ثلاثة أسباب خلف انهيار الليرة السورية.. “الحكومة” تقاوم بالتصريحات

صورة تعبيرية لطوابير المواطنين السوريين مرفقة بالعملة السورية الجديدة بقيمة 5000 ليرة (تعديل عنب بلدي)

ع ع ع

يعكس تدهور الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي بشكل متسارع، عمق الأزمة الاقتصادية التي زادت أسعار السلع الأساسية لهيبًا، وسط عجز عن إيجاد علاج سريع وفعال لهذا المأزق.

وبحسب موقع “الليرة اليوم” الذي يتابع حركة العملة السورية مقابل العملات الأجنبية، سجل سعر صرف الليرة السورية في دمشق مقابل الدولار الواحد، اليوم الأحد 7 من آذار، 4000 ليرة سورية، وفي محافظة حلب 3980 ليرة لقاء الدولار الواحد.

ومع هذا الهبوط للعملة السورية، ما الأسباب المباشرة التي تقف خلف ما يجري؟ وهل الأسباب التي يرددها الإعلام الرسمي حقيقية؟ وماذا يلوح في أفق الليرة السورية؟ وما الخطوات التي قد تقدم عليها حكومة النظام السوري لكبح هذا التدهور؟

تضخم وخوف

السبب الأساسي خلف تدهور سعر الصرف هو التضخم بوتيرة أكبر من البلدان الأخرى، والذي يجلب معه حالة نفسية سيئة لدى الناس تؤثر على حركة العملة.

وأوضح الباحث الاقتصادي كرم شعار، في حديث لعنب بلدي، أن ازدياد الفارق بين العملة المحلية والعملات الأجنبية، أدى إلى ارتفاع أسعار المنتجات وانخفاض القوة الشرائية في سوريا، وبالتالي أدى إلى تدهور سعر الصرف بشكل كبير.

وعندما طرحت حكومة النظام السوري فئة الـ5000 من العملة، زعمت أن هذه الخطوة سيتخللها “سحب العملات المكافئة المهترئة”.

لكن الباحث الاقتصادي قال، “لنفرض أنه بالفعل حدث وسحبت الحكومة المكافئ، فبمجرد شعور الناس أن طباعة هذه الفئة هو بسبب تضخمي، سينعكس على سلوكها الشرائي”، مبينًا أن الناس تتصرف بناءً على قناعتها وليس بناءً على الواقع.

وكانت وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي، صرحت لإذاعة “المدينة” المحلية، أن طرح عملة الـ5000 “لن يحمل أثرًا سلبيًا كبيرًا في حال ترافق مع سحب الأوراق النقدية القديمة والتي فقدت قيمتها بشكل كبير، ولكن المشكلة تكمن في طرحها دون إيجاد حلول لمشكلة التضخم وتدهور القيمة الشرائية”.

وفي رد على سؤال حول علاقة الانخفاض الأخير بالأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية في لبنان، قال شعار، “أزمة لبنان الاقتصادية انعكست بشكل سلبي على الاقتصاد السوري في السنة الماضية أيام أزمة المصارف، إلا أنها لم تعد تؤثر في الوقت الحالي في اقتصاد سوريا كما الماضي بعد انفصالهما”.

وكان رئيس النظام السوري بشار الأسد، عزا (في تسجيل مصور) السبب الأساسي للأزمة الاقتصادية في البلاد، إلى حجز البنوك اللبنانية لودائع السوريين التي قيمتها مليارات الدولارات.

وقال الأسد، في أوائل تشرين الثاني 2020، إن ما بين 20 و42 مليار دولار من هذه الودائع ربما فقدت في القطاع المصرفي اللبناني، مضيفًا “هذا الرقم بالنسبة لاقتصاد سوريا رقم مخيف”.

وتابع، “الأموال اللي أخدوها وحطوها في لبنان ودفعنا الثمن، وهذا هو جوهر المشكلة اللي ما حدا بيحكي فيه”، وفق تعبيره.

