مع تجدد وعود الإفراج.. سماسرة المعتقلين يستغلون الأهالي في درعا

امرأة سورية تمشي بجانب لوحة جدارية لبشار الأسد في دمشق - 2019 (AFP)

ع ع ع

درعا – حليم محمد

ما إن شاع خبر نية النظام السوري الإفراج عن دفعة جديدة من المعتقلين من محافظة درعا، في منتصف شباط الماضي، حتى بدأ السماسرة بالتواصل مع الأهالي اليائسين، لدفع مبالغ لقاء إدراج أسماء أبنائهم ضمن قوائم الإفراج المزمعة.

“صاحب الحاجة أرعن، ومن لديه ابن معتقل مستعد لبيع أملاكه من أجل الإفراج عنه”، قال أحد وجهاء مدينة درعا، متحفظًا على ذكر اسمه لاعتبارات أمنية، لعنب بلدي، مشيرًا إلى ما يدفعه الأهالي من ملايين الليرات السورية، في سبيل خبر أو طمأنة أو ملاحقة لإحدى الإشاعات التي لم تتوقف خلال سنوات الحرب.

إفراج بغاية جمع الأموال

اعتبر المصدر الذي تحدثت معه عنب بلدي، من وجهاء درعا، أن النظام السوري قد يفرج عن عدد من المعتقلين في إطار سعيه لتبييض صورته “السوداء” أمام سكان المحافظة الجنوبية.

“النظام أوعز لعملائه، وشبيحته، تسجيل أسماء من المعتقلين لسببين، الأول جمع أموال طائلة تمكنهم من الصرف على مجموعاتهم، والثاني تحسين صورة الشبيحة، وتلميع مركزهم الاجتماعي لدى الأهالي، لإثبات قدرتهم على التدخل في إدراج الأسماء ضمن قوائم المفرج عنهم”.

وأضاف المصدر أن لهفة الأهالي للإفراج عن أبنائهم، تجبرهم على دفع هذه الأموال، وهذا ما أشار إليه  عضو “اللجنة المركزية” الشيخ فيصل أبازيد، في منشور عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك”، إذ كتب، في 1 من آذار الحالي، “باشر بعض السماسرة بالتواصل مع أهالي المعتقلين، لابتزازهم  في طلب مبالغ كبيرة لوضع أسماء أبنائهم في قوائم المفرج عنهم”.

الإعلامي أحمد شاهين (إعلامي في حوض اليرموك بريف درعا الغربي) قال لعنب بلدي، إن السمسرة تكون من قبل ضباط ومحامين وقضاة عاملين في الدولة، يستغلون الأهالي، مع تحذيرهم بالتكتم على السمسرة، وغالبًا ما يكون الاتفاق بعملة الدولار، أو ما يعادلها بالعملة السورية.

وضرب شاهين مثلًا بما قام به قريب له، دفع مبلغ 400 دولار أمريكي لمحامٍ على صلة  بضابط يخدم في المستشفى “العسكري” ليخبره إن كان المعتقل الذي يخصه في المستشفى أم لا، أو إن كان على قيد الحياة، ودفع قريب آخر مبلغ أربعة ملايين ليرة سورية (ما يزيد على ألف دولار)، من أجل نقل ابنه من سجن “صيدنايا”.

ولكن لم تجدِ تلك المبالغ، لا بتقديم المعلومات المطلوبة ولا بالنقل اللازم من السجن، حسبما قال شاهين، وهي حالة عايشتها كثير من العائلات في المحافظة الجنوبية.

لا توجد إحصائية شاملة عن أعداد من تعرضوا للابتزاز من أهالي المعتقلين، حسبما أوضح عضو “مكتب توثيق الشهداء في درعا” عمر الحريري لعنب بلدي، وهذا “بسبب تكتم الأهالي”، كما قال.

ولكن “مكتب توثيق الشهداء” تواصل مع عدد من أهالي المعتقلين المفرج عنهم من قبل النظام في الدفعة الأخيرة، التي كانت في 8 من شباط الماضي، والذين قالوا إنهم دفعوا مبالغ لإدراج أبنائهم ضمن القوائم، حسبما قال الحريري.

وكذلك ذكر “تجمع أحرار حوران” عبر “فيسبوك“، في 8 من شباط الماضي، بعد الإفراج عن 63 معتقلًا، أن الأهالي دفعوا مبالغ تقدر بملايين الليرات السورية لضباط ومحامين تابعين للنظام السوري.

بلديات تطلب أسماء المفقودين والمعتقلين

طلبت المجالس المحلية بمحافظة درعا، في 3 و4 من آذار الحالي، من أهالي المعتقلين والمفقودين، الحضور لمباني البلديات، أو تسجيل أسماء المعتقلين والمفقودين لدى المختار المعتمد في أحيائهم، وتقديم بيانات تحدد تاريخ الاعتقال، أو انقطاع التواصل مع المعتقل، حسبما رصدت عنب بلدي.

واختلفت طلبات كل مجلس بلدي، إذا طلب بعضها وثائق المعتقلين والمفقودين، وبعضها الآخر طلب، بالإضافة إلى ذلك، وثائق المتخلفين والمنشقين عن الخدمة العسكرية، وبعضها طلب أيضًا وثائق المفصولين عن العمل والمحجوز على أملاكهم، في حين تكفلت “اللجنة المركزية” بمدينة طفس في ريف درعا الغربي بإحصاء أسماء المعتقلين.

“أبو علاء” من سكان مدينة جاسم، تحفظ على ذكر اسمه لاعتبارات أمنية، قال لعنب بلدي، إن هذه هي “المرة الأولى” التي تطلب فيها دوائر النظام قوائم تخص المعتقلين.

وذكر موقع “درعا 24“، أن تعاميم ونداءات انطلقت عبر مكبرات الصوت في مدن نوى وجاسم والحارة وجلين ومساكن جلين وخبب، لضرورة مراجعة المجالس البلدية من أجل توثيق أسماء المعتقلين والمفقودين.

وبرأي الإعلامي أحمد شاهين، فإن الهدف من طلبات المجالس المحلية هو توثيق وتحديث السجلات المدينة، بالإضافة إلى تحديد الأصوات التي يمكنها المشاركة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، التي لم يحدد تاريخها الدقيق بعد ما بين شهري نيسان وأيار المقبلين، مشيرًا إلى أن بلديات قرى حوض اليرموك طلبت وثائق المعتقلين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية والمنشقين والمفصولين عن أعمالهم، بالإضافة إلى المحجوز على أموالهم.

انسوا المعتقلين القدامى

سبق أن افتتحت القوات الروسية، في 7 من حزيران 2020، مركزًا لتوثيق معتقلي محافظة درعا، وطلبت صورة عن هوية المعتقل، مع ذكر مكان وتاريخ الاعتقال، وتحديد الجهة التي اعتقلته.

ورغم الدفعات التي أفرج عنها النظام السوري من المعتقلين، والتي بلغت خمسًا منذ منتصف عام 2019، كان أغلبية المفرج عنهم من المعتقلين بعد اتفاق “التسوية”، الذي ضمنته روسيا بين فصائل المعارضة وقوات النظام، في تموز من عام 2018، والذي تضمن في بنوده الإفراج عن المعتقلين.

وبقي مصير المعتقلين القدامى قبل “التسوية” مجهولًا لدى الأهالي، وما يزيد المخاوف حول مصيرهم هو تصريحات مسؤولي النظام، إذ قال اللواء محمد محلا، في اجتماع مع أهالي مدينة طفس، في آذار من عام 2019، “انسوا المعتقلين قبل عام 2014″، بحجة غياب التوثيق والتنسيق بين الأفرع الأمنية حينها.

كما سبق ذلك التصريح قول رئيس فرع “الأمن العسكري” بدرعا، العميد لؤي العلي، للجنة المفاوضات في آب من عام 2018، “انسوا المعتقلين القدامى، لا نعرف عنهم شيئًا وملفاتهم ليست موجودة”، حسبما قال عضو “مكتب توثيق الشهداء في درعا” عمر الحريري، مشيرًا إلى أن أولئك المعتقلين من الناحية القانونية تحولوا إلى مختفين قسرًا، وفي حال موتهم يتحولون إلى ضحايا تحت التعذيب، وعلى النظام السوري كشف مصيرهم أولًا، وبعدها يبدأ السؤال كيف قُتلوا؟ وأين الجثث؟ ويكون حق الأهالي بالمطالبة القضائية بالتعويض والمحاسبة.

وبلغ عدد المعتقلين اعتقالًا تعسفيًا في سوريا نحو 150 ألفًا، أكثر من 87% منهم في سجون النظام السوري، وفق بيانات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وعدد المختفين قسرًا نحو مئة ألف، أكثر من 84% منهم يُتهم النظام السوري بتغييبهم، منذ آذار عام 2011 حتى آب عام 2020.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة