اغتيال شخصيات مدنية في درعا يترجم “فقدان الثقة”

رصاص لسلاح رشاش متوسط في مدينة درعا - 28 آذار 2017 (الهيئة السورية للإعلام)

ع ع ع

عنب بلدي – لؤي رحيباني

“اغتيل على يد مجهولين”، تشكل هذه العبارة عنوانًا عريضًا لمسلسل اغتيالات تنام وتستفيق عليه درعا، منذ إعلان “التسوية” بين النظام السوري والمعارضة في 2018.

اللافت في عمليات الاغتيال التي تسجل دائمًا “ضد مجهولين”، أنها لا تستهدف قادة وعناصر منشقين سابقين انضموا إلى “التسوية” فحسب، بل شخصيات مدنية خدمية في مناطق “التسويات”، كموظفي البلديات والمجالس المحلية.

وفي مطلع شباط الماضي، اغتال مجهولون مختار قرية الكرك بريف درعا الشرقي، جهاد سلطان النعمة، بإطلاق نار مباشر، حسبما أفاد مراسل عنب بلدي.

وذكر “تجمع أحرار حوران”، حينها، أن مختار البلدة تربطه علاقة تعاون مع النظام، وقُتل نتيجة استهدافه بالرصاص في بلدة المسيفرة جنوبي الكرك.

وسبق ذلك، في 7 من كانون الثاني الماضي، اغتيال مجهولين رئيس مجلس مدينة جاسم في ريف درعا الشمالي، المهندس راضي الجلم.

وأفاد مراسل عنب بلدي في درعا، حينها، أن الجلم قُتل في منطقة تخضع للسيطرة الكاملة لقوات النظام، ولم تسيطر قوات المعارضة من قبل على البلدة ذات الأغلبية المسيحية.

وسجل “مكتب توثيق الشهداء في درعا” مقتل 19 شخصًا من أبناء محافظة درعا، خلال شباط الماضي، من بينهم 14 قُتلوا في استهداف مباشر بالرصاص وإعدام ميداني، أحدهم طفل.

كما وثق المكتب ذاته 36 عملية ومحاولة اغتيال، في شباط الماضي، أدت إلى مقتل 20 شخصًا وإصابة 12 آخرين، بينما نجا أربعة أشخاص من هذه العمليات. واستثنيت من هذه الإحصائية الهجمات التي استهدفت حواجز وأرتال قوات النظام.

ولا تتبنى عمليات الاغتيال أي جهة، باستثناء بعض العمليات التي يتبناها تنظيم “الدولة الإسلامية”.

اغتيالات يترجمها غياب الثقة

يرى الباحث السياسي العسكري عبد الوهاب عاصي، في حديث إلى عنب بلدي، أن استهداف رؤساء البلديات والموظفين، يندرج ضمن إطار العمليات الأمنية التي تطال مصالح النظام السوري منذ توقيع اتفاق “التسوية”.

ويعتقد عبد الوهاب أن ارتفاع وتيرة الاستهداف ناتج عن غياب الثقة بين النظام السوري وحلفائه وبين السكان المحليين وفصائل “التسوية”، مشيرًا إلى أن النظام منذ 2020، يسعى لتوقيع اتفاقيات “إعادة التسوية” التي تهدف إلى استعادة مفهوم السيادة بشكل كامل بما فيه استعادة دور ومكانة المراكز الحكومية.

ورجح وقوف “فصائل التسوية وربما السكان المحليين” خلف الاغتيالات، معللًا ذلك بحالة الإحباط وعدم الثقة باتفاقيات “إعادة التسوية” وبالوساطة التي تقدمها روسيا.

استهداف موجه يحمل رسائل

“يحاول النظام السوري استعادة هياكل مؤسسات الدولة من مراكز حكومية وأجهزة عسكرية وأمنية، لكن يبدو أن العمليات الأمنية ضده تهدف إلى تقويض هذه الاستراتيجية”، قال الباحث السياسي العسكري عبد الوهاب عاصي لعنب بلدي.

وأوضح عبد الوهاب أن استهداف رؤساء البلديات والموظفين يعكس رغبة في تقويض قدرة النظام السوري على تقديم الخدمات والوصول إلى السكان، معتبرًا أن رؤساء البلديات والمخاتير كانوا يؤدون دور الوسطاء المحليين الذين انهارت سلطتهم ومكانتهم مع اندلاع النزاع في البلاد لمصلحة وسطاء آخرين يدينون بالولاء للمعارضة السورية.

عبث دولي.. وتكريس لفكرة “لا بديل عن الأسد”

حرص اتفاق “إعادة التسوية” غربي درعا على نقطة رئيسة، وهي إنهاء أي فرصة لفصائل “التسوية” باستهداف مصالح إيران.

وقال الباحث السياسي العسكري، “تُشكل إيران أنشطة ومساعي جنوبي سوريا لتعزيز وجودها العسكري عبر الانتشار في ريف درعا الغربي، بما يضمن لها تأمين خطوط الإمداد، الذي اقتضى توقيع اتفاق إعادة التسوية”.

ويرى أنه لا يبدو أن هناك رضا من فصائل “التسوية” والسكان المحليين عن مساعي روسيا التي تحاول إظهار دور الوساطة، مستدركًا أن ذلك يُشكل غطاء للنظام السوري وإيران في عملياتهما العسكرية والأمنية.

وكانت “اللجنة المركزية” في درعا والنظام السوري، بحضور وفد روسي، توصلا لاتفاق، في 8 من شباط الماضي، يهدف إلى إنهاء التوتر القائم غربي المحافظة.

ونقل مراسل عنب بلدي عن “اللجنة المركزية”، حينها، أن اجتماعًا مشتركًا بين “اللجنة” والنظام أفضت نتائجه إلى موافقة الطرفين على منع حدوث تهجير لأبناء محافظة درعا إلى الشمال السوري، والاكتفاء بخروج المطلوبين من المنطقة الغربية بكفالة عشائرهم مع بقائهم داخل المحافظة.

ونص الاتفاق، بحسب “اللجنة”، على السماح لقوات “الفرقة الرابعة” بتفتيش عدد من المزارع الجنوبية لمدينة طفس، بحضور أبناء المنطقة، لضمان عدم حدوث أي انتهاكات بحق المدنيين وممتلكاتهم.

وقضى الاتفاق أيضًا بتسليم “مضاد طيران 14″، اُستخدم في الخلافات بين عشيرتي “الزعبي” و”كيوان”، وتسليم “المقرات الحكومية”.

وشهدت مدينة طفس استقدام النظام تعزيزات عسكرية إلى محيطها، حيث خيّر النظام، حينها، أشخاصًا في المدينة بين تسليم أنفسهم لقواته أو الترحيل إلى مناطق سيطرة المعارضة شمالي سوريا، وأعطاهم مهلة حتى العاشرة من صباح 25 من كانون الثاني الماضي.

وجرت وقتها اشتباكات نتيجة محاولة قوات النظام اقتحام المدينة، إلا أن عناصر من البلدة أوقفوا المحاولة، واستعادوا النقاط التي تقدمت إليها، موقعين قتلى بين عناصرها، في 24 من كانون الثاني الماضي.

خطة ممنهجة لخلق الفوضى؟

من جانبه، يرى المحلل السياسي نصر الدين الفروان (من أبناء درعا)، في حديث إلى عنب بلدي، أن “عمليات الاغتيال تقوم بها أطراف متنوعة، منها يقف وراءها النظام السوري والميليشيات الإيرانية، وبعضها بإيعازات دولية”.

وأما ما يتعلق باغتيال الموظفين الحكوميين، فأرجعه الفروان إلى “المقاومة الشعبية غير المنظمة والتي ليست لها مرجعية”، موضحًا أن هناك خطة ممنهجة في المنطقة الجنوبية تهدف إلى خلق الفوضى لإثبات فشل الإدارة والنزاع العشائري في المنطقة.

ويرى الفروان أن كل طرف يرى بالفوضى ضرورة له، “فمصلحة القوى الدولية بث الفوضى ليكون لديها مبرر للتدخل، وكذلك مصلحة النظام إيهام الناس أنه المخلص الوحيد عبر سيطرته الأمنية”.

“البعثية” تجلب “المافيوية”

كذلك من أسباب عمليات الاغتيال التي تطال شخصيات مدنية في هذه المحافظة، “العقلية البعثية” القائمة على الصراع لنيل المناصب.

وقال الصحفي السابق في وكالة “يقين” للأنباء أنور الحريري، لعنب بلدي، إن رؤساء البلديات هم من “البعثيين” ذوي السمعة السيئة ومن الموالين للنظام، ما سبب أحقادًا لدى سكان مناطق درعا على هؤلاء الموظفين.

وعلل الحريري ذلك، بأن انتماء رؤساء البلديات لحزب “البعث”، وكتابة التقارير الكيدية التي يراد منها تسلّم مناصب عليا في البلديات كرئاسة البلدية، خلّفت أحقادًا لدى سكان المنطقة الجنوبية ومنافسة على المناصب.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة