في “مهد الثورة”.. السلام ضائع بين الوعود والواقع

شاب ينظر إلى عبارة جاك الموت يا دكتور على حائط في درعا - 2018 (الأناضول)

ع ع ع

درعا – حليم محمد

مرت عشر سنوات على وقوع أوائل قتلى الثورة السورية على أرض درعا، في 18 من آذار عام 2011. منذ ذلك الحين، لم تعرف المحافظة الجنوبية معنى الهدوء والاستقرار رغم وقوعها تحت سيطرة نظام لم يفلح إلا بالعنف وإثارة الفوضى.

وقف عبد السلام في طابور منتظرًا الوصول إلى عناصر “الأمن العسكري” و”المخابرات الجوية”، “هل كنتَ مسلحًا؟ نعم، ماذا كان عملك ضمن الفصيل؟ لماذا فررتَ من الجيش؟”، وجوه لم يكن يتوقع أن يقف أمامها هي من وجهت إليه الأسئلة لتقيم معه “التسوية”.

“شبح الاعتقال والتعذيب أو  التهجير كابوس يؤرق مستقبلنا”، قال عبد السلام المحمد لعنب بلدي، مضيفًا، “في الأيام الأولى، اختلط وهم الأمان الذي يتكلم عنه النظام والروس بحقيقة الأفرع الأمنية التي تحتفظ بملف أمني لكل شخص عارض النظام، منذ عام 2011”.

بحملة عسكرية مدعومة بسلاح الجو الروسي، في 19 من حزيران عام 2018، بدأت قوات النظام السوري باقتحام محافظتي درعا والقنيطرة، وسيطرت عليهما بعد أقل من شهر ونصف، منهية ستة أعوام من سيطرة الفصائل المعارضة على المنطقة.

نزح 234 ألف شخص بسبب الحملة العسكرية، وفق إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة في تموز من عام 2018، وقدر “مكتب توثيق الشهداء في درعا” عدد الغارات والبراميل المتفجرة التي أُلقيت على محافظة درعا في أثناء الحملة بـ1500 غارة وبرميل، سببت مقتل 209 أشخاص بينهم 52 امرأة و67 طفلًا.

وضعت قوات النظام السوري سكان المحافظتين أمام خيارين، إما التهجير إلى الشمال السوري، وإما الخضوع لسيطرة النظام، مع تعهد الجانب الروسي بضمان عدم تعرض المعارضين للاعتقال أو الانتقام، وأجرت الأفرع الأمنية وثيقة “تسوية”، قدمت وعودًا أمنية وخدمية، لم يرَ منها السكان حتى الآن سوى حبر على الورق.

الخدمات تتراجع بعد انتهاء الدعم

بعد أن سيطرت قوات النظام السوري على محافظتي درعا والقنيطرة، لم تعطِ أي أهمية للمشاريع الحيوية التي نفذتها مؤسسات المعارضة بمعونة داعمين إغاثيين، استجابوا للحاجات الإنسانية التي فرضها واقع الحصار والتضييق الذي فرضه النظام على المنطقة الثائرة.

في ريف درعا الغربي، أهملت مديرية الزراعة مشتل “تل شهاب” الزراعي، الذي تمكن عام 2016 من إنتاج مليون غرسة، تنوعت بين الزيتون، واللوزيات، والرمان، والكرمة.

عضو سابق بإدارة مشتل “تل شهاب”، تحفظ على ذكر اسمه، قال لعنب بلدي، إن مديرية الزراعة تسلّمت المشتل وفيه بيوت بلاستكية ومعدات ومولد كهربائي، وكان بإمكانها الاستمرار في عملية الإنتاج وتطويرها ولكنها سحبت المضخات، وصحرت المشتل، وبرأيه فإن ذلك كان محاولة “طمس لإنجاز المعارضة في بناء المشتل الزراعي”.

كذلك أهملت مؤسسات النظام مشاريع الطاقة الشمسية في مضخات تل شهاب والمزيريب، التي كانت تغذي البلدات بمياه الشرب، إذ تركتها عرضة للسرقة، وكذلك كانت حال مشروع الطاقة الشمسية الذي كان يشغل مستشفى “طفس”.

وأهملت مديرية صحة درعا المستشفيات الميدانية التي كانت مجهزة بأحدث الأجهزة الطبية، إذ خسر السكان في درعا العلاج والخدمات الطبية والأدوية المجانية التي كانت تقدم لهم، دون تعويض بترميم وإعادة تأهيل المراكز الحكومية بما يكفي الحاجات الصحية.

وحسب شهادة محمد الحسين، رجل ستيني من سكان ريف درعا، فإن مستشفيات المعارضة كانت تستقبل المرضى على مدار الساعة وتصرف لهم الأدوية، أما مستشفيات الحكومة الآن، فهي غير مجهزة بالكادر الطبي، وتعاني من الفساد الإداري، وتأخر الأدوار، إضافة إلى اضطرار المرضى لدفع الرشى.

وتعرضت منشآت المعارضة في المنطقة الشرقية للدمار و”التعفيش” من قبل قوات النظام التي اجتاحتها عسكريًا، إذ تعرض مستشفى “جاسم” للسرقة، حسبما قال عضو سابق بمجلس محلي في المدينة، تحفظ على ذكر اسمه، لعنب بلدي.

وكان المجلس المحلي التابع للمعارضة، حسب شهادة العضو، محافظًا على المنشآت الخدمية، وسلمها للمجلس البلدي التابع للنظام السوري، مثل الآليات لأعمال النظافة، والمدارس المجهزة، والسيارات الزراعية مع 90 ألف ليتر من المازوت، و250 طنًا من الطحين.

وبتقييم العضو السابق في المجلس المحلي، فإن الوضع المعيشي “كان أفضل بالنسبة للسكان من الواقع الحالي”، إذ لم يعد الخبز متوفرًا كل يوم، كما كانت الحال سابقًا، بل اقتصر توزيعه على مرة كل يومين وبنصف الكمية السابقة، وبالنسبة للسلال الغذائية، فقد كانت توزع ست مرات في السنة، وحاليًا لا تقدم سوى مرة كل تسعة أشهر من قبل “الهلال الأحمر السوري”، إضافة إلى خسارة 950 طفلًا الإعانات التي كانوا يحصلون عليها في ظل سيطرة المعارضة.

كذلك عجزت الحكومة السورية عن إعادة تفعيل المؤسسات الحكومية، مثل “مزرعة الأبقار” في بلدة المزيريب، و”أمهات الزيتون” في اليادودة، و”مصلحة النحل”، وجامعة “المزيريب”، و”البحوث الزراعية”، ومديرية الري، وغيرها من الدوائر المعطلة.

ورغم قيام بعض المنظمات بمشاريع لترحيل حوالي 265 ألف متر مكعب من الأنقاض التي خلفتها المعارك، فإنها لم تغطِّ نصف الأبينة المدمرة، حسب تقييم العضو السابق في المجلس المحلي.

ولا تزال أنقاض البيوت المدمرة دون ترحيل في درعا البلد، وحي طريق السد، ومخيم “درعا”، وقال حسام (45 عامًا) من سكان مخيم “درعا”، إن “الأنقاض التي خلّفتها المعارك ما زالت مكومة، وبعض الأهالي عادوا وسكنوا بجانب أنقاض منازلهم”.

ودفع سوء الأحوال الخدمية والمعيشية السكان في درعا لتكرار المظاهرات والاحتجاجات التي خرجوا بها عام 2011، إلا أن النظام لم يغير من أسلوبه بالرد، الذي حول بقسوته الثورة السلمية إلى صراع مسلح، فكان تعامله الأمني، من الاعتقالات والتهديدات، شبيهًا بما كان عليه سابقًا.

تحركات عسكرية للنظام في مناطق السيطرة

لم تمتنع قوات النظام عن تهديد المدن الدرعاوية بالاقتحام أو تنفيذه فعلًا، على الرغم من إعلان “سيطرتها” على المنطقة، وفي شباط الماضي، حاصرت قوات النظام السوري مدينة طفس بريف درعا الغربي، وهددت باقتحامها، وبعد مفاوضات مع “اللجنة المركزية” للمنطقة الغربية، تراجعت واكتفت بالمطالبة بترحيل قائمة من ستة أسماء إلى الشمال، ثم تنازلت عن ذلك أيضًا.

أحد سكان مدينة طفس، تحفظ على ذكر اسمه، قال لعنب بلدي، إن النظام منذ سيطرته على المنطقة الجنوبية “لم يتخلَّ عن العقلية الأمنية الخشنة، وعن التهديد والتلويح بالقوة العسكرية، لإرضاخ السكان وإعادة سيطرته القديمة كما كانت قبل عام 2011”.

في مدينة الصنمين، لم يكتفِ النظام بالاقتحام، في آذار من عام 2020، بل فرض على السكان “تسوية” جديدة، رحّل بموجبها 13 معارضًا إلى الشمال السوري، بضمانة “اللواء الثامن”، وبعدها تقدمت “الفرقة الخامسة” إلى جلين في ريف درعا الغربي، وقتلت قياديين سابقين بالمعارضة، وترافق ذلك مع قصف أوقع ثمانية مدنيين.

وفي 10 من آب 2020، حاصرت قوات النظام مدينة جاسم بريف درعا الشمالي، وقدمت قائمة أسماء لأشخاص طالبتهم بتسليم أنفسهم، بحجة انتمائهم لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وانتهت الحملة بعد تدخل “اللواء الثامن”، وتنفيذه دوريات مشتركة مع قوات “أمن الدولة”، وبعد شهرين، وبنهاية شبيهة، أوقف النظام حصاره لبلدة الكرك الشرقي، إثر هجوم على حاجز يتبع لقواته قرب المنطقة.

“الضبط” الأمني أولًا

لم يلجأ وسام الحسين (33 عامًا) لخيار التهجير، لصعوبة الوضع المعيشي في الشمال السوري، وصعوبة ترحيل أهله معه، وعدم قدرته على إعالتهم عن بعد، “كانت فكرة بقائي في الجنوب السوري انتحارًا مؤجلًا في خيار لا بد منه”.

وجد وسام نفسه مضطرًا للتسجيل في تشكيلات “الفرقة الرابعة”،  لحماية نفسه من خطر الاعتقال والمرور على الحواجز الأمنية، ولتكون خدمته العسكرية ضمن المنطقة.

بعد انتهاء العمليات العسكرية، وإبرام “التسوية” في درعا، التي سلّمت الفصائل بموجبها السلاح الثقيل (دبابات وعربات)، بالإضافة إلى السلاح المتوسط، بدأ التنازع بين تشكيلات النظام السوري للسيطرة على المنطقة الجنوبية، وذلك باستقطاب العناصر السابقين بفصائل المعارضة.

النظام السوري “استغل” حاجة الشباب للحماية من الاعتقال، حسب وصف الشباب الذين التقت بهم عنب بلدي، فباشر منذ سيطرته بفتح باب الانتساب لـ”الفرقة الرابعة”، و”الأمن العسكري”، و”المخابرات الجوية”، وسعت روسيا لتثبيت قدمها في الجنوب عبر تشكيل “اللواء الثامن”، الذي ألحقته بـ”الفيلق الخامس”، ليكون قوات رديفة لقوات النظام.

وسيطرت “الفرقة الرابعة” على الريف الغربي، في حين سيطر “اللواء الثامن” على مدينة بصرى بريف درعا الشرقي، وشُكّلت بعض المجموعات التابعة لـ”المخابرات الجوية” و”الأمن العسكري” في مناطق متفرقة من المحافظة.

لم يجد محمد الحسين (65 عامًا) اختلافًا بين سيطرة النظام والمعارضة، “نفس العناصر على الحواجز  ولكن اختلف العلَم”، حسبما قال لعنب بلدي، إذ إن انتهاء المواجهة العسكرية لم يقد إلى الأمن والهدوء بل آذن ببدء الاغتيالات المجهولة المنفذين.

حسب الإحصائيات التي جمعتها عنب بلدي من تقارير “مكتب توثيق الشهداء في درعا”، قُتل بعد “التسوية”، منتصف عام 2018، 543 شخصًا، إذ شهد عام 2019 مقتل 208 أشخاص، وعام 2020 مقتل 296 شخصًا، بالإضافة إلى مقتل 39 شخصًا خلال شهري كانون الثاني وشباط من عام 2021.

وتنوعت عمليات الاغتيال ما بين الاستهداف المباشر وتفجير العبوات الناسفة، واستهدفت قياديين وعناصر سابقين في “الجيش الحر”، ومتعاونين مع الأجهزة الأمنية، وموظفين في دوائر الدولة.

ووثقت عنب بلدي مقتل عشرة موظفين تابعين للنظام السوري خلال فترة “التسوية”، معظمهم من رؤساء البلديات، والمخاتير، والمسؤولين في حزب “البعث”.

كما اُستهدف سبعة من أعضاء “اللجان المركزية”، التي شُكّلت في حزيران عام 2018، لمفاوضة النظام والجانب الروسي على بنود “التسوية”، من مثقفين ووجهاء في المحافظة، متوزعة على ثلاث لجان رئيسة في درعا البلد، والمنطقة الغربية، والمنطقة الشرقية.

ورغم تسجيلها بنودًا مهمة في الاتفاق مع النظام، من الإفراج عن المعتقلين، و”تسوية” أوضاع المنشقين عن الخدمة الإلزامية العسكرية، وعودة الموظفين المفصولين إلى دوائرهم الحكومية، فإن اللجان لم تحصل بعد على أي مكتسبات ملموسة.



English version of the article

مقالات متعلقة


Array

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة