مع من يقدم معلومات تفيد الأجهزة القضائية في عملها؟ 

ويرى القطلبي أن ما يجري في “كوبلنز” يشبه “خطوات اعتباطية تحاكي عدالة مفترضة في سياق إحدى أكبر وأخطر (جرائم الحرب) والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، وهو يهدد بإلحاق بالغ الضرر على أي مسار لاحق ممكن للعدالة من خلال إعطاء الجمهور السوري المعني توقعات غير واقعية عن المسار، وتقديم بديل سهل وغير مكلف لملف العدالة على طاولة أي حل سياسي أو انتقال ممكن في سوريا مستقبلًا”.

أشار فريق الدفاع إلى عدم وجود سوابق قضائية مشابهة على الإطلاق لقضية إياد، وأن القرار بحقه هو الأول من نوعه في العالم بشأن متهم بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” قادم من سوريا، “وهو ما دعا الادعاء إلى التخبط في تقدير العقوبة”، وفق قوله.

وأكد محامي الدفاع أن إياد لم يبقَ مع المخابرات السورية بعد بدء الثورة لاعتقال المتظاهرين وتعذيبهم، بل كان الخيار الوحيد المتبقي أمامه هو البقاء عدة أشهر حتى تأمين سفره مع عائلته، فلو أنه لم يغادر وعصى أوامر رؤسائه كان سيتعرض للقتل لا محالة، ولو انشق وسافر على الفور كان  سيعرّض حياة عائلته للخطر.

وطالب الدفاع بتخفيف العقوبة نظرًا إلى اعترافات المتهم، ومساعدته في إيضاح الجرائم المرتكبة من خلال إدلائه بالكثير من التفاصيل حول كيفية الاعتقال وأساليب التعذيب المستخدمة في فرع “الخطيب”، وتقديم معلومات مهمة حول المتهم أنور رسلان، ساعدت الادعاء العام على رفع دعوى ضده.

وأشار المحامي إلى أنه لو كان هو من يلقي خطابًا للمطالبة بحكم ضد موكله لكان طالب بمدة لا تتجاوز السنتين، وهي نفس المدة التي قضاها إياد في السجن على ذمة التحقيق حتى الآن، لكنه طالب بإخلاء سبيل موكله نظرًا إلى جميع ما تقدم.

جلسة محكمة ألمانية في “كوبلنز” لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية- 23 من نيسان 2020 (AFP)

دور محدود للمحكمة جرى تضخيمه 

دياب سرية مؤسس شريك في "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا"، 2021، تعديل عنب بلدي.

دياب سرية مؤسس شريك في “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”

دياب سرية، وهو مؤسس شريك في “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”، يشترك مع القطلبي في المخاوف المتعلقة بمستقبل العدالة في سوريا بظل التركيز الكبير على المحاكمات الجارية في “كوبلنز”، ويرى أن دور المحكمة جيد لكنه محدود، وقد حُمّلت أكثر مما تحتمل من خلال تضخيم نتائجها ووصف الحكم الصادر بحق إياد بـ”التاريخي” من قبل حقوقيين سوريين وبعض الجهات الدولية.

وأشار سرية، في حديثه لعنب بلدي، إلى أن تضخيم القضية، ووصف المحاكمة بأنها ضد نظام بشار الأسد ككل، وستحقق العدالة لكل السوريين، أساء لمشاعر الضحايا وعذاباتهم من خلال بيعهم أملًا كاذبًا، “فالعدالة التي حققتها المحكمة لم تشمل جميع السوريين، إذ إن فرع (الخطيب) لا يُختصر بأنور رسلان وإياد الغريب، وهو جزء من منظومة أسدية كبيرة للقتل والتعذيب لا تكفيها محاكمة واحدة، وهنا تكمن الخطورة”.

ويعتبر سرية أن هذه المحكمة قسّمت السوريين ومجتمعات الضحايا، مع وجود تيارين ضمن الجو العام، الأول يقول إنها محاكمة للنظام ولمرتكبي التعذيب في سوريا، والثاني يراه مسارًا جيدًا لكنه غير كافٍ ولا يرضي طموحات مجتمعات الناجين والناجيات، لافتًا إلى أن جزءًا من هذا الانقسام ربما يكون صحيًا لأنه يفتح نقاشًا حقيقيًا حول مفهوم العدالة، لكنه عبّر عن تخوفه من أن يصبح أنور رسلان وإياد الغريب “كبش فداء” لموضوع العدالة بسوريا، وأن تختصر الدول الإقليمية والكبرى مسار العدالة بالمحاكمات المتوفرة الحالية، وتنسى شأن إنشاء محكمة خاصة بسوريا على غرار ما حدث في رواندا ويوغسلافيا سابقًا، مؤكدًا ضرورة تذكير الدول بمسؤوليتها على الدوام.

من جانب آخر، لفت سرية إلى أن الاطلاع على تفاصيل ما يجري داخل المحكمة انعكس بشكل إيجابي على مجتمعات الضحايا، إلا أنه تحدث عن شحّ في المعلومات المتوفرة لدى السوريين عن هذه المحاكمة، منتقدًا الأداء الإعلامي المرافق لها، واقتصار وسيلتين على تغطية جميع التفاصيل المتعلقة بها. 

وصف وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، القرار الصادر بحق إياد الغريب بـ”التاريخي”، مشيرًا إلى أنه يحمل معنى رمزيًا رفيعًا لكثير من الأشخاص. 

وقال في بيان، إن “القرار يعد الأول الذي يأخذ في الحسبان المسؤولين عن التعذيب في سوريا، ويضمن على الأقل بعض العدالة”.

ووصفت الخارجية الأمريكية إدانة إياد بأنها أول إدانة على الإطلاق لمسؤول سابق في النظام السوري بهذه التهمة.

وأثنت على ألمانيا لاتخاذها هذه الخطوة، واتهمت غريب بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.

كما وصفت الخارجية البريطانية الحكم على إياد، بأنه “تاريخي”، وأنه أول حكم قضائي على الإطلاق بشأن التعذيب الذي ترعاه الدولة من قبل نظام الأسد في “كوبلنز”، لإدانته إياد بالتواطؤ بجرائم ضد الإنسانية في سوريا، متمنية أن يكون بداية طريق إلى العدالة للسوريين.

ورحبت الأمم المتحدة  من جهتها بجهود المحكمة الألمانية، مشيرة إلى تقارير اللجنة الثلاثية في محاكمة “كوبلنز”.

 

خطوة على طريق العدالة

مديرة "رابطة عائلات قيصر" وإحدى مؤسسيها، مريم الحلاق، 2021، تعديل عنب بلدي.

مريم الحلاق، مديرة “رابطة عائلات قيصر” وإحدى مؤسسيها

وبالحديث عن نظرة مجتمعات الضحايا للمحاكمات الجارية في “كوبلنز”، نجد رأيًا مغايرًا لرأي سرية لدى مديرة “رابطة عائلات قيصر” وإحدى مؤسسيها، مريم الحلاق، التي علّقت على الحكم الصادر بحق إياد بالقول، “إن إدانة أحد أزلام النظام هو إدانة للنظام بأكمله من رأس الهرم حتى أصغر مجرم في قاعدته”.

وأضافت، في حديثها إلى عنب بلدي، أنها لم تهتم بماهية العقوبة أو عدد السنوات التي سيقضيها في السجن، بل يكفيها مجرد إدانته. 

وأكدت الحلاق أهمية المحاكم الجارية في أوروبا على مسار العدالة في سوريا، إذ إنها ستوفر وثائق وأدلة ثابتة يمكن الاستفادة منها عندما يحين موعد مقاضاة المجرمين في “محكمة الجنايات الدولية”، وتشكل جميعها خطوات صغيرة نحو العدالة المرتقبة لسوريا. 

تمثلت مهمة إياد الرئيسة في أثناء عمله بقسم “الأديان” في فرع “الخطيب”، بالتجسس على أئمة المساجد وكتابة التقارير الأمنية، وخاصة أيام الجمعة التي كانت تنطلق فيها المظاهرات، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى اعتقال متظاهرين سلميين، وفق ما أشار إليه المدعي العام.

أما تهمته الرئيسة فجاءت بناء على شهادة أدلى بها أمام “المكتب الاتحادي للهجرة” (بمقابلة اللجوء)، والشرطة الاتحادية، عندما تم استدعاؤه كشاهد في قضية ضابط المخابرات السابق المتهم أنور رسلان، تحدث خلالها عن حادثة إطلاق نار على مظاهرة خرجت أمام الجامع “الكبير” في مدينة دوما، في أيلول أو تشرين الأول من عام 2011، إذ تجمّع عناصر أمن يتبعون لفرع “40”، وبينهم إياد، بحضور رئيس الفرع، حافظ مخلوف، الذي أطلق النار على المتظاهرين السلميين موقعًا ثلاث ضحايا.

ورغم عدم مشاركة إياد بإطلاق النار، أسهم في اعتقال ما لا يقل عن 30 متظاهرًا، تم اقتيادهم إلى فرع “الخطيب”، حيث كانوا سيتعرضون للتعذيب وربما القتل، بحسب المدعي العام.

واستند الادعاء إلى شهادة إياد التي أكد خلالها أنه كان قادرًا على سماع أصوات تعذيب المعتقلين حتى من “الكافيتيريا” التابعة للفرع، وهو ما جعله يصر على أن المتهم كان على دراية بما يحدث هناك، ومع ذلك سلّم 30 متظاهرًا سلميًا، ويعتبر الادعاء أنه كانت لدى إياد فرصة للانشقاق عن المخابرات خلال المظاهرة، إلا إنه لم يفعل.

وحمّل المدعي العام إياد المسؤولية عن عمليات التعذيب الممنهجة ضد المعتقلين في فرع “الخطيب” في أثناء وجوده، والتي أكدتها تقارير أممية وشهادات مدّعين وخبراء، بما فيها شهادة “حفّار القبور”.

رئيسة جلسة المحكمة، آن كيربر، تجلس في قاعة محكمة “كوبلنز” العليا في أثناء محاكمة ضابطي مخابرات سوريين سابقين متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في أول محاكمة من نوعها تنبثق عن النزاع في سوريا- 4 من حزيران 2020- مدينة كوبلنز غربي ألمانيا (فرانس برس/ توماس لونيس)

الانشقاق لا يُعفي من العقوبة

المحامي إبراهيم القاسم، 2021، تعديل عنب بلدي.

المحامي إبراهيم القاسم

عضو مجموعة “ملفات قيصر”، و”المركز الأوروبي للدستور وحقوق الإنسان”، المحامي إبراهيم القاسم، يتفق مع الحلاق باعتبار الحكم الصادر بحق إياد خطوة أولى على طريق العدالة الطويل.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أشار إلى أن إدانة إياد ستسهم في بناء أرضية للمحاسبة، إضافة إلى أن الحكم تضمن صورة واضحة وشاملة عن منظومة الحكم في سوريا، فعندما كانت القاضية تتحدث عن حيثيات القرار، روت السياق التاريخي للحكم في سوريا، وكيف أنه قائم على القمع والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان.

واعتبر القاسم أن الجدل الدائر في الأوساط السورية حول شخص إياد، والعقوبة الصادرة بحقه، مفهوم في المرحلة الحالية، لكن يجب النظر إلى القضية من خلال وجود ضحايا لهم حقوق، ومن ثم إلى الأشخاص الذين قاموا بانتهاك هذه الحقوق من حيث رتبتهم ومكانتهم وانتماءاتهم، لتحديد ما سيكون عليه الحكم، وهل هو مشدد أو مخفف كما حدث مع قضية إياد بمحكمة “كوبلنز”.

وأضاف القاسم أن انشقاق إياد بداية 2012 لا يمكن اعتباره سببًا لإعفائه من العقوبة أو تخفيفها حسب ما جاء في قرار المحكمة، لأنه وفقًا لقناعاتها كان يمكن أن يقوم به بوقت أبكر وأن يجد حلولًا بشكل أسرع، وما كان سببًا لتخفيف العقوبة هو تعاونه مع القضاء وإعطائه معلومات.

 

أصدر “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” بيانًا بخصوص الحكم، قال فيه، إن قرار الإدانة “ليس إلا مجرد بداية، والتي ستؤدي في النهاية إلى الاعتراف بمعاناة الشعب السوري الطويلة، وإرساء السلام في سوريا”.

وأضاف المركز أن “ما تحقق هو سابقة لم يكن لأحد أن يتخيل إمكانية حدوثها، ولا يسعنا هنا إلا أن نعيد تأكيد دعمنا لما سيأتي بعد ذلك”.

وقال مدير المركز، مازن درويش، إن “الحكم ليس مجرد لائحة اتهام للمتهم إياد، إنما هو لائحة اتهام قضائية لجميع الأجهزة الأمنية في سوريا، وجميع الانتهاكات التي ارتكبتها، وما هذه إلا مجرد البداية”.

كما شدد البيان على ضرورة توسيع صلاحيات الأجهزة القضائية ذات الاختصاص العالمي، وعلى “أهمية بذل جهود دولية أكثر وضوحًا نحو آليات دولية لتقديم جميع مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا من قبل جميع الأطراف إلى العدالة”.

رسالة إلى مجرمي الحرب 

مدير "المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية"، أنور البني، 2021، تعديل عنب بلدي.

أنور البني، مدير “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”

مدير “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”، أنور البني، وصف قرار الحكم ضد إياد بـ”التاريخي”، لأن حيثياته تطال النظام السوري برمته بجميع أركانه وشخصياته.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أشار إلى أن الحكم الصادر يوجه رسالة لجميع مجرمي الحرب في سوريا مفادها أن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، ولا مكان آمنًا للفرار إليه.

وأوضح أن محاسبة إياد لم تأتِ لقيامه بجريمة فردية، بل لكونه جزءًا من آلية منظمة تقوم باعتقال المدنيين وتعذيبهم وقتلهم.

واعتبر في بيان أصدره المركز أن تأثير تحقيق العدالة في سوريا سيكون له صدى عالمي، كما سيحمي حياة عشرات الملايين المعرّضين لمواجهة مصير مشابه لما مرّ به السوريون.

محكمة نزيهة راعت إجراءات المحاكمة العادلة

المحامية السورية والزميلة الباحثة ببرنامج الجرائم الدولية والمحاسبة في "المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان"، جمانة سيف، 2021، تعديل عنب بلدي.

جمانة سيف، محامية سورية وزميلة باحثة في برنامج الجرائم الدولية والمحاسبة في “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان”

المحامية السورية والزميلة الباحثة ببرنامج الجرائم الدولية والمحاسبة في “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” جمانة سيف، اعتبرت من جهتها أن الحكم منصف ومعقول، لأنه اعتراف بالضحايا والجرائم التي تعرضوا لها من جهة، ولكونه راعى جميع حيثيات القضية، ومن ضمنها انشقاق إياد والمعلومات التي أدلى بها من جهة أخرى.

ولفتت سيف، في حديث لعنب بلدي، إلى أن المحكمة تصرفت بمهنية ونزاهة، وقد جاء الحكم بعد التدقيق والتمحيص، وإثبات الوقائع والحقائق على ما يُرتكب في الأجهزة الأمنية وبالذات في فرع “الخطيب”، بالإضافة إلى أنها راعت جميع إجراءات المحاكمة العادلة، بما في ذلك تأمين محامين للمتهم الذي كان بوسعه تقديم طلباته، إذ قدم رسالة توضيحية قُرئت علنًا في المحكمة، وعُرضت على الشاشة باللغتين العربية والألمانية، وما زالت لديه فرصة استئناف الحكم.

وعن الآليات التي اعتمد عليها القضاء بالحكم، أوضحت سيف أن المحكمة نظرت بلائحة الاتهام التي أعدها المدعي العام الألماني وجاءت كثمرة جهود ونتائج طويلة من التحقيقات وبناء قاعدة بيانات لمعرفة حقيقة ما يجري بسوريا وتحديدًا في المعتقلات، إلى جانب شهادة المتهم واعترافاته، مشيرة إلى أن جميع ما سبق جعل الإدانة تتركز على الجرائم التي نُسبت إلى المتهم، وهي الاشتراك والتحريض على ارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.

وعندما نظرت المحكمة بالتهم الموجهة لإياد دققت بجميع التفاصيل والأدلة والإسنادات، واستعرضت التحقيقات الجارية معه، واستمعت إلى المحققين، وخلصت إلى أنه مذنب باشتراكه بـ”جرائم ضد الإنسانية” منذ عام 2011، وبالذات بإسهامه باعتقال مدنيين في منطقة دوما، وأخذت المحكمة بعين الاعتبار جميع حيثيات وظروف القضية، بما فيها انشقاقه وإحساسه بالندم ولذلك جاء الحكم مخففًا، لأنه كان يمكن أن يصل إلى السجن لمدة 15 سنة.

وثائق في محاكمة "كوبلنز" الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا غربي ألمانيا- 3 من أيار 2020 (فرانس برس)

وثائق في محاكمة “كوبلنز” الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا غربي ألمانيا- 3 من أيار 2020 (فرانس برس)

ترى سيف أن الوقائع والحقائق والأدلة التي قُدمت سواء عبر شهادات الخبراء أو الوثائق والدراسات حول تاريخ نظام الأسد وممارساته، والدراسة التي أُجريت حول صور “قيصر” وتحليلاتها، ستكون كلها متاحة للاستخدام في تقاضٍ آخر سواء داخل ألمانيا أو في أوروبا أو حتى على صعيد العدالة الانتقالية مستقبلًا.

وأشارت إلى أن ما كُشف عنه علنًا بوثائق قضائية أسهم بلفت أنظار العالم مرة أخرى نحو جرائم الأسد وما يرتكب بأفرع المخابرات السورية، والتركيز بشكل أكبر على قضية العدالة، كما أغلق الطريق أمام التطبيع المستقبلي مع نظام الأسد.

وعبّرت سيف عن أملها بأن تشجع محاكمات “كوبلنز” دولًا أوروبية أخرى تجري فيها تحقيقات، وتحتضن أعدادًا كبيرة من السوريين، على تكثيف هذه التحقيقات وإعطائها اهتمامًا أكبر لكي يتم الدفع بها وتسهم بإظهار المزيد من الحقائق، وأن تشهد “الولاية القضائية العالمية” مزيدًا من التفعيل، كما تمنت أن تقوم الدول التي تتابع هذا المسار والمؤمنة بالديمقراطية بالضغط على روسيا والصين لإحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي، وأن يتولد ضغط سياسي يؤدي إلى انفراج بمسارات قضائية ثانية منها “محكمة الجنايات الدولية”.

مقالات متعلقة