وفي نيسان 2020، قال وزير الاقتصاد السوري السابق وحاكم مصرف سوريا المركزي الأسبق، أديب ميالة، إن مدخرات رجال الأعمال السوريين في لبنان كانت ستُسخّر لمرحلة إعادة الإعمار في سوريا.

وأشار ميالة خلال مقابلة مطولة مع إذاعة “نينار” المحلية بُثت في ذاك الحين إلى “ارتباط وثيق بين الاقتصادين السوري واللبناني على صعيد الأرصدة البنكية والاستثمارات”.

واعتبر ميالة أن الأزمة اللبنانية أثرت بشكل كبير على سوريا من ناحية تجميد الأرصدة السورية في لبنان، خاصة مع التشابك الكبير بين المصارف السورية واللبنانية.

ودفعت عقوبات “قانون قيصر”، النظام السوري إلى الاعتماد بشكل أكبر على السوق اللبناني، كمنفذ حيوي يعد الأقرب جغرافيًا والأكثر ارتباطًا اقتصاديًا وتجاريًا.

وتمر لبنان في أزمة اقتصادية وسياسية عصيبة، منذ انفجار العنبر المليء بنترات الأمونيوم بالعاصمة بيروت، في آذار 2020، والتي أسفرت عن خسائر قدرت بمليارات الدولارات، فضلًا عن مشكلة تشكيل حكومة لبنانية جديدة.

انخفاض الإنتاج وعزلة مع الخارج

بدوره يرى الباحث الاقتصادي في مركز “عمران” للدراسات مناف قومان، أن الأسباب المباشرة تكمن في ارتفاع الأسعار إلى حدود غير مسبوقة، جراء الانخفاض المتزايد في معدلات الإنتاج وعدم القدرة على تأمين المنتجات، لافتًا إلى أن هذا الارتفاع أدى إلى تزايد معدل دوران العملة في السوق.

وترافق ذلك مع طرح النظام لعملة 5000 ليرة كنتيجة لانخفاض العملة المطرد، بحسب قومان، الذي أوضح أن هذا التطور زاد الأمور سوءًا وخفض قيمة الليرة أمام الدولار.

وعدد قومان الأسباب غير المباشرة لتدهور العملة وهي، بحسب وجهة نظره، “العقوبات وأبرزها قانون قيصر، والخلاف بين عائلتي الأسد والأخرس وبين رامي مخلوف، والأزمة الاقتصادية في لبنان، وعجز الموازنة العامة (قطاع الطاقة خصوصًا)، وانخفاض مخزون العملة الصعبة لدى البنك المركزي”.

وكانت حكومة النظام السوري قدرت العجز في الموازنة العامة للدولة للعام 2021 بنحو ثلاثة آلاف و484 مليار ليرة سورية.

وأفادت صحيفة “الوطن” المحلية، مطلع تشرين الثاني 2020، أن عجز الميزانية في العام الحالي بلغ ألفًا و455 مليار ليرة، ويقدر العجز في العام المقبل بنحو ثلاثة آلاف و484 مليارة ليرة سورية، وهي نسبة تقدر بـ71%.

وحينها قدرت الحكومة إجمالي الإيرادات في2021، بمبلغ ستة آلاف مليار ليرة مقارنة بإيرادات العام الحالي، التي قُدرت بمبلغ ألفين و545 مليارًا، بفارق بلغ ثلاثة آلاف و472 مليارًا ما يعادل زيادة بنسبة 136%.

أما إجمالي النفقات في 2021 فقدرت بمبلغ ثمانية آلاف و500 مليار، وقُدرت في العام الحالي بمبلغ أربعة آلاف مليار ما يعادل زيادة بنسبة 113%.

ما مستقبل الليرة؟

يرى الباحث الاقتصادي كرم شعار أن الإجابة على هذا التساؤل صعبة وغير ممكنة، معتبرًا أن التنبؤ بمستقبل الليرة سيكون عبارة عن “مقامرة”.

وأشار شعار، لعنب بلدي، إلى أنه يمكن للبنك المركزي أن يتدخل لضبط الأسعار، وبيع محلات الصرافة للدولار بسعر مدعوم، وقال، “وإن كانوا قادرين عليها (هذه الحلول) ماليًا فسينخفض سعر الصرف”.

من جانبه يذهب الباحث في مركز “عمران”، مناف قومان، إلى أنه باختراق الليرة لحاجز 4000، وعدم تحرك البنك المركزي لحمايتها، “لن يؤدي إلا لارتفاع متزايد في السعر وانخفاض مستمر في قيمة الليرة”.

وأضاف قومان، في حديثه لعنب بلدي، “سنصل لمرحلة لا تعدو فيها الأرقام مهمة، لأن البلد سيتجه مع الوقت إلى الدولرة الكاملة ويصبح التسعير بالدولار”، وفق رؤيته.

وعن خطوات حل الأزمة هذه، تساءل قومان “ماذا فعل النظام أصلًا، عندما اخترقت الليرة حاجز ألف ومن ثم 2000 و3000؟”، مرجحًا ألا يحدث أي تحرك لأن النظام “فاقد للوسيلة ولا يملك سوى التهديد والوعيد”.

“المضاربة”.. اسطوانة مثقوبة؟

كثيرًا ما يلقي مسؤولون اللوم في ارتفاع سعر الصرف على تداول العملات في السوق السوداء، أو ما يسميه الإعلام الرسمي بـ”المضاربة” على الليرة السورية.

وكانت وزيرة الاقتصاد السابقة في حكومة النظام لمياء عاصي، قالت في منشور عبر صفحته في “فيس بوك”، “إلى متى سنبقى ندور حول أنفسنا، ونعلق في فخ المضاربة على العملة الوطنية؟”.

واعتبرت حينها أن “المضاربة”، “تسبب ارتفاع معدل التضخم وبالتالي ارتفاع الأسعار، وتؤثر سلبًا على العملية الإنتاجية، وعلى قيمة الايرادات العامة للدولة، وتآكل مدخرات الأفراد، وينخفض الإنتاج ويرتفع معدل التضخم مرة أخرى”، على حد تعبيرها.

لكن الباحث الاقتصادي كرم شعار شكك في أهمية تداول العملات بتغيير أسعار الصرف، معللًا ذلك بأن تداول العملات ليس متاحًا، وأن التعاملات في السوق السوداء يجرّمها النظام.

ما “المضاربة”؟

وتعرف “المضاربة” على العملة بأنها صيغة تبادل تجري في سوق تداول العملات، وليس لها أي علاقة بحركة المبادلات التجارية (بضائع وخدمات).

يندرج في تفاصيل “المضاربة”، عمليات شراء عملة محددة، مع نية بيعها مجددًا في وقت مؤاتٍ تكون فيه قيمة العملة المشتراة مرتفعة، ما يحقق ربح سريع لصاحبها.

عملية “المضاربة”، لا تقتصر على العملات فحسب، بل تبعد إلى حدود العقارات والعقود الآجلة والمشتقات المالية…، وفق ما أورده موقع “الاقتصاد اليوم”.

تحت خط الفقر

وبحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا، أكجمال ماجتيموفا، يعيش 90% من السوريين في بلادهم تحت خط الفقر.

وكانت المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي، إليزابيث بايرز، التابع للأمم المتحدة، حذرت من أزمة غذاء غير مسبوقة في سوريا، بسبب تفشي فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19).

وقالت المسؤولة الأممية إن تسعة ملايين و300 ألف شخص في سوريا يفتقرون إلى الغذاء الكافي، وأوضحت أن عدد من يفتقر للمواد الغذائية الأساسية ارتفع بواقع مليون و400 ألف خلال الأشهر الستة الأولى من 2020.

وجاءت هذه التحذيرات في وقت كانت قيمة الليرة السورية فيه تعادل 2300 مقابل الدولار الواحد، أي كانت أقوى بقرابة الضعف مما هي عليه اليوم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة