قراءة في إحاطة بيدرسون الأخيرة.. مؤتمر دولي وفق “2254”

ع ع ع

أسامة آغي

فشل الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية السورية في جنيف، كان دافعًا للمبعوث الأممي الخاص بالملف السوري، غير بيدرسون، إلى تقديم إحاطة شاملة حول مفاوضات اللجنة الدستورية، هذه الإحاطة لم تكن كسابقاتها، لأنها وضعت القضية السورية برمتها تحت الضوء.

ووفق إحاطة بيدرسون، فإن الحاجة إلى “صيغة جديدة للنقاش الدولي، وشكل جديد وضروري من أشكال الدبلوماسية والتعاون”، تبدو ملحة وأساسية لدفع عربة تنفيذ القرار “2254”.

هذه الصيغة الدبلوماسية يمكن قراءتها بصورة أعمق، فالشكل الجديد من الدبلوماسية، الذي يطالب به بيدرسون، هو شكل محتواه تعاون دولي، عبر أدوات مختلفة عما تم التعامل به حتى نهاية الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية.

هذه الرؤية تطرح فكرة عقد مؤتمر دولي، بإشراف الأمم المتحدة، قاعدة نقاشاته ومخرجاته هي القرار “2254”، هذا المؤتمر، يجب أن تُدعى إليه مجموعة الدول المنخرطة بالصراع السوري، والتي لها قوات على الأرض السورية، وكذلك دول المجموعة العربية، وممثلون للاتحاد الأوروبي، وأعضاء مجلس الأمن الدائمون وغير الدائمين.

عقد مؤتمر دولي يعني بالضرورة تغييرًا بأساليب العمل وقواعده، وما دامت الغاية من عقده هي دفع عملية الحل السياسي، فوجود هذه الدول مع طرفي الصراع السوري في مؤتمر، تضع جدول أعماله الأمم المتحدة، من خلال جوهر القرارات الدولية ذات الصلة بالشأن السوري، يسهّل اتخاذ قرارات نافذة.

إن عقد مؤتمر دولي حول سوريا لن يسمح للنظام وحلفائه بوضع عراقيل رئيسة، تُفشل الهدف من انعقاده، فهنا تذوب مساحة تعطيل اتخاذ القرارات أو الإجراءات المطلوبة.

بيدرسون الذي تحدث عن صيغة جديدة للنقاش، كان يدرك بعمق أهمية تحقيق اقتران بين عمل اللجنة الدستورية في جنيف ودبلوماسية دولية بنّاءة بشأن سوريا، تكون داعمة لهذا الجهد، والسبب في ذلك، هو أن القضية السورية ليست ملك الطرفين السوريين المتصارعين فحسب، بل هي ملك للدول المنخرطة بالصراع في سوريا، والتي لها جيوش وميليشيات، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وتركيا، وإيران، ولبنان.

بيدرسون الذي يسعى إلى هذا الهدف، يعرف تمامًا أن ظروفًا موضوعية وذاتية يجب أن تسبق عقد المؤتمر الدولي المنشود، مثل مسألة وقف إطلاق نار حقيقي على المستوى الوطني وفقًا للقرار “2254”، وأن يكون هناك نهج متفق عليه بشأن التصدي للتحدي الذي تمثله جماعات مصنفة إرهابية، ومدرجة على القوائم الخاصة بالصراع السوري.

إن تحريك ملف المفقودين، والمغيّبين قسرًا، والمعتقلين لدى كل الأطراف، هو عامل يجب أن يتم العمل عليه دوليًا، لما له من مفاعيل بإيجاد مربعات ثقة بسيطة بين طرفي الصراع السوري.

إن البقاء في مربع التفاوض الحالي، وفق الصيغة التي انبنى عليها القرار الدولي “2254”، هو بقاء غير بنّاء، لأنه لا يلزم الطرفين المتفاوضين (قوى الثورة والمعارضة، والنظام السوري) بآليات عمل محددة وملزمة، وبنفس الوقت، لا يلزمهم بجدول زمني، وهذا معناه أن ما يجري ليس تفاوضًا بل مراوحة في المكان.

بيدرسون أدرك خطر هذه المراوحة، وقال عنها إنها إذا استمرت لفترة طويلة فإنها ستشكل خطرًا حقيقيًا على العملية السياسية برمتها، ولتجنب مثل هذا الخطر، ينبغي التفاوض عبر إرادة سياسية من جميع الأطراف، وهذا لم يكن ممكنًا حتى اللحظة، في ظلّ غياب جدولة للتفاوض ووجود لآليات هذا التفاوض المنتج.

إن عقد مؤتمر دولي بالصورة التي قاربها بيدرسون، هو فعل إيجابي واضح الأهداف والمرامي، ولعل عقده يكون مخرجًا يحفظ ماء وجه الدول المنخرطة بالصراع السوري، وتحديدًا التي دخلت هذا الصراع على قاعدة الاستثمار السياسي والاقتصادي والعسكري.

الروس سيكونون في طليعة من يتخلص من أسر مستنقع الصراع السوري، فهذا الصراع في وضعه الحالي صار مكلفًا، لا بل مرتفع التكلفة، بما لن يستطيعوا دفع فواتيره لزمن أطول، ولهذا يبدو طريق عقد المؤتمر مخرجًا آمنًا لهم، على اعتبار أنه مؤتمر تعقده الأمم المتحدة، وفق قاعدة القرار “2254”.

إن الروس يمكنهم الموافقة على هذه الخطوة، إذا تمّ العمل عليها بالتعاون بينهم وبين الأوروبيين والأمريكيين، فالأخيران مصرّان على تنفيذ القرارات الدولية، وهذا المؤتمر يشكّل مظلة لها، ولذلك تبدو خطوة عقد المؤتمر الدولي أفضل من بالونات الاختبار، المتمثلة بفكرة تشكيل مجلس عسكري انتقالي خارج القرار الدولي.

الإيرانيون سيقبلون بحصة اقتصادية في السوق السورية اللاحقة، وهذا يعني وقف نزيف قواتهم وميليشياتهم على الأرض السورية، التي تتلقى الضربات من إسرائيل أو قوى الثورة والمعارضة، وبنفس الوقت تشكل خطوة حضور إيران المؤتمر الدولي فرصة لها، لمنع حدوث حرب على قواتها في فترة مقبلة على الأرض السورية.

تركيا هي الأخرى لا تمانع من عقد مؤتمر دولي حول سوريا، فمثل هذا المؤتمر، لن يسمح بطرح صيغ سياسية تتناقض واستقلال البلاد، حتى لو أخذت صيغة فيدرالية، أو صيغة حكم ذاتي قرب حدودها.

الأتراك ليسوا متشبثين بالبقاء في مناطق الشريط الحدودي السوري- التركي، ما دام المؤتمر الدولي سيأتي بحكومة انتقالية وطنية تمثّل كل السوريين، وفق دستور يقر بحقوق هذه المكونات بالمشاركة الفعالة سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا.

الأمريكيون ومعهم الأوروبيون، ليسوا ضد تحقيق انتقال سياسي، عبر مؤتمر دولي جوهر فعاليته يستند إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن. ولهذا سيكون هذا المؤتمر خطوة أولى باتجاه عقد مؤتمر آخر للدول المانحة، التي ستسهم بعملية إعادة الإعمار في سوريا.

هذا المؤتمر لن يعجب النظام السوري، ولن يشكّل له مخرجًا وفق تصوراته المبنية على إعادة تأهيله، ولهذا لن يقبل به إلّا تحت شروط تضمن له بعض ما يريده، مثل عدم محاكمة المتورطين من أركانه، وهذا أمر لا يمكنه الحصول عليه في حين تتكدس وثائق تثبت جرائمه ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها.

النظام في ظل انعقاد هذا المؤتمر، لن يفعل أكثر من تدبير مكان آمن يقبله ويحميه من تبعات محاكمات دولية.

وفق ما تقدّم، يمكن القول، إن الضرورة التاريخية لتغيير الوضع المأساوي في سوريا صارت ضرورة ملحة لكل اللاعبين بهذا الملف، وإن أي تأخير في دفع عربة السلام في سوريا، سيراكم من قيم الفواتير التي سيدفعها المتورطون بالصراع السوري، كل    وفق نسبة تورطه.

فهل يذهب المتورطون الدوليون بالصراع السوري إلى عقد مؤتمر دولي يحفظ ماء وجوههم، أم أن المكابرة قد تفعل العكس؟



مقالات متعلقة


Array

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة